هل من أزمة نص في المسرح العربي؟

دمشق
'نص مراهق'

لا شك أن المتابع لحركة المسرح العربي في العقد الأخير سيكتشف لجوء عدد كبير من المخرجين المسرحيين إلى نصوص عالمية وتقديمها كما هي على المسرح، أو إعادة إنتاجها بما يتوافق وخصوصية هذا المجتمع العربي أو ذاك.

وإذا كان بعض المسرحيين يؤكد أن "أبا الفنون" بشكل خاص هو فن عالمي لا يحتكم إلى اللغة أو الجغرافيا، فإن البعض الآخر بات يحذر من الاعتماد الكلي على النصوص الغربية التي تبتعد كليا عن قضايانا العربية، أو اللجوء إلى نصوص أدبية أو فلسفية بعيدة كليا عن المسرح وهاجسه الإبداعي والإنساني.

ويقول الناقد جوان جان "لقد تسللت إلى خشبات مسارحنا في السنوات الأخيرة نصوص يمكن أن نطلق عليها ما نشاء من التسميات باستثناء تسمية نص مسرحي، فهي إما أن تكون أدبية يمكن نشرها في مجلة أدبية أو فكرية متخصصة، أو مقالات فلسفية يمكن إلقاؤها على منابر المراكز الثقافية، أو تجميعا لبعض المواعظ والحكم ورصفها إلى جانب بعضها البعض وإطلاق مصطلح نص مسرحي عليها."

ويدعو جان إلى ضرورة إعادة النظر بمفهوم النص المسرحي والوقوف بشكل حازم تجاه المحاولات التي "حوّلت العروض المسرحية العربية إلى مجالس عزاء لا يحضرها أكثر من 20 شخصا"، مشيرا إلى أن المسرح "لم يخلق للخطابات والمقالات والأشعار والحكم والمواعظ وألعاب السيرك."

فيما يؤكد المخرج مأمون الخطيب أن النصوص المسرحية العربية باتت تتحدث مؤخرا عن مشكلات فردية أو شخصية، مشيرا إلى أن عدد النصوص التي تتحدث عن قضايا إنسانية في انخفاض مستمر.
غير أن الكاتب موفق مسعود ينفي وجود أزمة نص مسرحي عربي، مشيرا إلى وجود نصوص كثيرة لكتاب مسرحيين عرب لم تجد طريقها إلى خشبة المسرح.
ويبرر ذلك بقوله إن "هناك كارثة حقيقية على مستوى الحصار والتضييق على أي قلم مسرحي حر من أجل حرمانه من المعاصرة، ولا أعرف بالضبط من يقف وراء هذه الأزمة، لكني أعتقد أنها عقلية مؤسساتية بيروقراطية متفسخة ومريضة".
فيما يرى المخرج رامز الأسود أن أزمة النص العربي تجتاز المسرح لتشمل جميع الفنون الأخرى (التلفزيون والسينما..)، مشيرا إلى أن الكتابة المسرحية بشكل خاص تحتاج لحرفيّة عالية، "وهذا ما يبرر سقوط أعمال مسرحية ضخمة من حيث الإنتاج والممثلين المتميزين بسب ضعف النص وطريقة المعالجة."

ويضيف "الناس بحاجة لعرض مسرحي من لحم ودم يمس قضاياهم ومخرونهم الثقافي، وأنا لست ضد اللجوء إلى نص أجنبي وإعادة إنتاجه ليتوافق مع الجمهور العربي، ولكني أرفض تقديم نص أجنبي لمجرد القول إني ترقيت عن حالة الفن الذي يلامس الجمهور، وأعمل في حالة تجريب فني تنظيري، لأن هذا غير معقول."

من جانبه يؤكد المخرج رمزي شقير أن أزمة النص المسرحي هي ظاهرة عالمية وليست خاصة بالمسرح العربي فحسب، مشيرا إلى أن تخطّيها يحتاج إلى تطوير القوانين والأنظمة في البلدان العربية ومنح العاملين في المسرح كافة حقوقهم.

ويضيف "لا بد من توثيق جميع العروض التي تُقدّم على المسرح، لأن هناك نصوصا تعاد صياغتها على خشبة المسرح دون وجود نسخة موثّقة عن النص، وهناك الآن كتاب شباب يطرحون عددا من الأفكار الجديدة التي لا تأخذ طريقها إلى العرض، وبالتالي تُطوى في الأدراج وتُنسى."

فيما يرى المخرج سامر عمران أن النصوص المسرحية العربية تحوي جرعة كبيرة من الإيديولوجيا وتفتقر إلى الجانب الإنساني، رافضا في الوقت نفسه فكرة هدم النص وإعادة بنائه التي يتمسك بها بعض المسرحيين العرب.

ويتابع "معظم من يهدم النص يريد تشكيله وفق ما يريد هو، والإخراج بالأساس هو تقديم قراءة جديدة للنص وليس هدمه، فعملية هدم النص وإعادة بناؤه نستطيع تسميتها 'إعداد' أو 'اقتباس' لكن ليس إخراجا، الإخراج هو فهم النص وإعادة بنائه دون المساس ببنيته الأساسية."

غير أن المخرج باسم قهار يعترض على مصطلح "أزمة النص المسرحي العربي"، لأن هذا النص برأيه "لم ينتعش ليتأزّم"، مشيرا إلى أن مشكلة النص العربي أنه "ما يزال نصا مراهقا ولم يبلغ سن الرشد، وليس هناك نصوص عربية تلبّي تطلّعات وطموحات المخرجين جماليا ومعرفيا."

ويضيف "بعض المخرجين العرب سبقوا النص العربي وبالتالي عجز الأخير عن اللحاق بهم، ولذلك أفضل النصوص العربية هي من يؤسّسها المخرجون على الخشبة، يكتبونها ويعدّونها ويعيدون توليفها، وهذا يعود لسبب بسيط هو أن الذين كتبوا النص المسرحي العربي لم يخرجوا من رحم الأدب أو الدراما لأنهم بالأساس شعراء أو روائيين أو صحافيين حاولوا كتابة نص مسرحي، فبالتالي لم يكتمل النص ولم تكن له هوية أو قامة ولم يحز على عناصره وشروطه الفنية."