هل غيرت حرب لبنان في استراتيجية الحرب؟

من أجل فهم التغييرات العميقة التي أدخلتها الحرب في لبنان على استراتيجية الحرب يتوجب العودة الى عنصرين هامين:
العنصر الأول: استراتيجية الحرب الاسرائيلية التقليدية ضد العرب.
العنصر الثاني: الاستراتيجية الأميركية الجديدة للهيمنة على العالم وتطبيقاتها في أفغانستان والعراق.
في حرب لبنان شهدنا محاولة اسرائيلية للاستفادة من خبرة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وبالتالي لتوليد مفاهيم استراتيجية معدلة تطبق للمرة الأولى في الصراع العربي- الصهيوني.
مكونات استراتيجية الحرب الاسرا ئيلية التقليدية:
أولا: الحرب الاستباقية وتحقيق المفاجأة.
ثانيا: سرعة الحسم عن طريق الافراط في استعمال القوة ودقة التخطيط.
ثالثا: نقل المعركة الى أرض الخصم، وابقاء الداخل الاسرائيلي بعيدا عنها.
رابعا: الاعتماد على التفوق الجوي والتقني والمعلوماتي.
خامسا: التقدم السريع للدبابات بعد تدمير معظم قوة الخصم بالقصف الجوي والمدفعي لتثبيت الانتصار واحتلال الأرض وتصفية جيوب المقاومة.
لم تتأثر تلك الاستراتيجية كثيرا بحرب 1973، فدروس تلك الحرب بالنسبة لاسرائيل تركزت في تطوير سلاح الجو وحل مشكلة الصواريخ المضادة التي ظهرت في حرب 1973، وادخال أحدث التقنيات العسكرية والمعلوماتية بحيث تزداد الفجوة باستمرار بين اسرائيل والدول العربية خاصة بالنسبة للتفوق الجوي.
ويمكن أن نضيف لما سبق عنصرا بالغ الأهمية يتمثل في منع حدوث مواجهة على أكثر من جبهة في وقت واحد مع التخطيط لاحتمال حصولها على أسوأ الاحتمالات.
تستند استراتيجية الولايات المتحدة في الحروب المحدودة على الاستفادة التامة من الميزات التقنية التي تم تطويرها خلال العقدين السابقين في المجال العسكري وتتضمن السيطرة الجوية ا لمطلقة ودقة الاستطلاع وتحديد الأهداف على مدار الساعة، ودقة التصويب، وقوة التدمير الهائلة للقنابل والصواريخ الحديثة والحشوات الخارقة (استعمال اليورانيوم المنضب) كل ذلك بدا وكأنه يلغي مفهوم المعركة التقليدية ويحولها الى شيء أشبه بألعاب الكومبيوتر حيث يتم تدمير الخصم عن بعد، بينما تنحصر مهمة القوات البرية المدعومة بطائرات الهليوكوبتر بتصفية جيوب المقاومة المتبقية وفرض واقع عسكري وسياسي وفق هدف الحرب.
حرب بدون خسائر بشرية تقريبا يتم حسمها بسرعة ولا مانع من توسيع التدمير لنشر الرعب ودفع الخصم لاستسلام سريع.
طبقت تلك المفاهيم في يوغوسلافيا أولا بنجاح تام ثم في أفغانستان حيث نجحت في تمزيق قوى طالبان بفعل القصف الجوي العنيف المتواصل وتقدمت القوات البرية دون مقاومة كبيرة باستثناء جيوب محدودة من المقاتلين وتم احتلال أفغانستان بغض النظر عما حدث بعد ذلك حيث أعادت طالبان تنظيم نفسها مع الزمن وتشكل اليوم مشكلة حقيقية أمام السيطرة الأميركية.
في العراق حققت الاستراتيجية الأميركية للحرب انجازا آخر حيث تم احتلال العراق بخسائر محدودة وانفرط عقد القوات العراقية قبل دخول القوات الأميركية الى بغداد وبينما ركزت القيادة العراقية حول بغداد أفضل قواتها لم تستطع تلك القوات فعل الشيء الكثير في مواجهة قصف الطائرات المقاتلة وطائرات الهليوكوبتر ومدافع الدبابات الحديثة ذات المدى الأكبر والدقة الأعلى بما لا يقاس من مثيلتها العراقية. وكما في أفغانستان لن نتحدث هنا عن المقاومة التي حدثت بعد ذلك وأثرها في فشل الحملة على العراق.
رسخت التجارب السابقة فاعلية استراتيجية الحرب الأميركية ودفعت اسرائيل لاعتمادها في مواجهتها القادمة التي كانت تخطط لها مع حزب الله. مع وعي عدم ارتكاب الخطأ الأميركي في اطالة الاحتلال والتعرض لاستنزاف المقاومة.
حين بدأت اسرائيل الحرب قامت بعزل المدن والبلدات والقرى بقصف الطرق والجسور بهدف عزل المقاومة عن قيادتها وعن بعضها البعض بحيث تتحول الى شراذم دون توجيه ودون دعم لوجستي، ووجهت أهمية خاصة لقصف مقرات حزب الله ومؤسساته وما حولها من أبنية ومرافق لشل القيادة العسكرية والسياسية وعزلها وتفكيكيها مستخدمة سلاح التدمير المرعب تماما كما فعلت الولايات المتحدة مع القيادة العراقية حيث استخدمت تعبير الصدمة والرعب كعنوان لحملتها العسكرية على العراق.
انتقلت اسرائيل بعد ذلك لقصف المواقع التي تم رصدها كمواقع لتمركز قوى المقاومة وتم قصفها وما حولها بعنف شديد.
فوجئت اسرائيل بأن اطلاق الصواريخ على المستوطنات والمدن الشمالية لم يتوقف أو يضعف، فردت بتشديد القصف الجوي وتوسيعه ليشمل البنية التحتية المدنية ومن ثم وبعد أن استنفذ القصف الجوي والمدفعي أهدافه بحيث لم يبق هدف مرصود أو محتمل دون ان يدمر عدة مرات، أصبح التقدم البري محتما خاصة وأن الصواريخ لم تتوقف فوق اسرائيل.
أثناء التقدم البري حدثت أكبر المفاجآت و أهمها على الاطلاق، فبخلاف ما حصل مع الأميركيين في العراق وأفغانستان لم يتمكن القصف الجوي المكثف من تحويل المقاتلين الى شراذم تائهة سهلة للاستسلام أو القتل.
هكذا تم تدمير عشرات الدبابات (حوالي 130 دبابة) وقتل مئات الجنود وجرح الآلاف وهي أرقام مذهلة نسبة لميزان القوى بين الطرفين.
لا شك أن اسرائيل كانت تتوقع سيناريو مختلفا تماما حيث يتم قتل وأسر الألوف من عناصر حزب الله بمن فيهم بعض القيادات الهامة ودفع مجتمع الجنوب خاصة واللبنانيين عموما للانفضاض من حول المقاومة واعتبارها سببا في الكارثة وتصفيتها سياسيا بعد ان تتم تصفيتها عسكريا، وكنتيجة مباشرة فرض شروط الهزيمة على الحكومة اللبنانية ويتضمن ذلك شريطا عازلا بمراقبة اسرائيلية وفتح الطريق أمام معاهدة سلام مفروضة من طرف واحد.
هكذا اذا أردنا معرفة حجم الانتصار للمقاومة يتوجب في البدء تقدير ما تريده اسرائيل وتتوقعه من حرب وحشية وشاملة كهذه.
ما هي المفاهيم الاستراتيجية الجديدة المنبثقة عن حرب لبنان؟
يمكن القول ان الاستراتيجية الأميركية – الاسرائيلية أصيبت في الصميم، حيث عادت الحرب لتصبح معركة مواجهة بين البشر، وعادت عناصر الايمان و القوة الأخلاقية والشجاعة وارادة القتال للظهور بعد ان ساد الاعتقاد طويلا بتحييدها بفعل التكنولوجيا العسكرية.
ثانيا: ثبت ان القصف الجوي غير قادر على حسم المعركة، وان تأثيره على المقاتلين المتحصنين جيدا تحت الأرض محدود.
ثالثا: أظهرت الحرب فاعلية الصواريخ المضادة للدبابات كما لم تظهر من قبل، وذلك يعني أن بمقدور مقاتلين مصممين على القتال ومتمرسين باستعمال تلك الصواريخ تحييد سلاح الدبابات في المعركة وتلك ثغرة كبيرة تم فتحها في استراتيجية الحرب الاسرائيلية، لقد سبق أن قام سلاح الصواريخ المضادة للدبابات في مصر بانجاز كبير بعد عبور قناة السويس في حرب 1973 حيث دمر الهجوم البري الاسرائيلي المضاد وأعطب مئات الدبابات (حوالي 400 دبابة) لكن اسرائيل قامت بعد ذلك بمحاولات تحصين اضافي لدباباتها واعتمدت على الطائرات وطائرات الهليوكوبتر في مواجهة خطر الصواريخ المضادة للدبابات أما اليوم فقد ثبت ان لاشيء يمكن ان يحد قدرة المقاتلين حملة الصواريخ المضادة المصممين على القتال الذين يعرفون كيف يختبئون ومتى يظهرون على ايقاع افدح الخسائر بالدبابات وجعلها فخا جهنميا للجنود.
رابعا: أظهرت الحرب فاعلية حرب العصابات في مواجهة الاستراتيجية الأميركية – الاسرائيلية، فالمجموعات الصغيرة 5-15 مقاتلا يمكن ان تختبئ فترات طويلة في الانفاق مع ذخيرتها ومؤنتها لتخرج في الوقت المناسب بخلاف الجيوش النظامية التي تشكل أهدافها سهلة للتدمير.
خامسا: كان المتوقع ان يتقدم الجيش الاسرائيلي مع بعض المقاومة دون ان تشكل المقاومة عقبة كأداء تدفعه لقبول وقف النار دون تحقيق أهدافه، وكانت مفاجأة كبيرة أن تصل المقاومة الى حد افشال الحملة عسكريا.
ذلك يعني اختراق استراتيجية الحرب الأميركية –الاسرائيلية، وانه كان بالامكان تغيير مجرى الحرب في العراق لو تم القتال بنفس الطريقة التي تم بها في جنوب لبنان مع توسيعه حسب امكانات العراق.
سوف يمضي وقت طويل قبل ان تنبسط كل الدلالات الاستراتيجية والسياسية لحرب لبنان لكن ما من شك في أنها أحدثت ولأول مرة اختراقا في استراتيجية الحرب الاسرائيلية والأميركية وآذنت بقرب نهاية تلك الاستراتيجية وبزوغ عصر جديد تعود فيه عناصر القوة لتتمحور حول الانسان بما يحمله من قيم واخلاق وحضارة وايمان. معقل زهور عدي