هل سينقلب العالم رأساً على عقب بحلول 2030؟

هناك قاسم مشترك بين مشاريع التنمية البشرية الناجحة، سواء كانت في مجال التعليم أوالصحة أوالنمو الاقتصادي أوالحفاظ على التراث الثقافي أو البيئة، أي أن المستفيدين من المشاريع أنفسهم شاركوا في تصميمها وإدارتها ومراقبتها بشكل عام.

بعد التدخلات التنموية التي استغرقت عقوداً ـ وحتى قروناً من الزمن ـ وتنفيذ استراتيجيات لتعزيز الخدمات الإنسانية، يشير الكمّ الهائل من الأدلة المتراكمة في جميع أنحاء العالم بوضوح إلى المشاركة الشعبية كمحدد أساسي لتنمية مستدامة ناجحة.

وقد تطور تعريف الاستدامة نفسها منذ مفهومها الأصلي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي؛ فبدلاً من مجرد التركيز على مستويات لا يمكن الدفاع عنها من استهلاك الموارد الطبيعية، توسع مفهوم الإستدامة ليشمل عدداً من العوامل - الاقتصادية والسياسية والثقافية والفنية والمالية والتاريخيّة والمناخية، وأكثر من ذلك ـ تلك التي تحمل أو تركّز على طول عمر مشاريع التنمية.

المنهجية التشاركية هي نهج شامل، ليس فقط بحكم تيسيرها مع المجتمعات المحلية بحيث يمكن تحديد وإقرار المشاريع ووضع خطط عمل لتنفيذها، ولكن أيضا لأنها تمكن من النظر في مجموعة واسعة من العوامل المذكورة أعلاه.

تمكّن الإستراتيجيات الرئيسية المستخدمة التحفيز الواسع النطاق للقاءات المجتمعية في المناطق الريفية والحضرية. ومبدئيّاً، ينبغي الاعتراف بأن ميسري الحوار المجتمعي ضروريون من أجل ضمان أن الناس يحضرون الإجتماعات المحلية على نطاق واسع، وأن كل الأصوات لديها الفرصة أن تعبر عن نفسها وأن تسمع، وتنظيم البيانات المجتمعيّة التي تمّ الحصول عليها ووضعها تحت تصرّف السكان المحليين للإطلاع عليها بحيث يتخذون أنسب القرارات المعتمدة على معلومات موثوق منها. فبدون الميسرين ستصبح اللقاءات المجتمعية الحيوية وتحديد الأولويات في الموقع وتنفيذ المشاريع في الواقع مستحيلة تقريباً.

وبالنظر إلى أن الاستدامة تتطلب مشاركة والمشاركة تتطلب التيسير، فإن التوصيات التالية تسعى لخلق حركات تنمويّة تشاركيّة على مستوى القاعدة من أسفل إلى أعلى مدفوعة إلى الأمام بمشاريع مملوكة للمجتمع ولشراكات متنوعة.

1. قد يكون الميسّرون للتخطيط المجتمعي التشاركي بكلّ معنى الكلمة أية أشخاص لديها الفرصة للتفاعل مع أعضاءالمجتمع المحلّي ويتمّ قبولها بدورها في ذلك الدّور الوسيط أو في دور طرفٍ ثالث.

وقد يكون الميسّرون ـ من بين مهنٍ أخرى ـ معلّمي مدارس، منظمي مجتمع مدني أوفنيي حكومة محلية، أو ممثلين منتخبين محلياً، أونساء وشباباً متحمّسين، أو أعضاء جمعيّات تعاونية أوعاملين في القطاع الخاص أومخاتير قرى أو متطوعين من فيلق السلام أو غيرها من المنظمات.

وتتعزّز فعالية الميسّرين بشكل كبير عندما يشاركون في ورش عمل تبني قدرات وتتضمّن التعلم التجريبي في المجتمعات المحلية.

2. التنمية المسيّرة من المجتمع المحلّي التي يعتزم إطلاقها ودعمها في جميع أنحاء البلديات والمقاطعات والمناطق سوف تزدهر إلى أقصى درجة ممكنة في إطار اللامركزية .

وينبغي الإشادة بالمغرب لمبادرته اللامركزية الإستثنائية. ومع ذلك، فإن التحديات طويلة الأجل المتبقية لتصبح هذه المبادرة أمراً مألوفاً في الحياة العمليّة ونظاماً يعمل بشكل كامل في المملكة يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار.

ا. اللامركزية هي حالة ذهنية. حتى المسؤولون على المستوى المحلّي القروي ينبغي أن يكون لهم الحق في تخصيص الموارد للتنمية البشرية المحلية. وأصبحت عادة الرّجوع للرباط العاصمة منذ عقود راسخةً بعمق في أذهان الناس بحيث أنهم في كثير من الأحيان لا يمارسون السلطة التي يمتلكونها.

ب. قد يكون للامركزية أيضاً تأثير زيادة عدم المساواة على المستوى المحلي إذا كان الشرط المسبق، وهو المشاركة المجتمعية الكاملة، التي تضمن مستوى من لعب الدور الإجتماعي، ليست في مكانها وغيرمنفّذة.

ج. وأخيراً، يمكن أن تصبح اللامركزية ببساطة بنية تنشر وتتجشّأ التفكير القديم وغير المفيد إذا لم تكن مصحوبة بورش عمل تركز على التمكين المعتمد على الذات والتفكير الحر والمبدع.

3. ينبغي تحويل السلطة للناس بقدر المستطاع - هذا في المغرب هو مستوى البلديات. وأقامت المملكة مثالاً رائعاَ في قيامها بتعديل الميثاق الوطني للبلديّات لعام 2010 مع مطلبها لممثلين منتخبين محليا من الناس لخلق خطط تنمية بلدية قائمة على المشاركة الشعبية المباشرة. (ينبغي أن تركّز أنشطة وأهداف هؤلاء الممثلين على احتياجات الشعب الحقيقية على النحو الذي يتمّ التعبير عنه في الإجتماعات المحليّة وليست منحازة لصالح جماعات ذات مصالح ضيقة).

حتى وإن اعتبر هذا المطلب القانوني تقدميّاً للغاية، للأسف لم يرافقه التدريب اللازم لكي يتمكّن الممثلون المحليون من الوفاء بهذا الالتزام المهم. لذلك، تم وضع خطط تنمويّة لا تعد ولا تحصى على مستوى البلديّات دون وعي المستفيدين المستهدفين أو اعتبار الخصوصيات المحلية.

ولذا، بدون التدريب التجريبي الأساسي في تطبيق المنهجية التشاركية على مستوى الحكومة، ستبقى اللامركزية الفعالة ووضع خطط تنموية قابلة للتطبيق على مستوى البلديّات بعيدة المنال.

وسيكون من المفيد أن نرى أن تنفيذ المشاريع المجتمعية الناتجة عن عملية تشاركية لن تدفع فقط أهداف أجندة ما بعد 2015 إلى الأمام، بل ستساعد أيضاًعلى بناء نظام لامركزي في اتخاذ القرار والإدارة.

تجتمع المجتمعات المحلية معا لتقييم احتياجاتها ومتابعة المشاريع التي تحقق النتائج التي هي الأكثر أهمية بالنسبة لها، ذلك عن طريق شراكات متنوعة. وفي هذه العملية ينشئون أيضاً علاقات مثمرة وقنوات إتصال يمكن لها، بل وينبغي، أن تفحص وتراجع بشكل مستمر من أجل دفع عجلة التنمية. هذه المسارات البلديّة أو المحليّة التي تنتج فوائد يمكن قياسها أو تقييمها للسكان المحليين تشكل بالتالي نظاماً لامركزياً في حدّ ذاته. وعلاوة على ذلك، يتطلب تقريب المستوى البلدي بقدر الإمكان إلى الناس لوضع خطط تشاركية يساعد على تشكيل هيكل وعمليات لامركزية دينامية.

وخلاصة القول، لكي تحقق أجندة ما بعد 2015 قدرتها الكاملة من حيث التنمية البشريّة والتغيير الإجتماعي، يجب أن تطلق العنان لقوة ملايين القرى والأحياء الحضرية في عالمنا، الأمر الذي يتطلّب منح السلطة لها. وهذا بدوره يستوجب التدريب التطبيقي للميسرين حتى يتسنى لهم عقد اجتماعات مجتمعيّة محليّة، والأهم من ذلك كله أنه يتطلب التمويل وتنفيذ الخطط التي لا تعد ولا تحصى والتي يقوم بوضعها وتصميمها السكان المحليون لتحسين حياتهم.