هل سيكون هناك حل فعلي لقضية الاكراد في تركيا؟

بقلم: فاروق حجي مصطفى

منذ فترة يزداد الحديث عن وجود نية لدى رجب طيب أردوغان رئيس حكومة "العدالة والتنمية" في حل القضية الكردية في تركيا. وكل ساعة يتكثف الحديث ويمتد ليصبح نقاشا بين جميع الاطراف ذات العلاقة بالقضية.
المعارضة التركية تعلن معارضتها لاي تسوية بين الاكراد وحكومة العدالة والتنمية وكذلك الحركة القومية واطراف اخرى مثل القوات الخاصة التركية. ومن وجه اخر نرى ان الاكراد لا يرون صدق النوايا لدى "العدالة والتنمية" في اي تقدم بخصوص قضيتهم وهم يرون بان الحديث المكثف لقادة العدالة والتنمية سببه ان يبقى راية العدالة والتنمية مرفوعة بين الاكراد. وكذلك ان يسجل اردوغان وعبدالله غول نقطة لصالح تركية في ملف علاقة تركية بالاتحاد الاوروبي. لكن الحديث من هذا النوع دائما يكون لصالح الطرفين اذ ان هذا الحديث يساهم في تغير الذهنية لدى الحكومة والشعب التركي من جهة وحزب العمال من جهة اخرى. وفي الحالتين فانه لصالح تركيا كدولة وكشعب حيث ان خوض في هذا الحديث يزيد من اهمية القضية لدى الاكراد والاتراك على حد سواء.
بات معروفا ان القضية الكردية في تركيا اكبر تحد لدولة التركية وبدون حلها تبقى تركيا هشة ودولة عادية في المنطقة. الكل يريد من تركيا ان تقارب هذه القضية بجدية. اوروبا تصرّ على الحل لانها تريد ان تكون تركيا شريكا فعالا في المنطقة وكذلك الولايات المتحدة حتى تبقى حليفتها قوية. انما الاكراد يريدون الحل لانهم سئموا من الوضع الذي هم فيه حيث آلاف الرجال ما زالوا يعيشون في الجبال ومستقبلهم غامض لا يعرفون هل سيموتون غداً ام سيبقون احياء. اضافة الى ذلك فان بقاء القضية وتركها في غياهب النسيان يعني بان الاكراد ينامون على حصيرة الافعى. بمعنى انهم سيبقون معرضون لاي خطر محدق بهم وانهم سيبقون مهمشين وغير مبالين في وقت انهم يريدون العيش بكرامة واعتزاز بالوطنية التي تسعى المعارضة التركية ان تُبقى هذا حلما بعيد المنال لهم.
ولا نستغرب ان الاكراد يريدون الحل ومستعدون لتقديم كل مستلزماته. فأوصمان اوجلان (يقال عنه بأنه منشق من العمال الكردستاني ويحظى بدعم من جلال الطالباني، وهو ايضا شقيق عبدالله اوجلان وناضل معه في سنين طويلة) صار يصيح عاليا ان يترك الاكراد السلاح لابراز حسن نواياهم وكذلك قيادات حزب العمال يقولون بانهم مستعدون لتقديم اي شيء مقابل ان تصبح تركيا دولة ديمقراطية. وعبدالله اوجلان يقول اصبحنا اليوم امام استحقاق اكمال ثورة كمال اتاتورك اي ان اتاتورك بنى الجمهورية ويجب على الجميع الآن ان يعمل لاجل ان تصبح جمهورية اتاتورك ديمقراطية حقة. والحق ثمة فارق شاسع بين الجمهورية والديمقراطية. فالدولة التي يكون نظام حكمها جمهوري ليس شرطا ان تكون ديمقراطية حتى وان كان الرئيس ينتخب مباشرة. ووا، يكون هناك نظام برلماني النظام الديمقراطي يعني اعترافا بحقوق الانسان الحديثة ويعني ان يترك الانسان يعيش كما يحلو له ليقول رأيه بكل شيء دون خوف، وان يكون حرا. اضافة الى ذلك ان الدولة الديمقراطية تعني ان هناك قانونا يحدد العلاقة بين الحكومة والشعب وكذلك بين المؤسسات الدولة. هذا فضلا عن تداول السلطة سلميا وعلى وجه مشروع. فاوجلان يريد الدولة الديمقراطية لان تركيا بحاجة الى ذلك.
وثمة من يرى بان تركيا لم تخط نحو الديمقراطية حتى الآن، وان كان لديها تنافس بين الاحزاب وتداول السلطات وقوانين للاحزاب والمطبوعات. وهناك رأي عام، وهناك مؤسسات حكومية تحسب الف حساب لهذا الرأي العام. ولعل بقاء تركيا في خارج الاتحاد الاوروبي يعني ان تركيا لم تصبح ديمقراطية بعد. وحتى امس قريب اعترف اردوغان بأخطاء الدولة تجاه الاكراد وكذلك العلويين والمسيحيين. وهناك بعض الاحزاب الرسمية ما زالت ترى هذه المكونات خطرا على وحدة تركيا فكيف اذن يكون الحديث حل القضية الكردية سهلا بالرغم من ضروريته.
مع كل ذلك فهناك صعوبة على محوري اصحاب القضية في غياب الشروط والظروف لأي حل للقضية الكردية في تركيا:
المحور الكردي: ان الاكراد يريدون ان يكون هناك حلا سريعا لانهم بامس الحاجة له وتنقذ ابنائهم من الموت ومن برودة الجبال في الايام الشتوية، ويبدو انهم مهيئون نفسيا ومعنويا لاي حل مرتقب لكن ما لا يدركه الاكراد انهم امام تحد كبير، لذلك فمن جهة نرى ان حزب العمال الكردستاني يرى نفسه بمثابة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الكردي ويحدد كل مواقف انطلاقا من ذلك الاعتبار وهذا الامر الذي يبدو بمثابة حلوى لديهم فهو مر لدى بقية الاحزاب. وكان من المفترض ان تجتمع الاحزاب الكردية في تركيا وتقدم مشروعا سهل التطبيق للشارع الرسمي والشعبي التركي لا ان ينتظر الجميع ماذا سيقول اوجلان في خارطة الطريق الذي طال انتظارها مع ان اي مشروع سيقدم اذا لم يكن العمال مؤسسه وفاعله فهو سيبقى هشا وسوف لن يحظى بالموافقة عليه من قبل الجميع، لذلك كان من الافضل ان تنظر حكومة العدالة والتنمية الى حل قضية العمال الكردستاني قبل مشروع حل للقضية الكردية، لان قضية حزب العمال اصعب من حل القضية الكردية. فقضية الاكراد يمكن حلها عبر التدرج، وهو ما يعني ان يبدأ باعمار القرى المدمرة واقامة تنمية في المناطق النائية وثم صدور قانون للتعليم المدرسي وغيره واعطاء الحريات السياسية. اما معالجة مشكلة حزب العمال فيكمن في صدور عفو شامل، وهذا يتطلب ارضاء امهات جنود الاتراك الذين قتلوا في الحرب والعمل لاجل ايجاد اجماع بين الاحزاب التركية الرسمية والاهم ان يكون اوجلان طليقاً وحرا يناقش الاتراك بنفسه. وقبل ذلك تحتاج تركيا الى سوريا وايران ان تصدرا ايضا عفوا لكل العناصر للعمال الكردستاني حيث اذا اصدرت تركيا وحدها عفوا، فلن تنفع القضية بشيء وسيبقى المقاتلون في الجبال، مرة يحاربون الاتراك ومرة يحاربون ايران ومرة يصبحون احراجا لحكومة اقليم كردستان في العراق.
يبدو ان الحكومة التركية في احوج حالا لحل قضية حزب العمال قبل حل القضية الكردية لا لاجل شيء بل لاجل ان تجد طريقا سهلا لحل القضية الكردية برمتها.
اما المحور التركي، فمن الصعوبة بمكان ان تجد تركيا خارطة طريق تناسبها للحل القضية الكردية لان الاتراك انفسهم لم يصلوا بعد الى القناعة بأن حل قضية الكردية يعني جزءا من الاستحقاق الوطني التركي. فكل ما هناك انها ترى الاحزاب المعارضة التركية واردوغان يتحدثون عن القضية لان مصلحة الحزب تتطلب ذلك.
اردوغان يسعى لعدم خسارة جمهوره في 18 محافظة كردية مع ان جميع الاصدقاء الاتراك سواء من الاميركان او من اوروبا تطلب من تركيا السعي نحو حل قضية الاكراد حيث ان هناك طرفين يريان إن حل القضية من مصلحتهما، وذلك لانهما لا يريدان ان يكون الموضوع الكردي عنوان المرحلة القادمة بعد حدوث التطبيع بين العرب واسرائيل.
والحق ان هذا المطلب مطروح بين كتاب الزوايا في الصحف التركية، وتتحدث به جميع المؤسسات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني الا انه لم يحظ بقبول بعد لدى الطبقة الحاكمة المعارضة.
الزمان اليوم ليس كزمان توركوت اوزال الذي كان من أصحاب مشروع حل قضية الاكراد، وهو ربما مات بسببه. ولكن الحل ما يزال يتطلب جرأة كبيرة، خصوصا ان المنظمة اليمينية العسكرية التي كانت تخيف الجميع هي الان تحت مقصلة الدولة. ففي حين كانت تنشط خفيا وتقتل كل من يقترب من حل قضية الاكراد والارمن والمكونات الاخرى، فهي الآن في اسوء اوضاعها. لذلك، فإن فعل اردوغان وتقدم بمشروع يناسب تطلعات المجتمع الكردي والتركي فهو سيصبح مصطفى كمال اتاتورك الحديث اي اتاتورك القرن الواحد والعشرين!
والسؤال، هل سيفعل ويتجرأ اردوغان؟
الزمن هو الكفيل بالاجابة. فاروق حجي مصطفى، كاتب سياسي