هل سيعود العرب الى الدفاع المشترك ومتى؟

توجد كثير من المصطلحات العربية التي صارت شبه مصطلحات "متحفية"، شيء من التراث الذي يمكن الفرجة عليه اكثر من اي شيء آخر للاسف. من ذلك مصطلح "معاهدة الدفاع العربي المشترك" التي هي من ادبيات مؤسسة الجامعة العربية ومن بين اهم دساتيرها ووثائقها لكنها معاهدة لم يتم تفعيلها قط على الرغم من كم الفظائع والفواجع التي ضربت العرب طيلة اكثر من نصف قرن.

معاهدة ولدت من رحم نكبة العرب في فلسطين سنة 1948 فتم التوقيع عليها في العام 1950 وها قد صار عمرها أكثر من 60 عاما فهلا يجري نفض الغبار عنها ومراجعتها؟

واقعيا هنالك فزع غريب هنا وهناك من مجرد الكلام عن شيء عربي مشترك، عن اتفاق وشراكات عربية حال العرب حال باقي عباد الله في الامم البائدة والحاضرة. وهنالك احالة مباشرة لكل ما هو عربي مشترك الى مصطلحات وعهود القومية والبعثية واليسارية وما الى ذلك.

هذا التفسير المتراكم اوجد فاصلة متفاقمة فيما بين العرب لم يستثمره الا اعداء العرب انفسهم اذ وجدوا فرصهم التي لا تعد ولا تحصى في التطور والتمدد والتسلح وشراء الذمم فيما العرب مشغولون في مشاكلهم الذاتية وشؤون بيتهم الداخلي غير المستقر في اكثر من مكان.

ايران التي استغلت انشغال العرب بأنفسهم وجدت فرصتها في بناء قدراتها العسكرية الضاربة وادخال التقنية النووية بينما كان العرب يتهمون بأنهم انما كانوا يمارسون طبيعتهم الاستهلاكية في تكديس السلاح المستورد في المخازن من دون ان يهتموا بما فيه الكفاية بأسسه وتقنياته ومن دون ان يحاولوا فهم اسراره كما فعلت ايران وكما فعلت تركيا وكما فعلت اسرائيل.

هذه القوى الثلاثة تحيط بالعرب وتطبق عليهم وتمد اذرعها يمينا وشمالا اينما تشاء تمد هذا وتسلح ذاك وتمول هذا وتحرض ذاك فيما العرب ما زالوا يناقشون امكانية تفعيل مذكرة الدفاع العربي المشترك ولا يعلمون متى بإمكانهم ان يفعّلونها.

وصلت هذه القوى الاقليمية الثلاث الى عمق حواضرهم الاكثر اهمية وما زال العرب عندهم شك في امكانية ان يكونوا مجتمعين ويوقفوا ما يجري من اشعال للنيران في حواضرهم.

لا شك ان مقولة ان تأتي متأخرا خير من ان لا تأتي تبدو صحيحة في هذا الموقف فقد سمعنا ان بعض الدول العربية عازمة على تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك ولم الشمل العربي وتجاوز الخلافات في مؤتمر القمة العربية المقبل لاسيما بعد المد الطائفي والتمدد الداعشي الذي بدأ يضرب العالم العربي وقد يتفاقم الى ما لا تحمد عقباه من اشعال مزيد من الصراعات ومنها ذات الصبغة الطائفية والمذهبية وهو اسوأ ما يمكن ان يقع من سيناريوهات لكن في المقابل ان التمدد الاقليمي للقوى الثلاث واشعالها للصراعات او المساهمة فيها ووجود قوى تتبعها على الارض يستوجب من العرب مجتمعين ان يتيقظوا جيدا ويتحسبوا قبل فوات الاوان.

لا شك انه مأزق عصيب هذا الذي تعيشه البلاد العربية لا سيما بعد تمدد التنظيمات المتطرفة في كل اتجاه وتحول الدولة الى موقف المتفرج والعاجز كما حصل في اسقاط الموصل وكما حصل في اسقاط صنعاء فأين الدولة واين الدفاع العربي المشترك في هذا المسار؟

لا شك ان هنالك كثير من الكلام يدور بأن الساحة العربية اليوم هي بيد اللاعبين الكبار كالولايات المتحدة والناتو فضلا عن ايران وتركيا واسرائيل فيما لا تعد الدول العربية لاعبا كبيرا للاسف ولا توضع في الحسبان اسبقياتها، بل هي تبلغ ما يطبخه اولئك الكبار. أفهل ترانا وصلنا الى هذه الدرجة من العجز واما ان الاوان لتصحيح هذا المسار الخاطئ واخراج معاهدة الدفاع العربي المشترك من "متحف" الجامعة العربية؟

لا احد يريد الحرب ولا يتمناها ابدا لانها لا تجلب الا الويلات والخراب والدمار والمآسي والاحقاد التي لا تنطفئ نيرانها، ولكن الامم بحاجة الى ان يحسب حسابها وتكون مرهوبة الجانب ويحسب حسابها في اية ترتيبات دولية او اقليمية اذ يحزن المواطن العربي ان يرى امته آخر من يعلم وان تلك القوى الاقليمية تطبق اجنداتها بصرف النظر عن رضا العرب او عدم رضاهم.

ولقد اثبتت الايام ان الولايات المتحدة للاسف لم تنصف العرب في كثير من المواضع ولم تسمح لهم بأن يحتلوا مكانتهم الصحيحة والمتوازنة وبما في ذلك ان تبرز قوتهم ومكانتهم وكل ذلك بسبب هيمنة اللوبي الصهيوني على القرار الاميركي فضلا عن الخوف على امن اسرائيل ولهذا على العرب ان يبقوا هكذا ضعفاء ممزقين تنفرد بهم القوى الكبرى والاقليمية واحدا واحدا وتلك قمة المأساة التي آن الاوان ان تتخذ بصددها تدابير عملية فاعلة قبل فوات الاوان وقبل الايقاع بحواضر عربية اخرى في حمى الصراعات والحروب الاهلية والطائفية.

واقع لا شك انه ممزق ومرير يجري الحفاظ عليه تحت شعار ما يسمى "ادامة امد الصراعات"، الصراعات المزمنة ومثالها الصراعات الدامية في العراق ثم في سوريا ثم في ليبيا والتحقت بهم اليمن، هذه الصراعات الطويلة التي يجري ادامة امدها تتطلب من العرب اقصى درجات الحيطة والحذر والتدابير ومن ذلك احياء معاهدة اتفاقية الدفاع العربي المشترك لكي يكون للعرب صوت وثقل آخر من بين مراكز القوى الدولية والاقليمية التي تصول وتجول في البلاد العربية وتقرر مصائر دول واجيال.