هل سيتقاتل العراقيون اذا انسحبت اميركا؟

بعد اطلاق سراح نلسون مانديلا من السجن الذي قضى فيه 30 عاما من حياته، بتهمة الارهاب، في عام 1990، واصل رئيس المؤتمر التأسيسي الافريقي المفاوضات التي بدأها قبل شهور وهو في السجن مع حكومة البيض العنصرية، محاولا وضع حد للاستعمار الابيض الذي اهان الافريقي الى حد اعتباره اقل مرتبة من الانسان، مكرسا عبوديته لاستغلاله اقتصاديا.
وقد تميزت سنوات الحكم العنصري التسع الاخيرة ومع تصاعد الغضب الشعبي بتزايد الهجوم على مناطق المواطنين السود وكذلك حملات الاغتيال والتخريب وذبح قادة المؤتمر التأسيسي، واستهداف اعضائه وناشطيه وشبابه والعزل من كبار السن والمدنيين السود، وفق استراتيجية جديدة لم تشهدها جنوب افريقيا من قبل. حيث لم يعد منفدو الهجوم هم كالعادة من رجال الامن والمخابرات والشرطة الحكومية البيض والسود معا (لان النظام العنصري كان يعتمد في تنفيذ الكثير من اعماله القذرة على مجنديه ومخبريه من السود انفسهم، وكان قبولهم الانضمام في صفوف من يقتل ابناء جلدتهم مبرر دائما بعاملي الفقر والبطالة) بل من قبل مجموعات من السود المنتمين الى قبائل افريقية مقيمة في مناطق نائية من البلاد، تم جلبهم بواسطة الشاحنات وتوفير الاقامة لهم والتغاضي عن تحركهم وعملياتهم بين صفوف السود من قبائل اخرى او من مؤيدي المؤتمر التأسيسي. خلال تلك الفترة العصيبة، ولعدة سنوات، قامت مجموعات من مسلحين يرتدون الاقنعة بمهاجمة القطارات وذبح الركاب الابرياء بلا مبرر ظاهر او مسوغ عقلاني وقام آخرون باطلاق النار عشوائيا على حافلات الركاب وسيارات الاجرة وقتل كل الركاب ومهاجمة البارات والبيوت وقتل كل من فيها. ولم يسلم حتى المتوجهين الى المقابر لدفن القتلى حيث تمت مهاجمتهم واطلاق النيران عليهم. وقتل الالاف خلال بضعة اشهر وانتشرت الميليشيات التي تدافع عن مجموعة او طائفة دون غيرها. ولاحظ شهود عيان بان رجال الشرطة والامن كانوا يشجعون الميليشيات على الحرق والقتل والهجوم. فساد الرعب بين الناس وانطلقت اجهزة الاعلام الحكومية والاجنبية لتصف ما يجري بانه "عنف الاسود ضد الاسود"، بدون ان تحقق في صحة الاتهام بل وناقشت الصحافة العالمية جدوى انهاء الحكم العنصري اذا كانت نتيجته ستؤدي، كما هو ظاهر من اقتتال السود فيما بينهم، نتيجة "ثقافة العنف السائدة او المتجذرة بين السود انفسهم" الى المزيد من العنف وسيل الدماء. وادى توسع مساحة القتل الى قيام شباب المؤتمر التأسيسي ببعض العمليات المضادة كما طالب سكان المناطق المحرومة والمستهدفة نلسون مانديلا والمؤتمر التأسيسي بتسليحهم لئلا يذبحوا كالخرفان وهم عزل في بيوتهم. ومن المعروف بان البيض وعددهم اربعة ملايين ونصف كانوا يملكون 16 مليون مسدس مرخص من قبل الحكومة في عام 1985 بينما كان لا يحق للمواطن الاسود حمل العصا دفاعا عن نفسه وعائلته.
أيامها، تحدث الكثير من السود عن وجود قوة ثالثة تحرض على اثارة الفتنة بين السود انفسهم وتم في عام 1985 اغتيال دكتور ديفيد وبستر وهو يحقق في حقيقة وجود القوة الثالثة.
كان مانديلا يهاجم رئيس النظام العنصري دي كليرك بقوة وحذره من نفاد صبر الشعب وطالب باجراء تحقيق في دور اجهزة المخابرات والشرطة التابعة للنظام ومسؤوليتها موضحا بان ما يجري يدل على وجود قوة امن خاصة تعمل بشكل خفي على اثارة الفتن.. فنفي دي كليرك نفيا قاطعا ضلوع المخابرات او قوى الامن واتهم المؤتمر التأسيسي بانه يتبني نظرية المؤامرة.
الا ان التحقيق الذي تم قبيل بدأ المفاوضات مع المقاومة 1990 وبعد نهاية النظام العنصري وبعد الهجوم على مركز لعمليات المخابرات العسكرية سرعان ما تبين بان الحكومة كانت منغمرة في سلسلة من الفضائح تراوح ما بين الفساد المالي ودعم المشاريع الوهمية الى التخطيط لعمليات اغتيال قادة ونشطاء المؤتمر التأسيسي. حيث قام اللواء كريستوفيل فان دير وسثوزن، وهو الذي رقي الى رئيس للمخابرات العسكرية فيما بعد، باعطاء الاوامر في عام 1985 "باستئصال" عدد من كوادر المؤتمر، وتبين اثناء التحقيق بان القتلة كانوا من قوات الامن. كما اعترف عدد من رجال الامن السابقين بتنفيذهم "عمليات قذرة" تهدف الى زعزعة الاستقرار في جنوب افريقيا.
كما اعترف عقيد سابق في المخابرات بأن مجلس امن الدولة في ظل الرئيس السابق بوتا كان قد أسس فرقة خاصة وصفها بانها "مثل قوة بلا رأس وخارج سيطرة الحكومة" في بداية الثمانينات، كان من بين مهامها الاساسية التحريض على اثارة الفتنة والقتل واتباع اسلوب مماثل للقوات البريطانية الخاصة في ايرلندا الشمالية، وهو عدم اتخاذ الاجراءات بحق المجرمين او التغاضي عن الجرائم حتى ولو كانوا موجودين في اماكن واوقات ارتكابها. مما يعني توفير الحماية او الحصانة للمسؤولين عن الجرائم من خلال اسلوب التغاضي او التظاهر بعدم رؤية ما يحدث.
فبين تموز/يوليو 1990 وآب/أغسطس 1992 تم القاء القبض على 80 متهما فقط في جرائم متعلقة بقتل 6000 مواطن اسود في منطقة جوهانسبرغ بينما تعرض عشرات الالاف في منطقة ناتال للقتل ايضا.
هنا لابد من الاشارة الى تشابه المصطلحات التي استخدمت في جنوب افريقيا مع عدد أخر من الدول المستعمرة ومن بينها عراق اليوم. وهي مصطلحات على غرار "ثقافة العنف" التي يوسم بها كل مواطن يدافع عن نفسه رافضا عبودية الاحتلال، ومصطلح الحرب الاهلية وترويع الناس من فتنة قد تؤدي "ان يقتل السنة الشيعة او الشيعة السنة" اذا ما حدث وطالب ابناء الشعب بالرحيل الفوري لقوات الاحتلال. وكما لاحظنا ان نقاط التشابه بين قوات الاستعمار على اختلاف منشئها كثيرة. وما غزو العراق واستعماره غير نموذج كلاسيكي للاستعمار القديم متجددا بعد ان غطى عريه ببردعة الليبرالية الديمقراطية.
ويعيد غزو العراق الى الاذهان فكرة او مفهوم حق المستعمر الالهي في الاستغلال لان اهل البلد الاصليين غير قادرين على التطور وحكم انفسهم، كما يدعي الكيان الصهيوني، ومنشغلين بالاقتتال القبلي والديني الداخلي وهم بحاجة ماسة الى وجود قوات الاحتلال الضرورية جدا لمساعدتهم على المحافظة على انفسهم من أنفسهم والا انقرضوا ذبحا وموتا. هذه الفكرة هي بالذات التي بررت احتلال الفرنسيين للجزائر لمئة عام ودفع الجزائريون ثمنها مليون شهيد، وهي التي بررت غزو واحتلال اميركا لفيتنام ودفع ثمنها الشعب الفيتنامي مليوني شهيد، وهي البضاعة التي يسوقها سياسيو الاحتلال في العراق متجاهلين لجسامة الثمن الذي سيدفعه الشعب العراقي ثمنا لتحرره وانعتاقه من عبودية "الديمقراطية الاميركية".
تستند قوة الاستعمار وديمومة بقائه على اثارة الفتنة بين ابناء الشعب وبانواعها، وهي سياسة قد تنجح بدرجات مختلفة، ولولا حكمة نلسون مانديلا وقيادة المؤتمر التأسيسي لبقيت جنوب افريقيا مثخنة الجراح جراء الاقتتال الداخلي والحرب الاهلية.. لقد ناضل حزب المؤتمر التأسيسي وفق سياسة ثابتة منذ تأسيسه في عام 1918 وحتى عام 1961 وهي سياسة النضال السلمي من خلال الاحتجاج الشعبي وتنظيم المظاهرات والاضرابات وكتابة العرائض الى الحكومة. الا ان النضال السلمي لم يحقق ولو مكسبا واحدا للسود وتم اعتقل الآلاف ونقلهم من معتقل رهيب الى اخر وارتكاب المجازر العديدة بحق المواطن الاسود المحروم حتى من حق الحركة من مدينة او منطقة الى اخري واحيانا من شارع الى اخر بدعوي انه اقل من انسان بسبب لونه. كما حرم من حق التعليم بنفس مستوى البيض وحق ارتياد اماكن يرتادها البيض وكذلك المشاركة السياسية والتشريعات، وحق العمل والانتخاب والصحة المتكافئة.
فأيقن مانديلا في عام 1961 بان 49 عاما من النضال السلمي لم يحقق غير تقوية طاحونة العنف والقسوة والاحتقار ضد السود وامتهان كرامتهم يوميا، فاتخذ قرارا تاريخيا وهو خوض مستوى جديد من النضال المسلح الى جانب اشكال المقاومة الاخرى، موضحا بان السبب ناتج لاعن حب السود للعنف او لانهم يتمتعون بثقافة العنف المتوارثة بينهم بل لان الظلم الجائر الذي يتعرضون له يوميا ويحرمهم من الاحساس بوجود مستقبل آخر وعجزهم عن ايجاد سبيل مختلف لبناء مستقبل افضل لانفسهم وابنائهم قد دفعهم مرغمين الى السير في طريق يكرهونه اكثر من غيرهم.
وهذا هو الطريق ذاته الذي تسلكه المقاومة الباسلة في العراق اليوم لا لانها مشحونة بثقافة العنف والبغضاء بل لانها تدافع عن ارضها وشعبها وتأمل في مستقبل افضل لابنائها. وكلما كان رحيل قوات الاحتلال اسرع كلما تزايدت فرص شفاء العراق من سموم الفتنة الطائفية والعرقية أكبر. هيفاء زنكنة