هل ستنفذ أميركا هجماتها على مواقع النظام السوري؟

المشاهد المأساوية للمجازر المتتالية في سوريا لم تنقطع يوما منذ بداية الثورة السورية كما أنها لم تفارق مخيلتنا نحن معظم السوريين المقيمين خارج الوطن والصمت الدولي هو الذي منح النظام جرأة الايغال في القتل والإفراط في الوحشية. المجتمع الدولي الذي بقي مشلول الارادة نتيجة الفيتو الروسي، الصيني، سيبقى كذلك اذا استمر في التحكم لمجلس الأمن فيما نظام البعث يذبح السوريين على مدى أكثر من ثلاثين شهرا مستخدما مختلف أدوات القتل التقليدية الثقيلة في طول البلاد وعرضها، وصولا الى استخدام الأسلحة الكيماوية في أماكن متعددة من البلاد منها حي الشيخ مقصود ذات الأغلبية الكردية في مدينة حلب مرورا بالبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية، وأوصل هذا النظام بسوريا بلدا وشعبا الى الوضع الكارثي الذي نشهده اليوم.

الان وبعد التأكد من استخدام النظام للأسلحة الكيماوية في غوطتي دمشق في 21 من أغسطس الماضي والتي أودت بحياة أكثر من 1500 شخص جلّهم من النساء والأطفال مازالت الدول التي أعلنت صداقتها للشعب السوري واقفة مكتوفة الأيدي فيما الولايات المتحدة برئاسة أوباما تترنح بخطوة الى الأمام واثنتين الى الخلف في تلويحها بتوجيه ضربات عسكرية على مواقع النظام بغية شلّ قدرته على اعادة استخدام الأسلحة المحرمة دوليا.

الأزمة السورية ليست الأولى من نوعها فيما يتعلق بعدم اجماع المجتمع الدولي على التدخل العسكري، وقد لجأت الدول الغربية سابقا الى التدخل خارج غطاء الأمم المتحدة كما حدث في كوسوفو 1999 وفي العراق 2003.

كلفة الغزو العراقي الباهظة الثمن هي من أشد العوامل التي تقيّد التحرك الأميركي بينما الأكثر تشابها هو وضع كوسوفو 1999 حيث أنّ روسيا والصين كانتا من أشدّ المعارضين لفكرة التدخل العسكري، لكن حين أصبح العمل العسكري أمرا واقعا تعاون الروس مع ادارة بيل كلينتون لإقناع ميلوسوفيتش بالاستسلام.

ما يثير السخرية أن بعض المسئولين العراقيين يدلّون بتصريحات تخلو من المسؤولية تجاه ما يتعرض له الشعب السوري من قتل عام وإبادة جماعية ويدعون الى مناهضة التدخل العسكري في سوريا وبأن ذلك شأن سوري داخلي متناسين أنه لولا الدبابات الأميركية لكان صدام حسين قابعا على صدورهم حتى يومنا هذا ولما كان لهؤلاء وجود.

شعارات الوطنية الزائفة وإلصاق تهم التخوين بمن يريد التدخل الخارجي لوضع حد للصراع في سوريا هي مجرد جعجعة لن تحمي أرواح السوريين، ولن تطيح بنظام البعث وسيبقى الأسد على رأس السلطة كما أن المعارضة لن تتمكن من اسقاطه بالاعتماد على امكانياتها المحدودة، خاصة بعد تغلغل فصائل من القوى الاسلامية الراديكالية التي شوّهت الملامح الثورية للمعارضة بممارساتها البربرية من قطع للرؤوس، تمثيل بالجثث وساهمت الى حدّ كبير بتقليص حجم التعاطف مع المعارضين للسلطة والوقوف الى جانب الشعب السوري ومطالبهم الشرعية كدعاة للحرية، الديمقراطية والتعددية السياسية كما أنهم أصبحوا السبب الرئيس في عدم امداد القوى المعتدلة بأسلحة نوعية لحسم المعركة.

الولايات المتحدة سوف تقصف مواقع النظام لكن ليس لحماية الشعب السوري ولا لمعاقبة الأسد على استخدامه للأسلحة المحرمة دوليا كما تدعي، كذلك ليس لتخليص النظام من مخزونه من الأسلحة الكيماوية لأن تلك الأسلحة كانت في عهدة النظام منذ عشرات السنين، بل سوف تقصف المواقع الحيوية تزامنا مع ازدياد الضغوط على النظام بشكل خاص في مناطق ريف دمشق قريبا من مخازن تلك الأسلحة وقبل وقوعها بأيدي المعارضة التي تسيطر عليها القوى الاسلامية المتطرفة من وجهة النظر الأميركية، على الرغم من أن أبطال الغوطة هم الثوار الحقيقيون الذين صمدوا في وجه الة القتل الأسدية، لكن أميركا ترى فيهم تهديدا لأمنها القومي وأمن حلفائها في المنطقة وخاصة اسرائيل.

تبقى الضربات الأميركية المحتملة على الرغم من كل ذلك أملا يترقبه السوريون بمشاعر ممتزجة بين الاباء الوطني وبين الأمل بأن تساهم تلك الهجمات على اضعاف قدرات النظام الجوية التي بوساطتها يوزع سمومه القاتلة وربما جرّه فيما بعد الى طاولة مفاوضات سياسية قد تتمخض عنها تشكيل حكومة انتقالية لا يكون الأسد جزءا منها.