هل ستسرق المساعدات بعدما غابت أثناء الحرب؟

بقلم: علي ال غراش

وأخيرا بعد 22 يوما من الحرب على الشعب العربي الفلسطيني في غزة، الذي واجه الاعتداء وحيدا فريدا، تتوقف المدافع الصهيونية المعتدية ولو مؤقتا، مخلفة وراءها نحو 7 آلاف شخص بين قتيل وجريح، ودمار هائل للبنية التحتية لا يمكن تصوره، وخسائر مادية هائلة، وآثار فادحة في النفوس لا يمكن علاجها بالمسكنات، ولا بالمساعدات المالية المقدمة من النظام العربي الرسمي الذي استفاق من نومه غير الطبيعي، وتذكر بعدما انقشع غبار الحرب الشرسة، بان هناك قتلى وجرحى ودمار للأخوة الفلسطينيين في غزة، بحاجة للمساعدة والعون والتضامن، قد تم التخلي عنهم أثناء الاعتداء الوحشي الصهيوني!!.
هل ستصل هذه المساعدات إلى المتضررين والمحتاجين في غزة بأسرع وقت، بعدما بحت أصواتهم بطلب العون والمساعدة أثناء الاعتداء الإسرائيلي؟ أم أنها ستسرق وسيكون نصيب المتضررين المزيد من الضرر والألم والمعاناة؟
اتفق القادة العرب في قمة الكويت الاقتصادية على دعم الشعب الفلسطيني في غزة بالمال، عبر فتح صندوق تبرعات لإعادة أعمار غزة بمبلغ وقدره 2 مليار دولار، وتسابقت بعض الدول العربية في من سيدفع أكبر مبلغ. ولعل التسابق في التبرع وتوجيه اللوم لإسرائيل أثناء عقد القمة بعد صمت طويل أثناء الحرب، هو محاولة لتحسين المواقف، ولترميم ما قد تدمر من سمعة وصورة النظام العربي الرسمي (..)، ومحاولة للتقرب من الشعوب العربية الغاضبة. وما تبرير بعض الأنظمة لمواقفها أثناء الحرب..، والتصالح الذي شهدته القمة إلا محاولة للحفاظ على مصالح الأنظمة التي شعرت بالخسارة أمام الشارع والمقاومة والأنظمة التي ساندتها.
يأتي اتفاق القادة على الدعم المالي لأعمار الأرض المنكوبة بعد انقسام واختلاف وتهرب من تحمل المسؤولية ودعم الفلسطينيين الأحياء الصامدين بالقطاع، والاكتفاء بالتفرج وترك أهالي غزة يواجهون آليات الحرب لوحدهم، بدون أن يبادروا لتقديم أي مساعدة أو الضغط على العالم للجم الدولة الصهيونية المسعورة، ولم يتفق هولاء القادة على محاسبة المعتدي الآثم العدو الإسرائيلي، وتحميله المسؤولية الجنائية الدولية بحسب القانون الدولي على العدوان وجرائم الحرب والإبادة.
غزة الآن تعيش أوضاع كارثية ودمار كبير، ولن يشعر الأهالي بالراحة لمجرد توقف القصف الإسرائيلي، لأنهم أمام وضع أصعب من الحرب و مواجهة العدو، انه تحدي البناء وإعادة ما دمر في الحرب، وتوافر اللقمة الطعام والشراب والكهرباء والمساكن والآمان لأهالي القطاع الصامدين.
إعادة الأعمار وبناء القطاع من جديد بشكل أفضل مما كان، بحاجة إلى إرادة وإخلاص ودعم مادي كبير، وسرعة الشروع في برنامج الأعمار. وقد وفر صندوق إعادة أعمار غزة الأموال اللازمة، ولكن الخوف الكبير أن لا يتم إرسال هذه الأموال حسب الأرقام المعلنة، وعدم إيصالها إلى مستحقيها الأصليين، أو أن يتم سرقتها من قبل أصحاب الأيدي الفاسدة وتحويلها إلى الحسابات الخاصة والى مواقع أخرى، أو استغلالها من قبل المنتفعين وأصحاب المواقف الانتهازية والتيارية والمصالح الشخصية الضيقة، ـ خاصة ان ملف الفساد والاستغلال معروف في السلطة ـ والخوف أن يتكرر المشهد من جديد كما حدث في العديد من البلدان العربية المنكوبة ومنها لبنان في حرب 2006.
في لبنان تم تقديم مساعدات ضخمة بمليارات الدولارات لإعادة أعمار جنوب لبنان والضاحية، ولكنها لم تصل لغاية اليوم إلى مستحقيها، وبعد عامين من الحرب على لبنان، شاهد العالم عبر التلفزيون المناقشات الحادة والمساءلة للحكومة اللبنانية تحت قبة البرلمان اللبناني المطالبة بتوضيح مصير تلك الأموال، والسبب في عدم صرفها لمستحقيها المتضررين. سرقة المساعدات الشعوب والحكومات العربية على أتم الاستعداد لتقديم الأموال والمساعدات للأخوة الفلسطينيين في غزة، فقد أعلنت السعودية عن تبرعها لصندوق إعادة أعمار غزة بقيمة مليار دولار كمساعدة للشعب الفلسطيني في غزة، يمثل نصف المبلغ المحدد للصندوق، وقدمت الكويت نصف مليار، بعدما بادرت قطر بالافتتاح بتقديم ربع مليار دولار. وهذا العمل ليس بغريب على السعودية أو الكويت أو قطر، ولكن هناك قلق بعدم وصول تلك الأموال الطائلة إلى المتضررين.
ولهذا لابد من الاستفادة من التجارب السابقة وبالتحديد في لبنان، وضرورة وضع البرامج والخطط المناسبة، والبحث عن الأشخاص المخلصين المؤهلين من قبل الدول المانحة، والمحاسبة القانونية، والأشراف المباشر على عملية إعادة الأعمار من قبل الدول المانحة والمتبرعة، والاستفادة من تجربة الاتحاد الاروبي. وفي لبنان تجربتان: ناجحة وفاشلة.
وحققت دولة قطر والكويت والإمارات تجربة ناجحة في تقديم المساعدات في لبنان للمتضررين مباشرة بدون وسيط حكومي، إذ استطاعت هذه الدول تحقيق انجازات كبيرة على الأرض، والحصول على رضا أهالي المناطق، وليس غريب رؤية لوحات إعلانية ضخمة تعبر شكر الأهالي لتلك الدول المانحة.
بينما التجربة غير الناجحة تجربة السعودية التي قدمت المبالغ الأكثر بالمليارات، ولكنها لم تصل إلى مستحقيها المتضررين في لبنان بالصورة التي تطمح إليها القيادة والشعب السعودي، فالمناطق المسؤولة عنها السعودية هي الأقل تقدما وتطورا، وان الناس المتضررين في تلك المناطق لازالوا يعانون.
حذاري من سرقة المساعدات، وسرقة روح الانتصار والصمود والمقاومة، وسرقة غضب الشارع العربي، ومواقف الشعوب في العالم المتعاطفة مع مظلومية غزة وفلسطين. علي آل غراش