هل سبعون سنة من الاستقلال... أكثر من كافية للبنان؟

يحتفل لبنان يوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني- نوفمبر الجاري بمرور سبعين عاما على الاستقلال. يأتي الاحتفال بالذكرى في ظلّ تحدّيات لم يسبق للبلد أن واجهها يوما نظرا الى التعقيدات الداخلية والى أن الشرق الاوسط يمرّ في مرحلة مخاض يصعب التكهن بالنتائج التي ستسفر عنها.

في أساس التحديات التي تواجه لبنان، الذي لا يمكن عزله عمّا يدور في محيطه، خصوصا في سوريا، وجود رغبة ايرانية واضحة في وضع اليد على الوطن الصغير وتغيير طبيعة المجتمع اللبناني في الوقت ذاته. هدف ايران تحويل لبنان مستعمرة عن طريق استهداف مجتمعه المتنوع المؤمن بثقافة الحياة أوّلا.

لعلّ أفضل تعبير عن هذه الرغبة في تغيير طبيعة المجتمع الاصرار على افقار اللبنانيين ونشر البؤس في كل أنحاء البلد عن طريق توجيه ضربة قاصمة الى السياحة وقطاع الخدمات بكلّ فروعه من جهة وقطع العلاقات مع العرب من جهة أخرى.

مؤسف أن الحكومة اللبنانية وهي برئاسة شخصية سنّية من مدينة طرابلس اسمها نجيب ميقاتي، لم تتنبه الى خطورة التهديدات التي وجهها "حزب الله"، وهو الذراع الضاربة لايران في لبنان، الى المواطنين العرب. كان التركيز على أهل الخليج خصوصا. هؤلاء شطبوا الوطن الصغير من خريطة الاماكن التي يستطيعون تمضية العطلة أو الاستثمار فيها.

هناك ما هو أخطر من ذلك بكثير نتيجة التهديدات التي وجّهها "حزب الله" الى دول الخليج العربي وتدخله السافر في الشؤون الداخلية للبحرين وغير البحرين وذلك من منطلق مذهبي صرف. هناك مواطنون عرب باشروا بيع أملاكهم وتصفية استثماراتهم في لبنان من منطلق أنه لم يعد مكانا آمنا لهم ولعائلاتهم. لا يزال عدد هؤلاء محدودا، لكنّ هذا التوجه يرتدي طابعا في غاية الخطورة في حال لم يوضع له حدّ سريعا.

هذا التطوّر هو الاول من نوعه منذ ما قبل الاستقلال. في عزّ الحرب اللبنانية، كان هناك مواطنون عرب يأتون على الدوام الى لبنان. صحيح أن عدد هؤلاء كان قليلا، لكنّ الصحيح أيضا أن الغياب عن لبنان لم يدفع أكثرية العرب الى بيع شققهم أو ممتلكاتهم التي ظلّت تشكل توظيفا مربحا لهم.

أصبح لبنان تابعا لايران الى حدّ كبير. ليس صدفة أن احتفالات "حزب الله" في ذكرى عاشوراء هذه السنة ارتدت طابعا خاصا. تميّز هذا الطابع بعراضات كانت أقرب الى المسيرات العسكرية أكثر من اي شيء آخر وذلك من اجل افهام اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، أن ايران باتت قدرهم. يفترض باللبنانيين ادراك أنّ لا خيار آخر أمامهم غير الرضوخ لذلك القدر الايراني، خصوصا أن الانتماء الى المذهب صار لدى "حزب الله" فوق الانتماء الوطني.

في الذكرى السبعين للاستقلال، فقدت هذه الذكرى اللبنانية مضمونها بعدما قرّر حزب مذهبي هو كناية عن ميليشيا تابعة لايران تأتمر بها الذهاب الى الحرب في سوريا دفاعا عن نظام معيّن. فمهما تحدّث الامين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله عن أنّه ذهب الى سوريا دفاعا عن سوريا ولبنان ودفاعا عن فلسطين، يظلّ أنه ذهب الى سوريا للمشاركة في حرب يشنّها نظام على شعبه. هذا النظام فئوي ولا شيء آخر غير ذلك، وهو يتسلّح بالرابط المذهبي وتحالفه مع ايران ليتابع حربه على شعب يسعى الى استعادة كرامته والعيش بشكل طبيعي مثله مثل أيّ شعب آخر في العالم.

لا يمكن الاستخفاف بالصيغة اللبنانية التي استطاعت الصمود في وجه الوجود العسكري الفلسطيني في مرحلة ما بعد توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969، وهو اتفاق أخذ البلد الى حرب أهلية والى حروب للآخرين على أرضه. نعم، صمد لبنان. صمد في وجه الاحتلال السوري الذي استمرّ تسعة وعشرين عاما. ترافق صموده مع محاولة جدّية لاعادة الحياة اليه بعد توقيع اتفاق الطائف في العام 1989 ثم اعادة اعمار بيروت ووسطها والمباشرة في عملية اعادة بناء البنية التحتية للبلد كلّه.

كان هناك مشروع عربي للبنان، مشروع ذو مفهوم حضاري في الاساس، عمل الرئيس رفيق الحريري على تنفيذه خطوة خطوة. شمل هذا المشروع حماية المؤسسات التعليمية في لبنان ورفع مستوى التعليم فيها، أيّ الاستثمار مجددا في الانسان اللبناني وتمكينه من الحصول بسهولة على فرص عمل داخل البلد وخارجه، خصوصا في الخليج القريب من لبنان. استطاع رفيق الحريري بكلّ بساطة اعادة لبنان الى خريطة المنطقة من دون الدخول في صدام مباشر مع النظام السوري الذي كان يعمل في كلّ وقت على عرقلة الاعمار وتأجيج الصراعات المذهبية والطائفية...

يتبيّن اليوم أن المطلوب، أكثر من أي وقت، ضرب هذا المشروع الذي كان رفيق الحريري الذي اغتيل في العام 2005 رمزه. كذلك، يتبيّن اليوم بوضوح ليس بعده وضوح لماذا كان مطلوبا اغتيال رفيق الحريري، أي قتل المشروع العربي في لبنان واحياء المشروع الايراني الذي يستهدف تفريغ البلد من مؤسساته التي لم تعد قادرة على حماية أيّ خليجي أو عربي يزور لبنان أو يستثمر فيه.

لم يعد الموضوع موضوع مواطن خليجي يتعرّض لمضايقات في لبنان. هناك ما هو أبعد من ذلك، هناك مشروع يصبّ في اخضاع اللبنانيين واذلالهم عن طريق افقارهم وتدمير مؤسسات دولتهم وتهجيرهم. لم يعد في الامكان تشكيل حكومة لبنانية من دون ضوء أخضر من طهران. كان نجيب ميقاتي تجربة ايرانية ناجحة الى حدّ كبير في هذا المجال. ليس بعيدا اليوم الذي لن يتمكّن في اللبنانيون من انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

المؤسف أن النائب المسيحي ميشال عون الذي ليس سوى أداة من أدوات ايران، يساهم في ضرب المؤسسات اللبنانية كي لا يعود لبنان دولة عربية مستقلة تمتلك قرارها الوطني... وذلك كي يأتي قريبا يوم يقال فيه أن سبعين سنة من الاستقلال، أو شبه الاستقلال أكثر من كافية للبنان.