هل حقا نحن في حاجة إلى هذا الكاتب وكتابه؟

بقلم: السيد نجم
الان علينا مواجهة معتركنا الخاص

منذ أكثر من النصف قرن صدر كتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، اعتمد فيه الكاتب على أفكار الفيلسوف الفرنسي في "الشك المنهجي"، وجعله الخطوة الأولى في البحث..لأي مبحث، سواء أكان الموضوع جديدا أو قديما (تراثيا)، وتضمن فيما تضمن الشك في بعض المسلمات التراثية. وكانت الطامة الكبرى، فلا العقلية المستقبلة تتقبل الفكرة، ولا الفكرة (فكرة الشك المنهجي) مفهومة بالمعنى الصحيح.
اتهم الكاتب بالزندقة والكفر، ويبدو أنها أقرب التهم لكل من تسول له نفسه أن يتعقل ما حوله –حتى الآن- وبعد تلك السنوات لا ندعي أن طريق "المعرفة" هو العقل وحده، حتى الطب المتقدم الآن بدأ في إعداد دساتير العلاج لبعض الأمراض تتضمن فيما تتضمن وسائل أخرى غير الأدوية الكيماوية. قرأت دستور علاج مرض "البول السكري" في الهند ووجدته يتضمن: استخدام الماء-الهواء- البيئة- الأعشاب- الجانب الروحي (والدين) –مع الرياضة البدنية والترويح. وتأكد مصطلح "الطب البديل" أو "الطب التكاملي".
ومع ذلك يبقى العقل دربا أساسيا من دروب المعرفة أو طريقا ووسيلة مؤكدة اليها. مع قناعة خاصة بمقولات "الفتوحات" أو "الخبرات المتوارثة".. حتى أن رجال التربية يقولون أن طفل اليوم يحمل في عقله ونفسه منجزات التاريخ البشري، منذ أن كان الإنسان يعيش الكهوف حتى عرف سفن الفضاء ووسائل الاتصال المعاصرة.. وان الطفل في تأمل مراحل نموه منذ ولادته يمر بمراحل الإنسان على طول تاريخه.
لكن السؤال المتجدد دوما: ما الخلاص؟ وكيف؟ .. تصدق النية، فالكل يرجو الغد المشرق، وتختلف الوسيلة. ويبقى قبل كل شئ ضرورة أن نلتفت حولنا الآن وليس الأمس لنرى ونفهم كل المتغيرات.. وأظنها نقطة البدء.
فخصائص العصر الجديد متناقضة، فلا العقلانية تعد من الأفكار العصرية كما يقول الفيلسوف "كارل بوبر". كما أن الخاسر هو صاحب ثنائية الفكر:أما هذا أو ذاك؟!، فالكمبيوتر الآلي خلصنا من هذه الثنائية، ذلك باللجؤ إلى الحدس. بل أين الإنسانية بينما يسعى الإنسان إلى "أنسنة" الروبوت أو الإنسان الآلي.. كما يسعى هؤلاء إلى "روبتة" الإنسان نفسه؟
وياله من تحد جسيم ذلك الذي ينتظر أمتنا العربية في هذا العالم المغاير، فيلوذ الكاتب إلى الأسئلة الذهبية حسب تعبير الإغريق:ماذا و لماذا وكيف؟ ماذا يجرى من حولنا؟؟ ماذا جرى لنا؟ ماذا سيجرى لنا؟
ما يجرى من حولنا.. الحديث عن التكنولوجيا و الثقافة تداخل حتى يبدو وأن الجميع على قناعة بأن صناعة الثقافة أهم صناعات العصر الجديد. فكرة "الإنترنت" أو المعلومات فائقة السرعة وقد أصبحت ضمن البرامج السياسة للحكومات والأحزاب في أغلب دول العالم. إلا أن السؤال: حول كلفة إنشاء هذه البنية التكنولوجية تقدر بتريليونات الدولارات؟. أما وقد حدث أن استدعى الكونجرس الأمريكي كاتبا للخيال العلمي كي يتحدث عن مستقبل المعلومات.. ترى هل تاهت الخطوط الفاصلة بين الواقعي والمحتمل و الخيالي؟! كما أن البعض يفسر سقوط الاتحاد السوفيتي القديم إلى وسائل المعلومات الجديدة مثل الإنترنت وأننا نعيش عصر الشفافية و بالتالي فشلت حكومة السوفييت في تضليل شعبها و سقطت. ثم هناك أكثر من 500 قمر صناعي يبث إرساله إلى العقول الإنسانية لمختلف الجنسيات. كما يمكن الإشارة إلـ "الجات" وما يقال حولها.. ما لها و ما عليها.
أصبحت "التربية" مفهوما في مقابل التنمية وهو ما عبر عنه قلق رجال التربية في الولايات المتحدة من تخلف الطفل الأمريكي في التحصيل مقارنة بالطفل الياباني وغيره. كذلك هناك اتجاه نحو تجزئة بعض البلدان والمواقع كما في البلقان وما يسعون إليه في السودان و العراق. وماذا يعنى مشروع "الجينوم" أو التركيب الوراثي للإنسان؟

ماذا يجرى حولنا..؟
بداية ماذا جرى لنا نحن العرب من تشتت بينما التكتلات الاقتصادية و السياسية من حولنا تنمو؟ لماذا لم نصنع فلسفة كبيرة ولا توجد سوى أسماء قليل فيها متفرقين، وكذا في مجال اللغة والأعلام و التربية و غيرها. كيف نرى من بيننا من يرى في الديمقراطية وحقوق الإنسان من الأمور الغريبة؟
ولماذا نجهل تفاصيل كثيرة عن النمو العلمي لبعض البلدان المجاورة لنا وفي قلب العالم العربي؟. إقامة المآتم على جوانب ثقافتنا من إبداع و إنتاج سينمائي و مسرحي مع موت الشعر وغيره. ثم الإهمال التام للغة الأم. نرى دائما أن النهضة تقوم على غياب بقية أطراف الجوانب الفكرية.. فإما عربية أو إسلامية (مثلا) وكذلك مع بقية التيارات. كيف تركنا إسرائيل تغزو أسواقنا دون أن ندري، وتحت شعار أن تلك البضائع صناعة أوروبية أو غيرها. إذا تشكك البعض عندنا في أهمية الثقافة العلمية، لا يعلم أن الهند بصدد إنشاء 1000 ألف متحف للعلوم على أرضها. وما هذا التخلف في مجال الترجمة عموما؟
والآن ماذا سيجرى لنا؟
سوف تتقلص سيادة الحكومات بفعل العولمة. ربما تتآكل مواردنا المحدودة ونعجز عن بناء البنى التحتية لطريق المعلومات الفائقة السرعة. كما قد تتقلص فرص العمل بفعل العولمة أيضا. قد تعجز المؤسسات التربية من تحقيق أغراضها الكبرى لزيادة تكلفة التربية و التعليم. سوف تخترق إسرائيل الأسواق العربية. سيواجه إبداعنا صعوبات في عملية التسويق العالمية. سوف ندفع مبالغ باهظة في موضوع الحقوق الفكرية ورسومها المنتظرة. وهناك صعوبات متوقعة أمام لغتنا العربية و تداولها العلمي العالمي و استخدامها، مما قد يجعلنا نلجأ إلى اللغات الأجنبية. كما ستتمادى إسرائيل في تشويه الثقافة العربية والإسلامية.
يبدو أنه من الضروري على المثقف العربي مواجهة التحديات التي يتعرض لها لمواجهة الخصم الثقافي الإسرائيلي ونظام العولمة الضاغط على الشعوب الصغيرة و الفقيرة.
وعن مواجهة التحديات الداخلية.. يلزم حشد التكتل العربي ضد محاولات الفرقة و التفرقة. كما يلزم بالضرورة لم شمل النخبة المثقفة واقامة الحوار بينها. التصدي للروح السلبية وفقدان الثقة في الذات العربية. تفعيل قنوات الاتصال بين مثقفي المشرق و المغرب العربي مع مثقفي المهجر.. فالثقافة لم تعد أحادية، وبات "العلم" ثقافة.ثم التصدي لمظاهر إهدار العقل العربي من محو الأمية التي هي داء وبال يجب الانتباه له.. مع ضرورة التخلص التصدي لأزمة اللغة العربية تنظيرا و تعليما واستخداما. نزع فتيل التناقض المفتعل بين العلم و الدين. الاهتمام بالمرأة و الطفل. استيعاب التكنولوجيا الحديثة للأجيال الجديدة وانتاجها وليس استهلاكها، مثل الاهتمام بصناعة المعلومات، مع الاهتمام بالتراث كمورد ثقافي. العمل على إحياء الفكر الفلسفي، والتصدي للنظرة المتدنية للفكر الفلسفي و النظري عموما، وتهيئة المناخ للنخبة القادرة عليه لممارسة حقها التأمل.
أما مواجهة تحديات الخارج فذلك بتهيئة الشعوب العربية للصراع الثقافي- المعلوماتى مع الأخر غير العربي. التوعية بسلبيات العولمة واتفاقية الجات والعمل على تجاوزها بمزيد من الإنجاز وجودة الإنتاج. المساهمة في صياغة صورة الثقافة العربية و الإسلامية على الإنترنت الذي أصبح من وسائل الحياة اليومية لطفل الخامسة وربما الأقل في بعض البلدان. مراجعة شاملة لنتائج الحوار الإسلامي المسيحي، وتجديد منطلقاته في ضوء تجارب العشرين سنة الماضية.. على اعتبار أن السماحة وتجاوز الصغائر هي جوهر التعامل بين الأفراد.
ولا يغفل الكاتب والمثقف العربي مواجهة تحدياته في إعداد نفسه.. بالتعرف على خريطة الفكر العربي الراهن وتوجهاته الرئيسية. التخلص من العزلة الذهنية زمانيا و مكانيا، وهى العزلة آلتي تنعكس سياسيا. مع استيعاب الجوانب الثقافية والاجتماعية للمتغير المعلوماتي. وكذا يجدد المثقف العربي وسائله المعرفية، من نظرية الأدب إلى نظرية المعلومات، ومن فلسفة العلم إلى الذكاء الاصطناعي وعوالم الإنترنت.
ويتجدد السؤال: من أين نبدأ؟
أما منجزات العصر الحديث وعلاقة المبدع والمثقف العربي مع عصر المعلومات الجديد، هناك عدة نقاط جديرة بالتوقف والتأمل.. "من كتاب الثقافة العربية وعصر المعلومات".
فممارس الإبداع في العالم العربي مهامه مضنية في مناخ خانق للإبداع، غير محتف به، حائرا بين تراث ثقافته وثقافة عصره، وما بين متطلبات إنتاجه، ومطالب حياته وأمنه، وهو نفس حال المثقف. غير أن ذلك لا يعفيه من الوفاء بمهامه العاجلة التي يفرضها عليه المتغير المعلوماتى، والتي تشمل ضمن ما تشمله:
اكتساب مهارات لازمة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات في مجال تخصصه. البحث عن إنتاج فني كثيف الإبداع، لا كثيف التكنولوجيا، نظرا لعدم توافر مصادر التمويل، أو الوسائل التكنولوجية أو كليهما. تحديث عتاده المعرفي، تلبية لمطالب فنون المعلومات ذات الطابع الذهني. التصدي لمحاولات نهب موارد التراث الفني سواء من الداخل أو من الخارج، فهي بمنزلة الرصيد الإستراتيجي لإبداعنا الفني. مع بلورة دور الإبداع الفني في مواجهة الغزو الثقافي المصاحب لظاهرة العولمة. استعادة جمهوره الذي سلبته منه أجهزة الإعلام الجماهيري. كذلك الشروع في التجارب الفنية لاستخدام تكنولوجيا الواقع وهى في بدايتها.

كما يتسم العمل الإبداعي لفنون عصر المعلومات بسمات أساسية عدة، يمكن تلخيصها في عدد من العناصر:
الطابع الذهني.. الذي يكشف لنا فن عصر المعلومات عما تحدث عنه فيثاغورس بشأن تناغم أنساق الأرقام. مع العلم أن ذهنية الفن تختلف عن ذهنية العلوم، فالفن الذهني لا يحث على الفهم، بل يهيئ الذهن لتوقع المستقبل.
الطابع التفاعلي الدينامى.. وهو الذي يعطي للمتلقي فرصة التحكم في العمل الإبداعي، كأن يغير في الإيقاع الموسيقي، أو من باليتة الألوان المستخدمة في العمل التشكيلي..لم يعد هدف العمل الفني التأويل أو إثارة المشاعر أو التذوق فقط..بل الهدف حاليا هو المشاركة بين المتلقي و العمل الفني.
الطابع المزجي.. الذي يمزج بين أنساق الفنون المختلفة، وكذلك بين التراث الفني عبر الثقافات والحضارات. إن مبدع عصر المعلومات يقدم عمله الإبداعي على هيئة شظايا قابلة للاندماج مع شظايا فنية غيرها..وليس تقديم عملا فنيا متكاملا في نهايته.
الطابع الخائلي.. حيث سينحو العمل الفني صوب التخلص من المادية، ليرسم الفنان التشكيلي في الفراغ الثلاثي الأبعاد، ويؤلف المبدع الموسيقى بلا آلات، وتعزف الموسيقى بلا عازفين. وقد نحتاج إلى سينما وثائقية جديدة تسجل ما يحدث في عالم الفضاء من أحداث حيث معرضة للضياع بسبب فورية الإعلام.
سقوط الحواجز بين أجناس الفنون، مثلا يقترب الرسم ذي الثلاثة أبعاد مع النحت، وفى الأداء المسرحي يقترب من فن الرقص.. وغير ذلك.
الطابع غير الخطي.. وهو ما يتضح أكثر في فنون السرد من قصة ورواية..حيث يختفي السرد الخطي المتتابع و الشكل الارسطي، إلى شظايا وحوارات وجوانب يمكن للقارئ إعادة تشكيلها.
ربما تصبح القضية الآن..أن الفن الجديد في حاجة إلى متلقي جديد، مثله مثل المبدع في حاجة إلى دعم من تكنولوجيا المعلومات. وأن التنمية الذائقة من الأمور الهامة، مع ممارسة التذوق ومعايشة العمل الفني من أي جنس بإلحاح و تكرار.

والآن سؤال البداية هو كلمة الخاتمة..
من أين نبدأ؟.. هي "التربية" وتطوير التعليم على كل مستوياته ومناحيه.. و"اللغة" هي جوهر كل ما نرجوه، لأنها مستودع الأفكار وطريقة التفكير.. ولن يتأتى هذا سواء في التربية أو اللغة إلا مع وعى ثقافي مغاير، ثقافة تؤمن بأهمية جذور العلم ومفاهيمه الأولية وان اختلفنا في معطياته (أحيانا وخصوصا في موضوع أخلاق العلم والعلماء)، مع عدم إهمال مناحي المعرفة الأخرى!.. ولن تكتمل الحلقة وتتحقق إلا بتوافر مناخ من الحرية.
وهنا نتذكر كتاب "الشعر الجاهلي" لطه حسين.. نؤكد على أهميته ثم يلزم سريعا تجاوزه إلى ما هو أعلى وأشمل، حتى لا ننتظر طويلا، بل ندخل المعترك ونتعامل مع المعطيات اليومية والحياتية.. وربما نجدنا استوعبنا ما جاء في الكتاب من أفكار ومارسناها دون أن ندري؟ د. السيد نجم Mb_negm@hotmail.com