هل ثمة انفصام في العقل الاقتصادي السوري؟

في سوريا لدينا العديد من الظواهر الغريبة.. منها ما يمكن فهمه وتفسيره، ومنها ما يستعصي على الفهم أو التفسير مهما بلغ المستوى الفكري والثقافي والعلمي للمرء، وأياً كانت الملكات الفطرية وحدّة الذكاء ورجاحة العقل وقوة البصيرة والقدرات الخلاقة التي أنعم الله بها على المتأمل في هذه الظاهرة الغريبة العجيبة.. ظاهرة الارتفاع المتواصل في الأسعار عموماً وفي أسعار العقارات خصوصاً.
هذه الظاهرة لا مثيل لها في شتى أنحاء المعمورة.. ويكفي للتأكد من الأمر إجراء عملية حسابية بسيطة لمعرفة كم من الزمن يحتاج المواطن السوري ليمتلك بيتاً متواضعاً؟ فإذا افترضنا أن معدل سعر المنزل المتواضع في مدينة دمشق يقدر بنحو أربعة ملايين ليرة، وأن معدل دخل المواطن عشرة آلاف ليرة شهرياً (120 ألف ليرة سنوياً).. فإن على هذا المواطن (والحديث عن المواطن النظيف الشريف فقط) أن ينتظر ثلاثة وثلاثين عاماً وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ليتمكن من شراء منـزل.. هذا طبعاً مع وجوب صيامه عن الطعام والشراب واحتفاظه بنفس الملابس التي يلبسها ورفضه تلبية أيّ من حاجات أولاده وزوجته "المتطلبة".. وطبعاً بافتراض أن هذا المواطن الصالح لا يزال على قيد الحياة وأن سعر المنزل الذي يطمح لشرائه لا يزال محافظاً على سعره (4 مليون).
ولكن لِمَ التفكير بالشراء وما يترتب على هذا الحلم الميتافيزيقي من أوجاع في الرأس؟ ولِمَ لا يكون هذا المواطن أقل تواضعاً وطموحاً ويستأجر منزلاً يأويه وعائلته على قاعدة أن "الملك لله وكل من عليها فان"؟ هذا يا سيدي لأن استئجار شقة متواضعة في إحدى المدن الرئيسية أصبح حلماً جديداً يضاف إلى قائمة الأحلام السورية.. هذه القائمة طرأ عليها بعض التغيير فالحلم الأصعب تحققاً كان في الماضي القريب شراء سيارة وكان امتلاك المنزل حلماً أقل تواضعاً أما اليوم فقد انعكست المعادلة وأصبح المنزل هو الحلم الأكبر بلا منازع.
السيد ناجي عطري رئيس الوزراء السوري بشّرنا قبل أكثر من سنة ونصف بتخفيض أسعار العقارات، وما زال وقع تصريحه هذا يرنّ في آذان السوريين عندما أعلن أن "أسعار العقارات ستنخفض قولاً واحداً" لكن الأسعار أخذت بالارتفاع مجدداً بعد أسابيع قليلة على تصريح السيد عطري الذي أكد وقتذاك أن قانون الاستثمار العقاري سيصدر قريباً وأن اللمسات الأخيرة توضع على هذا القانون "المعجزة" الذي لم يصدر مع الأسف حتى الآن.
مساكين نحن السوريون لأن حالنا أصبح كحال الغريق الذي يتعلق بقشة.. ننتظر بفارغ الصبر إطلالة أحد وزرائنا الأفاضل من أصحاب العقول الراجحة والحلول السحرية والمشاريع الواعدة التي "ستوفر آلاف فرص العمل وستنعش الاقتصاد السوري". فلا يكاد يمر شهر إلا ويعلن فيه أحدهم عن مشروع استثماري جديد بمئات الملايين من الدولارات.. هذا هو حالنا منذ إطلاق ما يسمى "التحديث والتطوير والشفافية ومكافحة الفساد".. لكن كل هذه العقول والحلول والمشاريع وكل هذه "المليارات" لم تسفر حتى الآن عن انتعاش يذكر في اقتصاد بلادنا "الواعد". وإذا كانت أثمرت حقاً فلماذا هذا التضخم المخيف؟ وكيف يمكن أن نفسّر هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار والانخفاض الواضح في القيمة الشرائية لعملتنا الوطنية "المدعومة من الحكومة".
المفارقة الكبرى أن جميع المسؤولين يعلنون منذ أكثر من ست سنوات أن الأولوية للإصلاح الاقتصادي لأن الشعب يعاني من الفقر، لكن المسألة التي تحتاج إلى نظر هي نتيجة هذه الإصلاحات بعد مرور أكثر من ست سنوات على إطلاقها، فما جدوى هذه الإصلاحات إن لم تنعكس إيجاباً على المستوى المعيشي للمواطن، أليس هذا هو الهدف الأول والأخير من الإصلاح الاقتصادي أم أن هذا الإصلاح هو لتحسين المستوى المعيشي في بلاد الواق واق؟!.
في المؤتمر القطري الأخير لحزب البعث أطلق الحزب الحاكم مفهوماً اقتصادياً جديداً لم يكن مفهوماً حتى تبرع أحد المسؤولين الأفاضل بشرح المصطلح الذي دخل إلى قائمة الآلاف المؤلفة من المصطلحات التي نفخر بحصولنا على براءات اختراع فيها.. هذا المسؤول أوضح أن اقتصاد السوق الاجتماعي يعني الانفتاح والتحرير الاقتصادي مع الحفاظ على دور الدولة وتدخلها الإيجابي من أجل تحقيق مصلحة المواطن.
كنا نتمنى من أعماق قلوبنا وما زلنا أن تلتزم حكومتنا بما تقول، فتقوم بدورها "الإيجابي" وتتدخل لتحقيق مصلحة المواطن، لكن واقع الحال أنها لا تتدخل حتى الآن لا من قريب ولا بعيد.. والدليل الأكثر وضوحاً هو هذا الانفلات المخيف في الأسعار وخاصة في أسعار العقارات.
وفي ظل غياب أي تفسير رسمي لظاهرة جنون الأسعار فإن الباب يبقى مفتوحاً أمام احتمالين: الأول أن هذه الحكومة تتصرف بحسن نية إلا أنها عاجزة عن الانتقال من مرحلة حسن النوايا إلى مرحلة الإنجاز. والثاني، ونتمنى ألا يكون صحيحاً، هو أنها تُظهر غير ما تُبطن، وبالتالي فهي تكذب على الشعب ـ والعياذ بالله ـ ويكون حديثها عن التحديث والتطوير وتحسين المستوى المعيشي والشفافية ومحاربة الفساد..الخ مجرد شعارات تضاف إلى قائمة شعاراتنا.. وما أكثرها.
قبل فترة أطلّ علينا أحد المحللين الاقتصاديين المقربين من الحكومة ليقول إن الاقتصاد السوري أثبت قوته ومناعته في مواجهة الضغوط الكبيرة التي مورست على سوريا، وإن أي اقتصاد آخر ما كان له ليصمد أمام هذه "الضغوط الهائلة".
إذا قبلنا بهذا التحليل وكان حال اقتصادنا بهذه القوة التي تحدث عنها محللنا فكيف نفسّر هذه الفجوة الكبيرة الحاصلة بين مستوى الدخل وجنون الأسعار؟! وكيف بإمكان اقتصادنا أن يصمد أمام التحديات الخارجية ولا يحرك ساكناً أمام التحديات الداخلية؟ سؤال نضعه برسم جهابذة الاقتصاد السوريين.. قبل أن نقتنع كلياً بوجود انفصام في العقل الاقتصادي السوري.
كلمة أخيرة: مع الانتهاء من كتابة هذه السطور أقرّت الحكومة السورية قانون الاستثمار العقاري رسمياً.. ألف مبروك لجميع السوريين على هذا القانون الجديد الذي سيؤدي كما وعدنا السيد وزير الإسكان والتعمير السوري إلى "ضبط أسعار العقارات بشكل كامل على مستوى سوريا، وسيتيح إيجاد بيئة تشريعية مناسبة لتأمين الأراضي بشكل سريع.. وبالتالي سيؤمن السكن الملائم لمختلف الشرائح الاجتماعية في سوريا". شادي جابر Shadij73@aloola.sy