هل ثمة احتمال لاتفاق فلسطيني ـ إسرائيلي جديد؟

بقلم: ماجد كيالي

في غمرة الحديث عن احتمالات صيف حار أو خريف ساخن، وحرب هنا وهناك، تمخّضت الأجواء عن حالات مغايرة، إذ ثمة حلحلة في الأزمة اللبنانية، ومفاوضات سورية ـ إسرائيلية (برعاية تركية)، وتصريحات من الرئيس محمود عباس بشأن استئناف الحوار مع "حماس"، وحتى أنه ثمة تلميحات بشأن صفقة أمريكية ـ إيرانية في عديد من الملفات.
لكن الأكثر إثارة، بين كل ما تقدم (على أهميته)، يتعلق باحتمال الإعلان عن اتفاق فلسطيني ـ إسرائيلي جديد. بل قد يجوز القول بأن حركة الرئيس الفلسطيني تجاه حركة "حماس"، والإعلان عن استئناف المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، وغيرها من الخطوات الشرق أوسطية، ربما تصبّ باتجاه إيجاد حال من التهدئة في المنطقة، للتمهيد، أو لتمرير، الاتفاق الجديد.
ما يرجّح هذه الإمكانية، أن الوضع الفلسطيني بحاجة لمخرج من الانسداد، على أكثر من صعيد، فالحركة الوطنية، بضعفها وتراجع دورها، منقسمة على نفسها. أما السلطة فتراجعت مكانتها، داخليا وخارجيا، وهي تبدو غير فاعلة، ومرتهنة لمساعدات الدول المانحة، مع وجود 160 ألف موظف، نصفهم في السلك الأمني. و"فتح" لا تبدو قادرة على لملمة أوضاعها، وتجديد ذاتها، وحتى عقد مؤتمرها. أما "حماس" فباتت مرتهنة للواقع الشاذ الذي أنشأته بهيمنتها الأحادية والاقصائية على قطاع غزة. ومن جهة بقية الفصائل فهي حائرة إزاء تمييز نفسها، كما إزاء الاستقطاب الشعبي الحاد لصالح فتح وحماس، حيث لا تستطيع مجاراتهما، بسبب ضعف إمكانياتها، وافتقادها للإطار الدولي والإقليمي المناسب.
من ذلك ربما يعتقد البعض بأن هذا التدهور، لا يتيح ولا يحتمل اتفاقا جديدا مع إسرائيل. لكن هذا الوضع بالذات، على ضعفه، يشكل بعض نقاط القوة للدفع نحو ذلك، فحال الاستنزاف والإرهاق التي يكابدها الشعب الفلسطيني (منذ سنوات ثماني)، تضعف من رغبته أو قدرته على ممانعة أي اتفاق. أما "حماس" (المعارضة) فمحاصرة ومحشورة، لاسيما في قطاع غزة، بين مسؤوليتها عن معاناة الغزّيين، وتعرضها لاستهدافات الإسرائيليين، فضلا عن الحصار الدولي والإقليمي المفروضين عليها.
وبمعنى آخر فإن الوضع الفلسطيني الصعب والمعقد والمستنزف يسهّل تمرير أي اتفاق، بشكل أو بأخر، وحتى لو تم تنظيم استفتاء فربما أن أي اتفاق سيحظى على أكثرية، في ظل تعب الفلسطينيين من الوضع الراهن. وللتذكير، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس كان فاز في الانتخابات الرئاسية (2005) على أساس برنامج يتأسس على التفاوض، وليس على أساس الكفاح المسلح، وعلى برنامج إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وليس على أساس تحرير كل فلسطين.
وعلى الصعيدين الدولي والإقليمي فإن الأوضاع تبدو مهيأة، فالإدارة الأمريكية تلحّ على التوصل لاتفاق ما، لإضفاء صدقية على ادعاءات الرئيس بوش، بشأن القضية الفلسطينية، وللتسهيل لأمريكا في العراق. والأطراف الدوليين الآخرين، بحاجة إلى هكذا اتفاق لتخليق أجواء مريحة في الشرق الأوسط، بعد حال الاضطراب الذي أحاقت به، لاسيما في ظل التداعيات الناجمة عن الحرب ضد الإرهاب واحتلال العراق وتنامي نفوذ الإسلام السياسي المقاتل.
أما بالنسبة للفاعلين الإقليميين، فثمة مصلحة لتركيا بإشاعة الاستقرار والأمن في المنطقة، لتعزيز وضعها الإقليمي، لاسيما في البعد الاقتصادي، وأيضا للحد من تنامي النفوذ الإيراني، المستمد من مناخات الصراع ضد إسرائيل. وبالنسبة لإيران فهي بالطبع ستكون بالضد من هكذا اتفاق، ولكنها، وهي محشورة على أكثر من صعيد، لا تستطيع شيئا لعرقلة هذا الاتجاه. أما الوضع العربي، على عطالة نظامه الرسمي، فربما هو، على الأغلب، أقرب للقبول بما قد يقبل به الفلسطينيين.
عدا ذلك فإن طريقة عمل وتفكير الرئيس الفلسطيني ترجح هذا الاحتمال، فأبو مازن معروف بأنه لا يحبذ الأضواء، ويميل إلى العمل من فوق، ويفضل خلق المسارات، على إثارة المجادلات، لفرض الوقائع. وهو رجل جد واقعي، وصريح ومباشر، وهي ميزات تحسب له، على الرغم من أنها تبدو مضرة أحيانا في عالم السياسة الشرق أوسطية، لاسيما لجهة التعامل مع التلاعبات الإسرائيلية.
طبعا ليس المقصود من كل ما تقدم انه ثمة اتفاق نهائي وشامل، بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، فهذا متعذّر بالنسبة لهما، فما يجري الإعداد له يختلف عن ذلك تماما، خصوصا أن إسرائيل غير مستعدة لذلك، وهي مازالت لا تقترب من الحد الأدنى المطلوب فلسطينيا، في مختلف القضايا التفاوضية.
المعنى من ذلك أننا سنشهد نوعا من اتفاق مرحلي، أو انتقالي، أخر، يضاف إلى قائمة الحلول الجزئية والمرحلية التي دشنت مع اتفاق أوسلو (1993)، وهو مجرد اتفاق "رفع عتب"، أو اتفاق "رف"، بمعنى انه ليس ملزما وليس للتنفيذ.
وبحسب التسريبات فإن نص الاتفاق، الذي اعد من مسودات عشرات الاجتماعات التي خاضتها اللجان التفاوضية (حيث ثمة لجنة لكل قضية) بإشراف تسيبني ليفني وزيرة الخارجية وأحمد قريع رئيس الحكومة الفلسطينية السابق، سيتجنب القضايا الخلافية بين الطرفين، وهي القضايا الجوهرية (اللاجئون والقدس والحدود)، وسيتم الاكتفاء بصوغ موقف كل طرف من الأطراف في القضايا الخلافية، والفجوات بينهما، في حين سيتم التركيز على قضايا مثل الحدود المستقبلية والترتيبات الأمنية المتبادلة والاتفاقات بشأن المياه وغيرها من القضايا التي لها علاقة بالتسهيل على حياة الفلسطينيين. وأهمية هذه الصيغة أنها لا تلزم أي طرف بما لم يرض به، كما تتيح لكل طرف تسويق الاتفاق في جانبه، بدعوى انه لم يتنازل للطرف الأخر في أية مسألة، كما أنه سيوحي أن الأمور تسير باتجاه معقول، بين الطرفين المعنيين، على الصعيدين الدولي والإقليمي.
وبحسب المحلل الإسرائيلي ألوف بن فإن الميزة الرئيسة لهكذا اتفاق، بالنسبة لإسرائيل، تكمن في تخفيف الضغط الدولي عليها لإنهاء الاحتلال في الضفة الغربية. فالتزامها الانسحاب مستقبلا من معظم أراضي الضفة، سيلمح إلى أنها لا تنوي تخليد سيطرتها على الفلسطينيين. كما أن التوقيع على الاتفاق في منتدى دولي مثل مجلس الأمن سيمنح "حل الدولتين" تفسيراً متفقاً عليه ويضعف دعوات جهات معادية لإسرائيل إلى اعتماد "حل الدولة الواحدة".
أما من الجهة الفلسطينية فإن هكذا "اتفاق" سيجدّد شرعية عملية التسوية، لاسيما انه يأتي بعد تجربة الانتفاضة والمواجهات المسلحة، وبعد حال التفكك في الوضع الفلسطيني، وبعد تبيّن مدى قدرة إسرائيل على الاستفراد بالفلسطينيين، والبطش بهم، في مقابل ضعف قدرة القوى الإقليمية والدولية المتعاطفة معهم على تحقيق ولو انفراجات نسبية في وضعهم.
وبالطبع فإن ذلك لن يكون نهاية المطاف في صراع الفلسطينيين من اجل حقوقهم الوطنية، وربما أن ذلك يشكل فرصة لهم لمراجعة أوضاعهم، وإعادة بناء قدراتهم، وتحسين إدارتهم لأوضاعهم ولكفاحهم من اجل نيل حقوقهم.

ماجد كيالي