هل توحد الضربات الاميركية جبهة النصرة مع تنظيم الدولة الاسلامية؟

الجبهة في وضع الهزيمة

تواجه جبهة النصرة جناح تنظيم القاعدة في سوريا ضغوطا متزايدة من أعضائها للتصالح مع تنظيم الدولة الإسلامية المنافس والتصدي للعدو المشترك بعد أن أصابت الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة الجماعتين هذا الأسبوع.

لكن مقاتلين في جبهة النصرة يقولون إن تلك الخطوة تستلزم إعلان البيعة لتنظيم الدولة الإسلامية التي أعلنت قيام خلافة في الأراضي التي تسيطر عليها في العراق وسوريا الأمر الذي سينهي فعليا جبهة النصرة.

وأنهكت جبهة النصرة التي كانت لفترة طويلة واحدة من أكثر الجماعات التي تحارب الرئيس السوري بشار الأسد فعالية بسبب المعارك مع تنظيم الدولة الإسلامية وهو جماعة منشقة على تنظيم القاعدة وتستخدم عادة أساليب قاسية مثل قطع الرؤوس والإعدام الجماعي.

وتتشارك الجماعتان في الأيديولوجية ذاتها وفي نفس المعتقدات الجامدة لكن الخلافات دبت بينهما أثناء صراع على السلطة بين أبوبكر البغدادي زعيم الدولة الإسلامية من جهة وأيمن الظواهري زعيم القاعدة وأبو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة من جهة أخرى.

لكن الضربات الجوية والصاروخية التي تقودها الولايات المتحدة والتي أصابت قواعد لجبهة النصرة وللدولة الإسلامية في سوريا أغضبت أعضاء جبهة النصرة الذين يقولون إن الغرب وحلفائه وحدوا قواهم في حملة "صليبية" على الإسلام.

وقالت مصادر قريبة من تنظيم الدولة الإسلامية إن بعض مقاتلي جبهة النصرة ينضمون إلى الدولة الإسلامية بعد الضربات لكن هناك احساسا يتزايد بين كثيرين بأن الوقت قد حان لتنحية خلافاتهما جانبا.

وقال مصدر مقرب من قيادة جبهة النصرة "هناك أصوات متشددة داخل النصرة تضغط من أجل المصالحة مع الدولة الإسلامية" لكنه يشك في إمكانية حدوث ذلك.

وقال "أنا أعرف الجولاني. لن يتصالح أبدا مع الدولة الإسلامية. وإن فعل فإنه لن يكون إلا بأمر مباشر من أيمن الظواهري نفسه".

لكن مقاتلا من تنظيم الدولة الإسلامية قال إنه يعتقد أن هناك فرصة "بنسبة 80 بالمئة بأن ينضم الإخوة في النصرة إلى الدولة الإسلامية".

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا الجمعة إن أكثر من 200 مقاتل الكثير منهم من جبهة النصرة انضموا إلى الدولة الإسلامية في منطقة شمال حلب منذ أن قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إنه مستعد لضرب الجماعة في سوريا.

وكانت شخصية كبيرة من القاعدة حذرت في رسالة صوتية وضعت على منتديات للمتشددين على الانترنت الخميس المسلمين من الانضمام إلى الدولة الإسلامية ودعا المقاتلين في سوريا إلى إنقاذ سفينة الجهاد والوصول بها إلى البر قبل أن تحيد عن مسارها.

وقال موقع سايت الذي يراقب الجماعات الجهادية إن القيادي بالقاعدة محمد ابن محمود ربيع البحطيطي طالب المقاتلين في سوريا في رسالته تجنب الاقتتال والتعصب.

وقال البحطيطي "انقذوا سفينة الجهاد وادركوها قبل ان تحيد عن طريقها وتستقر فى طريق اهل الاهواء اسعوا إلى إعادة اللحمة بين المجاهدين واحذركم تحريش الشيطان بينكم وبين اخوانكم واياكم ودماء المسلمين وقتال المجاهدين فهو الفشل".

وأضاف "ندعو لإعادة الخلافة الراشده على منهاج النبوة لا على نهج الانحراف والكذب ونقض العهود ونكث البيعات... خلافة تقوم على العدل والشورى والالفة والاجتماع لا على الظلم وتكفير المسلمين وقتل الموحدين وتفريق صف المجاهدين ندعو لتوحيد المسلمين جميعا حول كلمة التوحيد".

انعدام الثقة

كانت جبهة النصرة تواجه حتى قبل بدء الضربات الجوية صعوبات وتخسر مقاتلين ينضمون لتنظيم الدولة الإسلامية التي تعد أفضل تنظيما وأكثر تصميما على فرض الحكم الإسلامي.

قال أبو مصعب المقدسي وهو قيادي بجبهة النصرة في رسالة صوتية وضعت على منتديات جهادية على شبكة الإنترنت ردا على سؤال وجهه أحد الإسلاميين عن موقف الجماعة من الضربات قائلا "بصراحة هذا الأمر ما بده 'لا يحتاج إلى' سؤال.. يعني حرب صليبية ضمت كل أمم الكفر ضد الدولة الإسلامية".

وأضاف أنه مهما "كانوا ومهما صار بيننا يظلوا هم إخوة لنا... إرادة العقيدة والإخوة أكبر من أي شيء. نحن مستعدون لأن نقاتل في صفهم... نحورنا دون نحورهم... دماؤهم دماؤنا وأعراضهم أعراضنا."

وقال مقاتل سابق في جبهة النصرة داخل سوريا إن الضربات الجوية عززت موقف الدولة الإسلامية.

وقال "النصرة في وضع صعب للغاية. اعتقد أنه يتعين أن يعلنوا أنها انتهت أو أوشكت على الانتهاء. يجب أن يتحلى الظواهري بالشجاعة".

وأضاف "لم تعد الأمور مثل الزمن الماضي كل سمع وطاعة له 'الظواهري'.. هذا عهد جديد له خليفة وعليه أن يفهم ذلك".

لكن مصادر من الجانبين ومقربة منهما قالت إنه سيكون من الصعب على الجماعتين العمل مع دون إندماج ونظرا لأن النصرة في وضع أضعف فإن ذلك يعني فعليا خضوعها للدولة الإسلامية.

وهذا قرار يتخذه الظواهري بنفسه. وقالت المصادر إنه يتعين عليه أن يوجه كلمة قريبا يحدد فيها موقف القاعدة من الهجمات.

وقال مصدر قريب من قيادة جبهة النصرة "الجولاني لا يثق في البغدادي ولا تروق له سياساته ولا برنامجه ويرى أنه ضال ومنحرف".

لكن المصدر قال إن هناك شخصيات في جبهة النصرة تعتبر أكثر تطرفا تريد تحقيق السلام مع تنظيم الدولة الإسلامية مشيرا بشكل خاص إلى الشيخ سامي العريدي الشرعي العام لجبهة النصرة والمقرب من الجولاني كمناصر قوي للمصالحة.

وأضاف المصدر أنه في حالة حدوث ذلك فإنه سيكون تحالفا وليس اندماجا مضيفا أن الاندماج سيكون مستحيلا لأن البغدادي الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين يريد من الظواهري أن يبايعه.

لكن حتى إذا أصدر الظواهري أوامر للنصرة بأن تحارب إلى جانب الدولة الإسلامية فإن ذلك سيعجل بنزيف النفوذ منه إلى البغدادي.

وفوجئت جبهة النصرة التي كانت تحاول بمساعدة من حلفائها حذف اسمها من قائمة الأمم المتحدة للتنظيمات الإرهابية بقصفت طائرات حربية تابعة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لعدد من مواقعها في محافظة إدلب.

ويعتقد أن عددا من القادة العسكريين للنصرة قتلوا في الضربات بمن فيهم محسن الفضلي الكويتي المعروف أيضا بأبي أسماء الجزراوي والذي اشتهر بأنه من الحلقة المقربة لزعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن ويقول مسؤولون أمريكيون إنه أيضا زعيم "جماعة خراسان".

وخراسان هو الاسم الإسلامي الذي يطلق على منطقة تضم مناطق من باكستان وأفغانستان والتي يعتقد أنها مخبأ المجلس الرئيسي لتنظيم القاعدة.

هجمات تستهدف القادة

وقال المصدر المقرب من قيادة النصرة إن جماعة خراسان يقودها مقاتلون سابقون من أفغانستان.

وأضاف المصدر "إنها مجموعة صغيرة جدا -عشرات فقط من المقاتلين. وإنها أكثر رمزية لأنها تتألف من مقاتلين سابقين جاءوا من أفغانستان وجميعهم مطلوبون في واشنطن. ويتبعون قيادة القاعدة مباشرة."

وقال مصدر آخر في جبهة النصرة إن خلافا نشب في الآونة الأخيرة بين الفضلي والجولاني لكن التعاون بينهما استمر.

وأضاف المصدر أن الضربات التي وجهت ضد "جماعة خراسان" أظهرت كذلك أن الولايات المتحدة تعرف أكثر مما يجب. وهذا قد يسبب حرجا لزعماء النصرة في أعين كبار المقاتلين الذي تساورهم شكوك بأنهم مخترقون. ويشار إلى أن زعماء النصرة انتقلوا للعمل سرا وغيروا أماكنهم منذ بدء الضربات.

وقال مصدر النصرة "دقة الهجمات على هذه المواقع تبين أن المخابرات الأميركية اخترقت النصرة ولديها عملاء بداخلها. ذلك واضح تماما لنا الآن".

وتعهد مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية والمتعاطفون معهم بالرد على الضربات. واتهموا السعودية بشكل خاص بأنها العقل المدبر وراء الهجمات.

لكن الجهاديين يقولون أيضا إن الجماعة ليست في عجلة وإنها ستنتظر لترى ماذا يعتزم التحالف أن يفعله. وانتقل زعماء الجماعة للعمل سرا حتى قبل أن تبدأ الضربات وقاموا بإخلاء معظم المباني في معقلهم في محافظة الرقة ونادرا ما يشاهد مقاتلوها في الشوارع.

وقال مقاتل من الدولة الإسلامية في سوريا "الرد سيكون في كل دولة شاركت في قصف المسلمين ودولتهم."

وأضاف "سقطت الأقنعة. وهي سقطت أمام أعيننا منذ وقت طويل لكنهم الآن انكشفوا أمام المسلمين جميعا."