هل تنجح وثيقة مكة المكرمة في إنهاء حالة العنف في العراق؟

هل سنرى بشائر حمام سلام؟

لندن ـ تباينت قراءات العراقيين والعرب لمؤتمر مكة المكرمة، الذي يجمع علماء دين من الطائفتين السنية والشيعية، بهدف التوقيع على وثيقة تحمل اسم المكان "مكة المكرمة"، لتحريم الدم العراقي على الجميع.
ويأتي المؤتمر الذي تحتضنه قبلة المسلمين، سنة وشيعة، مكة المكرمة، وترعاه منظمة المؤتمر الإسلامي، وتدعمه حكومة السعودية، يأتي في وقت ازدادت فيه أوضاع العراق الأمنية سوءا، وأمسى الحديث عن إنهاء دور الميليشيات العسكرية التي اخترقت كل دواليب الدولة من أعقد الأمور وأكثرها استحالة.
وهو مؤتمر يأتي في وقت تعمقت فيه الخلافات السياسية والمذهبية بين مختلف مكونات العراق السياسية والدينية والعرقية، لا سيما بعد إقرار البرلمان لقانون الأقاليم الذي يعتبره عراقيون كثيرون أنه التغطية القانونية والدستورية لتفتيت العراق. كما يتزامن ذلك مع ارتفاع الأصوات الغربية المنتقدة لأداء القوات الأمريكية والبريطانية في العراق، على نحو يهدد مستقبل مصالحها هناك، حتى أن الرئيس الأمريكي جورج بوش لم يستبعد المقارنة بين ما جرى في حرب الفيتنام، وما يجري في العراق. جهد محمود وامتدح كتاب وسياسيون عراقيون عرب، ما وصفوه بـ "الاستفاقة السعودية" في التعاطي مع الشأن العراقي، واعتبر خالد عيسى طه رئيس منظمة "محامون بلا حدود"، في تصريحات لوكالة "قدس برس" الدور السعودي مهم في هذه الظرفية التاريخية الصعبة التي يمر بها العراق. وقال: "بإمكان السعودية أن تلعب دورا رياديا في العراق إذا استطاعت أن تنافس الدور الإيراني المتعاظم في العراق منذ سقوط بغداد في التاسع من نيسان (أبريل) 2003 وتحد من الانتشار المستمر للمذهب الصفوي في العراق".
ودعا طه المملكة العربية السعودية إلى دخول العراق، عبر البوابة الاقتصادية، بالإضافة إلى البوابة السياسية، وتقديم السلع والمواد الغذائية، بأسعار منافسة، وبشكل يلبي حاجة العراقيين لها.
من جهته أثنى الشيخ محسن العواجي، مؤسس موقع /الوسطية في الإسلام/ على جهود مجمع الفقه الإسلامي في جدة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي في جمع الصف الوطني العراقي، وقال في تصريحات خاصة: "أي خطوة تعمل على لم الشمل العراقي ومن أي جهة كانت فإنها تستحق الإشادة والثناء والدعم".
وأكد العواجي أن خيار المفاوضات والحوار بين العراقيين لم يعد من قبيل الخيار بل أصبح الخيار الوحيد وإلا فإن البديل هو الحرب الأهلية التي لن تقف عند حدود العراق، وقال: "أعتقد أن الميدان قد حسم الأمر بأن الجميع ليس له إلا خيار التعايش".
وإذا كان خالد عيسى طه، قد قلل من أهمية نتائج مؤتمر مكة، على اعتبار أن قراراته تفتقد لجانب الإلزامية، وقال إنه كان يجب إشراك الولايات المتحدة الأمريكية في المؤتمر، "لأن لها القدرة على تحويل قرارات المؤتمر إلى واقع ملموس"، فإن محسن العواجي اعتبر أن السلبية الوحيدة في مؤتمر مكة المكرمة أنه بـ "إيعاز أمريكي"!، لكنه قال إن ذلك لا يقلل من أهمية المؤتمر وقدرته على التقريب بين الفرقاء العراقيين.
واعتبر العواجي أن أمريكا حاضرة في كل شيء حتى في مؤتمر مكة، من خلال الزيارة الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية لعواصم المنطقة، ومنها المملكة السعودية، وقال: "أمريكا موجودة في المنطقة بشكل واضح، وليس مهما أن تكون حاضرة بممثل لها في المؤتمر، لكن هذه السلبية لا تقلل من أهمية هذا الجهد". مضطرون للتعايش وشكك خالد عيسى طه في صدقية المرجعية الشيعية، فيما إذا كانت صادقة في كل ما تقوله من أنها تريد التوصل إلى مصالحة حقيقية تحفظ دماء العراقيين ووحدة العراق، وقال: "إنهم يعتمدون مبدأ التقية في المفاوضات السياسية ويمارسون على أرض الواقع عكس ذلك"، واتهم خالد عيسى طه المرجعية الدينية الشيعية العليا في العراق التي يمثلها السيد علي السيستاني باستعمال مبدأ التقية تجاه مؤتمر مكة، وقال: "إنه يدعمه بالكلام لكن في الواقع الأمر مغاير تماما على الرغم من المصداقية التي كان يملكها السيستاني يوم دعا إلى الانتخابات وعارض اعتبار العراق ملحقا للولايات الأمريكية". واعتبر طه أن إيران تمثل خطرا كبيرا ليس على العراق وحده بل على المنطقة العربي بكاملها.
لكن الشيخ محسن العواجي، قلل من هذه المخاوف، واعتبر أن الواقع يفرض على الجميع اللجوء إلى الحوار والتعايش، وقال: "الامتداد الشيعي أمر واقع، والخلاف الشيعي السني مديد في التاريخ منذ أربعة عشر قرنا، ولم يستطع أي طرف أن يلغي الطرف الآخر، ولذلك فنحن مضطرون للتعايش السلمي".
وانتقد العواجي، ما قال إنه ضعف في آداء الحكومات والشعوب والعلماء في الدول السنية، وقال: "لا يوجد في الجانب السني علماء ولا شعوب ولا حكومات توازي في جهدها وصدقها لمبدئها مثلما هو موجود في إيران. انظر مثلا لجولات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد التي تجري من دون إسراف ولا تبذير، وقارنها بمصاريف واحد من رجال الأعمال العرب والخليجيين".
نزاع سياسي لا ديني
وينظر كتاب وسياسيون عراقيون، بعيون الشك والريبة، في إمكانية أن تحدث مثل هذه المؤتمرات اختراقا في مجرى الأحداث في العراق، على اعتبار أنها تعالج معضلة سياسية بطريقة مغايرة. وقال فاضل الربيعي الكاتب والسياسي العراقي في تصريحات خاصة: "الأمر الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن أي نوع من هذه المبادرات بما فيها المؤتمرات التي تعقد في الخارج ستكون محكومة بالفشل، إذا حاولت أطراف عربية أو إقليمية معالجة الموضوع من منظور وجود صراع طائفي، والأمر ينطبق على مؤتمر مكة".
وأرجع الربيعي الذي كان قد وجه في وقت سابق انتقادات لاذعة للمرجع الديني الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني، أرجع ذلك إلى الطبيعة المغايرة للأزمة العراقية، وقال: "على القائمين على مؤتمر مكة المكرمة أن يأخذوا يعين الاعتبار أن جوهر النزاع في العراق ليس طائفيا، وأنه لا يدور بين مذاهب وكتل دينية بل إن جوهره نزاع سياسي مع الاحتلال ومع الذين تواطئوا مع الاحتلال".
وأكد فاضل الربيعي على أن المرحلة المقبلة من تاريخ العراق هي مرحلة تسامح وتعايش بالضرورة، وقال: "نعم أنا أرى أن المرحلة المقبلة مرحلة تسامح وطي الملفات البشعة، فإذا ما خرج المحتلون من العراق توجب على العراقيين أن يقبلوا بهذه الحقيقة المرة: وهي أنه يجب أن يتسامحوا مع بعضهم البعض، عفا الله عما سلف".
ويلتقي صلاح عمر العلي الديبلوماسي والسياسي العراقي، مع الربيعي في هذا الاتجاه، حيث اعتبر أن مؤتمر مكة لا يقدم للمشكلة الأساسية حلا، وقال في تصريحات خاصة: "عناصر الأزمة العراقية ثلاثة: الاحتلال والمقاومة والبعث، وهم أطراف لم يجلسوا علنا حتى الآن، أما باقي المؤتمرات المطلوب منها إنجاز المصالحة في العراق فلا طائل من ورائها إلا إضاعة الوقت وتمديد الأزمة"، على حد تعبيره.
ويأتي هذا الجدل، فيما بات يجمع العراقيون أنهم دخلوا نفقا مظلما، لا يعلمون متى يخرجون منه، وكم هي عدد "الأيام الحزينة" التي ستمر عليهم، حتى تتوقف أعمال الخطف والقتل والاغتيالات والتفجيرات اليومية، ويعود العراق مزدهرا موحدا؟

قدس برس