هل تنجح مظاهرات السبت القادم في واشنطن في منع الحرب ضد العراق؟

بقلم: علاء بيومي

يبدو أن المظاهرات التي ستشهدها واشنطن يوم السبت القادم للاعتراض على الحرب الأمريكية المتوقعة ضد العراق والتي سوف تتزامن مع مظاهرات مشابهة في مدن أمريكية وغربية أخرى سوف تمتلك العديد من مقومات القوة والتأثير.
إذا يتوقع المراقبون أن تجتذب مظاهرات السبت المقبل أكثر من مائة ألف متظاهر، وربما يتخطى عدد المتظاهرين هذا الرقم بكثير لأن العديد من جماعات السلام الأمريكية ترى مظاهرة السبت كفرصة أخيرة للتعبير عن اعتراضهم على الحرب ضد العراق.
وللقارئ أن يتخيل أن هؤلاء المتظاهرين - ومعظمهم قادمين من خارج العاصمة الأمريكية واشنطن – هم من الأفراد القياديين والمؤثرين في محيطهم ومنظماتهم، وأن كل فرد منهم قادر على التأثير – من خلال جماعته أو منظمته أو دائرة علاقاته – على عشرات وربما مئات الأفراد الآخرين.
كما أن التحالف القائم على تنظيم مظاهرة السبت والذي يسمى بتحالف أنصر - وهو اختصار الحروف الأولى من أسم التحالف وهو "تحرك الآن لوقف الحرب وإنهاء العنصرية" - هو نفس التحالف الذي نجح في شهر أبريل 2002 في حشد أكثر من 75 ألف متظاهر لمساندة القضية الفلسطينية، ثم عاد ونظم مظاهرة أكبر في شهر أكتوبر الماضي للاعتراض على الحرب ضد العراق اجتذبت مائة ألف متظاهر.
وتقول بعض التحليلات التي تابعت التحالف - والمتظاهرين النازحين إلى واشنطن يوم السبت المقبل – أن التحالف يتميز بضمه للعديد من الشباب وخاصة طلاب الجامعات الأمريكية جنبا إلى جنب مع رجال ونساء ينتمون إلى أجيال عمرية مختلفة ينتمي بعضهم إلى فترة الستينات الهامة في تاريخ الولايات المتحدة وفي تاريخ حركات السلام الأمريكية، والتي شهدت فترة الاعتراض على حرب أمريكا في فيتنام.
وتشبه جريدة سياتل تايمز في عددها الصادر في 13 يناير الحالي الشباب الأمريكي الذي سيحضر مظاهرة السبت بجيل الستينات المعارض لحرب فيتنام في ثورته ورفضه لسياسات الحكومة الأمريكية على الصعيد الخارجي، وتقول أنه جيل مثالي تعلم الوعي بالعالم وبمعاناة أبناء الشعوب الأخرى ليس من خلال الحروب ولكن عن طريق الإنترنت، بمعنى أنه جيل أكثر انفتاحا على العالم واحتكاكا بأبناء الشعوب الأخرى وتعددية في نمط تفكيره.
كما أن تحالف المنظمات المتظاهرة يوم السبت يتميز بالتعدد العرقي والديني الشديد وبقدرته على جذب أبناء الأقليات الملونة في أمريكا، كما أنه نجح حتى الآن في الحفاظ على مظاهراته سلمية ومنظمة وبعيدة عن الممارسات الشاذة أو العنيفة مما ساعده على كسب احترام بعض وسائل الإعلام وسلطات الأمن في أمريكا وواشنطن، وربما يعود هذا – إلى حد ما - إلى مشاركة بعض الجماعات الدينية والعرقية المحافظة في تلك المظاهرات والتي ترفض العنف كوسيلة للتعبير عن وجهة نظرها السياسية، ومن بين هذه الجماعات المحافظة المسلمون والعرب الأمريكيون ومنظماتهم والذين يميلون إلى التعبير عن أنفسهم سياسيا من خلال الوسائل السياسية الأكثر محافظة كالتعامل مع وسائل الإعلام ودوائر السياسة الأمريكية بشكل رسمي ومباشر.
ويفرض على المسلمين في أمريكا هذا التوجه (نحو استخدام أدوات التعبير المحافظة سياسيا) الصور النمطية السلبية المنتشرة عنهم في بعض دوائر الإعلام والسياسية والرأي العام الأمريكية والتي تربط بينهم وبين العنف، مما دفعهم إلى الميل بقوة في أساليب عملهم السياسي داخل الولايات المتحدة إلى الأساليب السلمية والمحافظة، ولذا يتوقع أن تضفي مشاركة المسلمين والعرب - والجماعات التي تتشابه معهم في درجة المحافظة السياسية - قدر من السلمية والمحافظة على مظاهرات السبت القادم وأية مظاهرات يشاركون فيها في المستقبل.
والمعروف أن المسلمين والعرب الأمريكيين يمرون خلال الفترة الراهنة بظروف صعبة قد تدفع بعضهم إلى اليأس والبقاء في منازلهم، ولكنها قد تدفع العديدين منهم إلى التحرك والنزوح إلى واشنطن للمطالبة بحقوقهم والتعبير عن إرادتهم، خاصة وأن التوجه الأخير يبدو توجها متزايدا في القوة والانتشار بين المسلمين والعرب في أمريكا بعد 11 سبتمبر.
ومن العوامل الإضافية المبشرة بقوة مظاهرات السبت القادم - وقدرتها على التأثير - الأنباء الواردة عن الاستعدادات للمظاهرة والتي تتنبأ بأن العديد ممن فاتتهم فرصة المشاركة في مظاهرتي أبريل وأكتوبر الماضيين عازمين على الحضور هذه المرة.
كما يرى البعض أن الجو السياسي العام في أمريكا خلال الفترة الراهنة سوف يلعب دورا مشجعا على التظاهر، وذلك لعدة أسباب من بينها الفوز الكبير الذي حققه اليمين الأمريكي في الانتخابات الأخيرة وشعور الكثير من الليبراليين بأن بوش لعب دور كبيرا - يتصف بطبيعته السياسية غير الحيادية - في تحقيق هذا الفوز، في الوقت الذي يزدادون فيه شعورا بالسخط على خطط الحكومة الأمريكية الداخلية وخاصة على الصعيد الاقتصادي، ويزداد فيه خوفهم من تزايد عجز الميزانية الأمريكية وتأثير ذلك على برامج التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وغيرها من القضايا الهامة التي تمس حياة المواطن الأمريكي العادي، في الوقت الذي تصر فيه أمريكا على خوض حربا – لا يراها الكثيرون ضرورية – ضد العراق قد تبلغ تكلفتها 200 مليار دولار أمريكي.
كما يشعر الليبراليون بتزايد نفوذ اليمين وسطوته على وسائل الإعلام الأمريكية خاصة مع علو صوت المنابر الإعلامية المحافظة وعلى رأسها ظاهرة قناة فوكس الأمريكية، والتي تضم مجموعة من الإعلاميين الأمريكيين المنحازين لليمين بقوة والمنتشرين جماهيريا خلال الفترة الراهنة، الأمر الذي ساعد الإدارة الحالية على فرض أجندتها بشكل واضح وقوى على الرأي العام الأمريكي وساهم في خسارة الديمقراطيين لمجلسي الكونجرس إضافة إلى البيت الأبيض.
وقد شهدت الأيام الأخيرة قدر من تسليط الضوء السياسي بالولايات المتحدة على القضايا السياسية الداخلية وخاصة على الصعيد الاقتصادي، وذلك بسبب عودة الكونجرس الأمريكي للانعقاد وبدء بعض قادة الحزب الديمقراطي في الإعلان عن ترشيح أنفسهم للمنافسة على مقعد الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2004، وأهم من ذلك إعلان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عن خططه لإصلاح الاقتصاد الأمريكي والتي تتضمن تخفيضات ضريبية كبيرة، وذلك إضافة إلى حالة الهدوء النسبي المؤقت التي تشهدها الساحة الأمريكية بخصوص العراق في ظل عملية انتظار ما ستسفر عنه زيارات مفتشي الأسلحة وحالة الاستعداد الهادئ للحرب بإرسال آلاف الجنود الأمريكيين ومعداتهم العسكرية إلى الخليج.
ولكن هل تعني كل هذه الأسباب والمظاهر الدالة على أهمية وتأثير مظاهرات السبت القادم في واشنطن أن المظاهرات سوف تنجح في وقف الحرب الأمريكية المتوقعة ضد العراق في حالة ماذا كانت سوف تحدث؟ وإجابتي على هذا السؤال بكل صراحة هي بلا.
ولإجابتي هذه أسباب عديدة بعضها داخلية والأخرى خارجية، وسوف أركز في بقية المقالة على الأسباب الداخلية، ودعوني أن أشير في عجالة إلى الأسباب الخارجية وأقول أن وقف الحرب ضد العراق هي مسئولية العراق نفسه والشعوب والحكومات المسلمة والعربية أنفسها قبل أن تكون مسئولية جماعات المعارضة الأمريكية، وأن انتظار المسلمون والعرب للجماعات المعارضة أو الحاكمة في الولايات المتحدة لكي توقف الحرب ضد العراق أو ضد أية دولة مسلمة وعربية أخرى هو من جانب التقليل من الذات، والهروب من الأخذ بأسباب القوة الحقيقية وغير التابعة والتي يمكن أن يحصل عليها أية شعب من شعوب العالم إذا أصر على حقه في الديمقراطية والحرية وبناء قوته الذاتية.
أما بالنسبة للظروف الداخلية والتي نوليها القدر الأكبر من اهتمامنا - بحكم إننا من المؤمنين بأهمية وحتمية بقاء المسلمين في الولايات المتحدة وانخراطهم الإيجابي في شتى جوانب الحياة في المجتمع الأمريكي – فإني أعتقد أن مظاهرات السبت سوف تعجز عن وقف الحرب ضد العراق إذا كانت الإدارة الأمريكية ساعية لها لسبب أساسي هو أن الجماعات المتظاهرة يوم السبت بشكل خاص وحركة المعارضة للحرب ضد العراق داخل المجتمع الأمريكي والتي هي أكبر بكثير من مظاهرات السبت (تقدر بعض استطلاعات الرأي العام أن نسبة الأمريكيين المعارضين للحرب تبلغ 38 % من الشعب الأمريكي) بشكل عام لازالت تفتقر لحلفاء أقوياء لها داخل النخبة الصغيرة واسعة النفوذ التي تسيطر على عملية صناعة السياسة الأمريكية في الوقت الراهن.
ولكي أوضح هذه النقطة أحب أن أشير إلى مثال عكسي، وجدته في كتاب بعنوان "بوش في حرب" والذي نشره الكاتب الأمريكي المعروف بوب ودورد مؤخرا ليقدم فيه توثيقا وتحليلا لأسلوب تفكير وتعامل إدارة بوش مع الحرب ضد الإرهاب خلال أيامها وشهورها الأولى، ويقول ودورد في كتابه أن فكرة الحرب ضد العراق طرحت على بوش خلال الأسبوع الأول بعد 11 سبتمبر، وأن الذي طرحها عليه هو نائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفويتز خلال اجتماع عقده بوش لعدد قليل من كبار قيادات الإدارة الأمريكية في منتجع كامب ديفيد في نهاية الأسبوع الأول بعد أحداث سبتمبر.
ولأسباب معينة تم إغلاق ملف العراق ساعتها ولأسباب أخرى عديدة تم فتح الملف مؤخرا.
وأعتقد أنه لو أراد المسلمون والعرب أو المشاركون في مظاهرة السبت وقف الحرب ضد العراق بشكل حقيقي فأنه ينبغي عليهم أن يبحثوا عن حليف أو أكثر بقوة ونفوذ ولفويتز أو أكبر يستطيع إيصال وجهة نظرهم إلى أعلى مستويات صناعة السياسية واتخاذ القرار بالولايات المتحدة وتنفيذها.
وهذا الحديث يقودنا إلى أحد الأفكار الأساسية التي أود طرحها في هذه المقالة، وهي فكرة أن غالبية المسلمين والعرب قضوا حياتهم في جانب المعارضة التي لا تأمل في الوصول إلى مراكز التأثير السياسي أو حتى في ممارسة نفوذ فعلي علي هذه المراكز، وبسبب هذه الخبرة السلبية يميل المسلمون والعرب بشكل عام ولا إرادي عند التفكير في قضية التأثير على السياسية الأمريكية إلى التحالف مع جماعات المعارضة، خاصة وأن كانت هذه المعارضة تعارض بقوة وبشكل كلي ينادي ليس فقط بتغيير سياسات معنية ولكن بتغيير الأسس والفلسفات التي يقوم عليها النظام السياسي ذاته.
ولا يعني هذا إني أقلل من شأن جماعات المعارضة في أمريكا أو في أي مكان أخر في العالم ودليلي على ذلك البراهين العديدة التي فندتها في بداية هذه المقالة لأبرهن على قوة وتأثير مظاهرات السبت القادم والجماعات المنظمة لها، كما أتمنى أن أكون قد ساعدت من خلال تقديم هذه الحجج والبراهين على أن أقدم بعض الأمل لأعداد أكبر من المسلمين والعرب في أمريكا وخارجها فيما يتعلق بإمكانية التعبير عن صوتهم وآرائهم السياسية ومسد جسور التعاون بينهم وبين فئات واسعة من الشعب الأمريكي.
ولكني أعتقد أن معارضة سياسات الحكومة الأمريكية والتأثير عليها لا يتم فقط من خلال المعارضة ذاتها ولكن يتم من خلال طرح بدائل حقيقية وواقعية للسياسة الأمريكية ونشر هذه البدائل لدى قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي، والدخول في تحالفات واقعية وسياسية مع كبار صناع القرار في الولايات المتحدة، وأعتقد أن أفضل تحالف يمكن بناءه بين المسلمين والعرب وصناع القرار في الولايات المتحدة يكون من خلال تشجيع المسلمين في أمريكا - وخاصة الشباب المسلم الأمريكي الصغير - على الانخراط بسرعة وبقوة في العملية السياسية والمؤسسات السياسية والإعلامية المختلفة في الولايات المتحدة، وعندما يكون لدى المسلمين عشرة أو عشرين عضوا بمجلس النواب الأمريكي ومثلهم بمجلس الشيوخ ومثلهم بين أكبر أعضاء الإدارة الأمريكية، نكون قد اقتربنا حقا من غايتنا، وهي تحسين العلاقة بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والإسلامي.
تحقيق هذا الهدف قد يتطلب سنوات وربما عقود من العمل الهادئ الخافت والمنظم والمصر على الوصول إلى غايته، وعلى الوصول إلى الحل الفعلي البناء لمشاكل العلاقة بين الولايات المتحدة وبلدان العالمين العربي والإسلامي، ولا أعرف ماذا سيكون عليه حال الشرق الأوسط والعالمين والعربي والإسلامي خلال أو بعد هذه العقود!؟ ولكني أتمنى أن تساهم الأجيال المسلمة والعربية الموجودة حاليا والقادمة في المستقبل في اختيار مستقبل أفضل لها من خلال التفرغ لبناء قوتها الذاتية الداخلية على كافة المستويات وعدم تشتيت تفكيرها أو قوتها في صراعات خارجية.
وبالنسبة لمن قد يتعرضون على الفكرة التي طرحتها في الفقرة قبل الأخيرة، أحب أن أذكر لهم تحليل أخير للجماعات التي سوف تتظاهر يوم السبت القادم، وهو أن هذه الجماعات تضم أربعة فئات من الجماعات الهامة والمؤثرة جدا في حياة المجتمع الأمريكي، وهي الطلاب وجماعات السلام وجماعات الحقوق المدنية والجماعات الدينية، وهذه هي نفس الجماعات الأربعة الأساسية التي ساندت المسلمين في أمريكا مساندة كبيرة وقوية منذ أحداث سبتمبر وعلى جبهات عديدة. وأعتقد أن هذه الجماعات سوف تستمر في مساندتها للمسلمين والعرب خلال السنة الحالية ولسنوات وعقود أخرى عديدة.
وأتذكر أني سألت أحد الطلاب الجامعيين المسلمين الأمريكيين الذي شاركوا في مظاهرة شهر أكتوبر الماضي عن طبيعة علاقته بالتحالف الذي نظم المظاهرة والجماعات المشاركة فيها؟ وعن كيف علم بها وتعرف عليها؟ فرد علي قائلا: "هذه هي الجماعات التي أتت لمساعدتنا في الجامعة عندما تعرضنا لضغوط".
وهذا هو الحال في أمريكا لمن يعرفونه، فهناك العديد من الجماعات الأمريكية التي تهب إلى مساعدة المسلمين والعرب والدفاع عنهم وعن قضاياهم في وجودهم أحيانا، وفي غيابهم أحيانا كثيرة، ويبقى السؤال هو: هل سنهب نحن المسلمون والعرب لمساعدة أنفسنا؟  بقلم: علاء بيومي – كاتب وباحث عربي مقيم في واشنطن alaabayoumi@yahoo.com