هل تكرر 'الأسدية' السياسية أخطاء المارونية في لبنان؟

بقلم: نديم قطيش

شكلت مواقف النائب وليد جنبلاط الاخيرة من الازمة المندلعة في سوريا منذ 15 آذار الفائت مادة سياسية مهمة للساعين الى فهم المواقف الدولية من هذه الأزمة وبالتالي مستقبلها.

كان التحول الابرز في كلام جنبلاط السوري ما صرح به من موسكو واصفاً الاحداث في سوريا بالثورة، وهو وصف لم يسبقه اليه اي مسؤول عربي، دعك عن اي شخصية في قوى الرابع عشر من آذار التي تقيم على أمل سقوط النظام قريباً وإن غلفت أمانيها هذه بموقف يقول بترك الشؤون الداخلية السورية للسوريين.

ثم ما لبث جنبلاط أن وجه انتقادات قاسية وغير مسبوقة لما يسمى أنظمة الممانعة مشدداً على أن الشعوب الحرة وحدها تحرر، قبل أن يستعرض على الملأ بنود خارطة الطريق التي سبق أن قدمتها تركيا الى الاسد من دون أن يفصح عن الاصل التركي لما عرضه.

ولم يتأخر جنبلاط، في اليوم التالي، عن اتهام بعض نظام الاسد بمنع الاصلاحات منحازاً للفكرة الدولية التي دخلت الان مرحلة الترنح والقائلة إن الاسد لا يزال يشكل احد عناصر الحل في سوريا دوناً عن بقية نظامه وعائلته التي تشكل اصل المشكلة.

لا شك في أن لكلام جنبلاط بعده المحلي، بمعنى تحسس الزعيم الدرزي لعمق الازمة التي تمر بها سوريا في اللحظة التي قرر أن يربط بعض مصيره السياسي بها من خلال المصالحة مع الاسد والانتقال سياسياً الى معسكر الثامن من آذار ولو بمسمى الوسطية، وبالتالي فهو يمهد لإنتقال جـديد في الوقت المناسب.

أما البعد الثاني والاهم فهو أن جنبلاط يلعب دوراً ما كصلة وصل بين نظام الاسد وبين ما يمكن تسميته "مجلس إدارة الازمة في سوريا" اي تركيا وروسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

وبالتالي فإن مواقف جنبلاط الاخيرة تتصل، على الارجح، بايصال رسالة دولية الى الاسد مفادها ان الوقت لا يلعب لصالح نظامه، أكثر من ارتباطها بوضعيته السياسية الداخلية وإدراكه لحاجته الى مصالحة جدية مع السنة، أي القوة الديموغرافية الابرز في معاقله الإنتخابية.

وبالتالي لا يمكن ان يفوت المراقب حجم القلق الذي تعبر عنه مواقف جنبلاط وما يعكسه هذا القلق من مشاعر تشاركه فيها دول "مجلس إدارة الازمة في سوريا" بشأن الاحتمالات التي بات من المرجح أن تقبل عليها سوريا في ضوء تزايد القناعة حتى بين اصدقائها وحلفائها أنها دخلت مرحلة اللاعودة.

ولعل المؤشر الابرز على أن "مجلس إدارة الازمة في سوريا" سرعان ما سيجد نفسه أمام مرحلة تنظيم سقوط النظام بعد مرحلة محاولة منع السقوط هو الاستنفار الايراني في وجه تركيا، الذي عبرت عنه اشتباكات إعلامية سياسية خلال الساعات القليلة الماضية.

فقد نشرت مجلة "صبح صادق" التي تعد الناطق الاعلامي بلسان الحرس الثوري الايراني مقالاً بعنوان "الموقف الإيراني الجاد تجاه أحداث سوريا" إعتبر فيه الكاتب أن "استمرار تركيا في الإصرار على مواقفها (من نظام الأسد) على هذه الوتيرة، سيؤدي إلى تفاقم الأزمة، الأمر الذي سيرغم إيران على المفاضلة بين تركيا وسوريا (...) ما سيدفع إيران نحو اختيار سوريا".

وفي هذا السياق يقول مصدر تركي عليم إن "مجلس إدارة الازمة في سوريا" لم يحصل حتى الان من الاسد على اي اشارات جدية تشير الى ان الرئيس السوري يستجيب بالمستوى المطلوب لمحاولات إنقاذ سوريا من القدر التي تندفع بإتجاهه.

ويروي المصدر تسلسل الاحداث بين أنقرة ودمشق على نحو يسمعه المرء من معظم الاتراك الذين يتحدث اليهم.

فبعد اقل من أسبوعين على تشكيل الاسد حكومته الجديدة في منتصف نيسان بالتزامن مع مرور نحو شهر على اندلاع الإنتفاضة، أوفدت القيادة التركية وفداً رفيع المستوى الى دمشق ضم رئيس جهاز الاستخبارات وأحد أقرب المعاونين لرئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان حقان فيدان يرافقه كمال مدين أوغلو رئيس هيئة التخطيط التركية.

ووضع الرجلان بين يدي الاسد خارطة طريق للخروج من الازمة كان ابرز عناوينها وقف العنف واطلاق المعتقلين وفتح حوار جاد مع المعارضة تمهيدا لتعديل حكومي يؤدي الى توزير المعارضة ولا سيما الاخوان المسلمين في الحكومة.

غير أن الاسد لم يبد لا القدرة ولا الرغبة على المضي قدماً وفق الاجندة التركية فيما تصاعدت وتيرة العنف بالتوازي مع اشتداد بأس المتظاهرين.

ويقول المصدر التركي إن إدارة أردوغان كثفت خلال شهر أيار اتصالاتها بالاسد علنا وسرا ثم ما لبثت أن سلمته لائحة باسماء الضباط والشخصيات التي ينبغي التخلص منها تسهيلاً للحل السياسي.

ومن بين أبرز الأسماء التي طالبت تركيا الاسد بالتخلص منها شقيقه ماهر الاسد قائد أحد ألوية الفرقة الرابعة، العماد آصف شوكت نائب رئيس هيئة الاركان للشؤون الأمنية، رجل الاعمال رامي مخلوف وشقيقه العميد حافظ مخلوف، العميد عاطف نجيب رئيس فرع الامن السياسي في درعا خلال المواجهات، العميد ناصر ديب رئيس فرع الامن السياسي في حماة وغيرها من الاسماء العسكرية البارزة.

لكن الاسد ظل يبني حساباته وفق تقدير خاطئ مفاده أن أردوغان يلعب لعبة انتخابية لا بد وان يعود عنها بعد الثاني عشر من حزيران الامر الذي دفعه الى تصعيد خيار الحسم العسكري معلناً عن عملية عسكرية اجتثاثية في منطقة جسر الشغور.

وعليه، يضيف المصدر، أطلق رئيس الحكومة التركية في مقابلة تلفزيونية في العاشر من حزيران، في اليوم نفسه لإعلان النظام السوري عن عملية جسر الشغور، اعنف هجوم على نظام الاسد واصفاً سلوك ماهر الاسد حيال المتظاهرين بالوحشي، في محاولة لإقناع الاسد بأن الموقف التركي سيكمل بعد الانتخابات وأن الامر يتجاوز كونه مناورة.

في ضوء هذا التوتر في العلاقات أوفد الرئيس السوري اللواء حسن تركماني الى تركيا للقاء المسؤولين فيها بعد 48 ساعة من فوز أردوغان بولاية ثالثة.

سمع تركماني من أردوغان الكلام نفسه حول دفتر الشروط التركي في الوقت الذي كانت فيه القنوات الاخبارية التركية تنقل وقائع زيارة وزير الخارجية التركية داوود أوغلو الى مخيمات اللاجئين السوريين وعيادته للجرحى والمصابين.

في اليوم التالي اعلن في دمشق عن تخلي رجل الاعمال السوري رامي مخلوف ابن خالة رئيس الجمهورية عن اعماله وتخصيصه ارباحه من شركة الهاتف الخلوي سيرياتل، التي يملك فيها اربعين في المئة من الاسهم، للأعمال الخيرية والتنموية.

رمزية الخطوة لم تنجح في إقناع الاتراك بجدية الاسد، بل جاء خطاب الرئيس السوري في جامعة دمشق بعدها بأربعة أيام، في 20 حزيران، ليفاقم من قلق تركيا حيال أن الرجل يقرأ في كتاب آخر بل ويستنزف الرأسمال السياسي الذي استثمره أردوغان في الازمة السورية.

يومها سارع الرئيس التركي عبدالله غول الى اطلاق موقف علني اعتبر فيه أن خطاب الاسد غير كاف مذكرا بأحد شروط خارطة الطريق التركية وهو بند التعددية الحزبية.

ويعتبر المصدر التركي ان خطاب جامعة دمشق أطلق رصاصة الرحمة على الرهان الدولي لإنقاذ النظام ودفعه نحو مرحلة انتقالية توفر على الجميع المخاطر المتأتية عن غياب بدائل جاهزة لملء اي فراغ يتركه سقوط مفاجئ وغير منظم لنظام الاسد.

أمام هذه الانسداد في افق الحل للأزمة شكل شهر تموز الجاري نقطة التحول الاساسية في مقاربة الثورة السورية.

ففي ختام مؤتمر الحوار الوطني الذي دعت اليه القيادة السورية في 10 و11 تموز، وقاطعته فصائل المعارضة، سارعت وزيرة الخارجية الاميركية الى القول إن الاسد فقد شرعيته في نظر شعبه في حين كانت تركيا تصعد احتضانها للمعارضة السورية بالسماح لها بعقد مؤتمر مهم اختتم اعماله في اسطنبول في 17 الجاري بتشكيل مجلس انقاذ وطني، بموازاة استضافة اسطنبول لـ"مؤتمر العلماء المسلمين نصرة لسوريا".

في حين لا يبدو جلياً كيف ستتحرك القوى الدولية حيال سوريا من هذه النقطة يجزم المصدر التركي بأن الجميع بات يتعاطى مع الازمة السورية باعتبارها دخلت مرحلة ما بعد الاسد بكل ما يحمله هذا التوصيف من مخاطر جدية. فانزلاق الاحداث الى اقتتال مذهبي كما حصل في حمص وقطنة مرة بين العلويين والسنة وأخرى بين الدروز والسنة ينذر بأن النظام لن يتردد كثيراً في اعتبار الحرب الاهلية السورية مخرجاً له، وهو ما يؤكده سياسي مقرب من القيادة السورية بقوله "آل الاسد لن يسلموا سوريا وفيها حجرا على حجر".

وقد وردت معلومات دقيقة الى بيروت تفيد بأن ثمة من يحرض الدروز على التسلح في مواجهة "البعبع" السني على ما بينت تفاصيل حادثة قطنة.

ويلفت المصدر التركي الى ان الاسدية السياسية تكرر عملياً اخطاء المارونية السياسية في لبنان بمعنى ان الممانعة العنيدة التي يبديها النظام في مواجهة الاصلاح السياسي الملح قد تؤدي الى حرب اهلية، لا سيما ان تأخر الاسد بالاصلاحات افقد من كان يمكن ان يشاركونه المرحلة الانتقالية اي مصداقية بفعل تجاوز مطالب الثورة وراديكالية التنسيقيات لهؤلاء.

وعليه، يقول المصدر التركي أن سياسة مقاربة الاسد بخرائط طريق للخروج من الازمة انتهت لتحل محلها سياسة توفير خرائط طريق للمعارضة لتشكيل كيان متنوع يمكن أن يكون نواة البديل الغائب حالياً لنظام الاسد.

ويكشف المصدر ان المؤشر الى تقدم هذا الخيار سيكون نجاح المعارضة في عقد مؤتمر لها داخل سوريا وإطلاق اعلان سياسي جديد.

"إيران غاضبة" يقول المصدر التركي.

هذا وحده ابلغ دليل على دخول الازمة مرحلتها الاكثر حساسية.

نديم قطيش