هل تقف حكومة الشاهد على مشارف الرحيل؟

الحكومة تجردت من هويتها

توقع مراقبون أن حكومة يوسف الشاهد باتت تقف على مشارف الرحيل بعد أن تجردت من هويتها الوطنية فيما دعا سياسيون إلى تركيز حكومة كفاءات غير متحزبة.

ويقول المراقبون إن نزيف الانسحابات من الحكومة ومن وثيقة قرطاج التي تركزت بناء عليها كحكومة وحدة وطنية جردتها من هويتها وتحولت إلى حكومة تحالف حزبي بين النداء والنهضة وهو ما لا يعكس تعددية المشهد السياسي فكريا وسياسيا.

وعمق نزيف الانسحابات من تعقيدات الأزمة السياسية التي تشهدها الحكومة في ظل ازمة هيكلية عامة ما دفع بالأحزاب المعارضة إلى الدعوة لبناء ائتلاف يتكون من 11 حزبا يطالب بتركيز تركيبة حكومة جديدة أكثر انفتاحا على الخارطة السياسية.

وأخذت خلال الفترة الماضية الانتقادات للحكومة نسقا تصاعديا من قبل المعارضة التي حملتها مسؤولية الفشل في إدارة الشأن العام والفشل في حلحلة أزمة البلاد الهيكلية.

وعلى الرغم من دقة المرحلة التي تمر بها الحكومة فقد لازم يوسف الشاهد إلى حد الآن الصمت ولم يصرح لا بتمسكه بالتركيبة الحالية ولا بعزمه على تركيز حكومة جديدة.

واستبعدت دوائر سياسية مقربة من رئاسة الحكومة مسألة "استقالة الشاهد غير أنها رجحت إمكانية إجراء تعديل وزاري موسع يشمل مختلف القوى السياسية الفاعلة".

وأقرت الدوائر وهي تتحدث إلى مراسل ميدل ايست أو نلاين بأن "الحكومة تجردت من هويتها كحكومة وحدة وطنية" لافتة إلى أن "الشاهد حريص على استرضاء الغاضبين وإشراك أكثر ما يمكن من الأحزاب المكونة للإتلاف الجديد وغيره من الأحزاب".

وتتهم الأحزاب المنسحبة والمعارضة يوسف الشاهد بعدم الالتزام بتنفيذ ببنود وثيقة قرطاج مطالبة بمراجعتها مراجعة جوهرية وإشراك مختلف القوى السياسية والمدنية.

غير أن مسؤولين حكوميين يقولون إنه "كلما أقدمت الحكومة على تنفيذ الإصلاحات إلا وانتفضت غالبية المعارضة عليها وحرضت الشارع" مستدلين هنا بالاحتجاجات على خلفية قرار رفع الأسعار الذي اتخذه الشاهد لتخفيف الضغوط المالية على الحكومة.

وقالت نفس الدوائر "هناك مفارقة تعيشها الأحزاب المعارضة فهي تطالب بإجراء إصلاحات وبمجرد اتخاذ الحكومة أي قرار تصطدم برفض الأحزاب المعارضة والتجاءها إلى الشارع لفرض التراجع وهو ما يعني أن هناك نية لإسقاط الحكومة".

وأقرت الدوائر بأن الشاهد "ممتعض من الأحزاب المنسحبة ومن المعارضة وبأنه يوجد في مأزق سياسي"، غير أنها أكدت بالقابل على أنه "عازم على إنهاء الأزمة السياسية".

والاثنين قال حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية "إن رحيل حكومة الشاهد مسألة وقت" مشيرا إلى أن "الرحيل لن يكون نتيجة السياسات الاقتصادية فحسب بل نتيجة اتفاق بين الرئيس قائد السبسي وراشد الغنوشي".

ويبدو، كما يذهب إلى ذلك محللون سياسيون، أن "الشاهد يتعرض إلى الكثير من الإجحاف" مشددين على أنه "من الخطأ تحميل رئيس الحكومة مسؤولية أزمة هيكلية".

ويقول عبدالجواد بن رحومة المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية "من حق المعارضة أن توجه انتقادات للشاهد لكن ليس من حقها تحميله المسؤولية".

ويشدد بن رحومة لمراسل ميدل ايست أونلاين يقول "الأزمة هي أزمة هيكلية تعود تراكماتها إلى فترة حكومة الترويكا ومن الإجحاف مسحها في أداء الشاهد".

ويرى متابعون للشأن التونسي أنه ما لم يضع الشاهد حدا لهيمنة النداء والنهضة فإن الأزمة السياسية ستبقى مرشحة للتعقيد ولأكثر من احتمال.

وأقرت الدوائر المقربة من رئاسة الحكومة بان "الشاهد مضطر إلى اللجوء إلى قائد السبسي باعتباره رئيس الدولة ورئيس كل التونسيين للخروج من الأزمة السياسية".

ولم تستبعد نفس الدوائر أن "يفرض السبسي مفهوم الوحدة الوطنية من جديد لتتركز بناء عليه تركيبة حكومية موسعة تستأثر فيها المعارضة بنصيب يرضيها".

غير أن هذه الفرضية المحتملة تبقى معلقة في ظل تمسك المعارضة بحكومة كفاءات غير متحزبة تضع حدا لهيمنة النداء والنهضة على القرار الحكومي.

ويرى محسن مرزوق الأمين العام لحركة مشروع تونس أن المخرج الوحيد من الأزمة السياسية يتمثل في تركيز حكومة كفاءات بناء على نفس النواة الحالية وهو ما يعني ضمنيا إسناد غالبية الحقائب الوزارية للتكنوقراط وتخفيض تواجد النداء والنهضة".

وفي ظل توجه النهضة نحو الانسحاب باتت حكومة الوحدة الوطنية التي راهن عليها غالبية التونسيين لتوفير التنمية والشغل ومحاربة الفساد والإرهاب مرشحة للسقوط.

ويقول سامي الراجحي أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة التونسية والناشط في المجتمع المدني "إن أزمة الحكومة هي أيضا أزمة هيكلية مماثلة للأزمة العامة التي تشهدها تونس" مضيفا " في حال انسحاب النهضة سترحل حكومة النداء بالضرورة".

ويشدد الراجحي على أن "عمق الأزمة السياسية لا يكمن في أداء يوسف الشاهد بقدر ما يكمن في طبقة سياسية تفتقد للوعي السياسي وتفاضل مصالحها على مصلحة البلاد".

وتخيم على تونس أجواء من الترقب لا تخلو من التوجس في ظل صمت يوسف الشاهد من جهة، وفي ظل المنحى التصعيدي الذي اتخذته الانتقادات اللاذعة للحكومة.

وخلال هذه الفترة تراجعت الحكومة على تنفيذ قراراتها وفق بنود قرطاج تحت ضغط الاحتجاج السياسي والاجتماعي حتى أنها بدت وكأنها حكومة تصريف أعمال.

ويتطلع سياسيون إلى مبادرة من قبل الرئيس قائد السبسي لإنهاء الأزمة الحكومية باعتباره رمز التوازن السياسي بالبلاد.

وقال محمد علي بن ساسي الناشط في الائتلاف الحزبي إن "البلاد في أمس الحاجة إلى مبادرة من رئيس الدولة تنصف الحكومة والمعرضة معا وتضع حدا للأزمة".

ولم تستبعد الدوائر المقربة من رئاسة الحكومة أن يتوصل الشاهد إلى الخروج من المأزق بناء على مبادرة سياسية يطلقها السبسي تقضي بفرض الوحدة الوطنية".

غير أن الدوائر قالت إن "الخروج من الأزمة الحكومية لن يتم إلا بعد مراجعة وثيقة قرطاج وبناء على المراجعة تتركز تركيبة حكومية وطنية".

ويقول مراقبون إن حكومة الشاهد لم تتركز بناء على نتائج انتخابات العام 2014 التي فاز فيها النداء حتى تكون حكومة حزبية وإنما تركزت بناء على بنود وثيقة قرطاج".

ويشدد عبدالجواد بن رحومة على ضرورة "الإسراع بمراجعة وثيقة قرطاج وتركيز تركيبة حكومية بناء على صيغتها الجديدة بما من شأنه أن ينهي الأزمة السياسية".

ولم يتردد بن رحومة في التحذير من تعمق الأزمة ومن تداعياتها السلبية" ملاحظا أن "المطروح اليوم هو مباشرة الإصلاحات للتخفيف من الأزمة الهيكلية قبل كل شيء".

ويجمع كل من سامي الراجحي وعبد الجواد بن رحومة على أن "الأزمة السياسية لا تختزل في ازمة حكومة الشاهد وإنما تتجاوزها إلى تعقيدات المشهد السياسي في تونس".

وهما يقولان إن "الأزمة الحكومية ستستمر حتى وإن تركزت تركيبة جديدة" مستدلان على ذلك بأن "الحكومات المتعاقبة كلها شهدت خلال السنوات الأربع الماضية سلسلة من الأزمات السياسية ممثلة في حكومات الحبيب الصيد الذي أجبر على الاستقالة".