هل تقاتل الحكومة العراقية داعش ام تهادنها؟

ما يحدث في المنطقة حاليا اشبه ما يكون بمسلسل ذي حبكة درامية معقدة باحداث متباينة التغير لتعدد المخرجين فيها. فافتقار تنظيم داعش لرؤية سياسية واضحة واهتمامه بالجانب التعبوي والعددي لمقاتليه جعل منه خليطا غير متجانس لاجهزة مخابرات دولية واقليمية تحرك هذا التنظيم مباشرة او بشكل غير مباشر لتنفيذ اجنداتها حسب الظرف المكاني والزماني. واذا كان المعسكر الاميركي المتمثل بالغرب وتركيا وبعض من الدول العربية قد تمكن من تجنيد داعش في اوقات معينة لتنفيذ اجنداتها، فان ايران وحكومة بشار الاسد وبغداد قد تفوقت عليه في هذا المنحى، تمثل بما نراه حاليا من سيطرة داعش على معظم المدن السنية في العراق ومناطق مهمة من سوريا. فالتنسيق بين معسكر ايران وسوريا وبين هذه التنظيمات بدأ منذ احتلال العراق من قبل القوات الاميركية حينما بدأت الدولتان بادخال عناصر هذه التنظيمات الى العراق وتمكنتا من خلالهم باخراج هذه القوات وترك البلد فريسة سهلة لايران تسرح فيها وتمرح كما تشاء. اما المرحلة الثانية من هذا التنسيق فقد تم في بداية الثورة السورية وذلك عبر اخراج قادة هذه التنظيمات من السجون السورية للمشاركة في الثورة واعطائها بعدا ارهابيا جعلت المجتمع الدولي يتردد ولغاية اليوم في مساعدة واضحة وحقيقية لهذه الثورة.

دور نوري المالكي في احياء التنظيمات الارهابية في العراق

بدات حكومة بغداد بالدخول على خط التنسيق مع هذه التنظيمات بشكل غير مباشر قبيل الانتخابات العراقية الاخيرة. فقد اراد المالكي استغلال الاعتصامات السنية السلمية ضد حكمه باثارة صراع مسلح بين هذه المدن والجيش العراقي لخلط الاوراق والاستفادة منها في توليه للمنصب لولاية ثالثة اما باعلان حالة الطوارئ او بدفع الاحزاب الشيعية للتنازل عن فكرة تغيره مقابل السيطرة على الوضع لامني واستتابه كما كان في السابق. وتركزت تحركات المالكي في الاتجاهات التالية:

1- تطبيق السيناريو السوري في اطلاق سراح قادة هذه التنظيمات من السجون العراقية، في هجمات مسلحة على هذه السجون قيل ان افراد هذه التنظيمات هم من قاموا بها وتم بذلك تهريب اعداد كبيرة من قادة هذا التنظيم.

2- بدأت الالة الاعلامية للمالكي باتهام اعتصامات المدن السنية بانها مدعومة من قبل تنظيم داعش وبانها ساحات مسلحة هدفها اثارة الفتنة في البلد.

3- احداث سامراء التي سبقت سقوط الموصل بيد داعش تفسر وتفضح كل ما حصل بعده، فقد نجحت داعش في اقتحام مدينة سامراء رغم الطوق الامني المحكم عليها ودخولها من المنفذ الذي كانت قوات المالكي تسيطر عليه باعداد كبيرة من العربات والمسلحين والبقاء فيها لساعات ثم الانسحاب منها دون اية معارك بينها وبين القوات الامنية العراقية.

4- الانسحاب المفاجئ وغير المبرر لقادة وافراد جيش المالكي من مدينة الموصل، وترك اسلحتهم الثقيلة والخفيفة لعناصر هذا التنظيم، رغم ان الحكومة العراقية كانت على علم مسبق بنية داعش هذه. وما يزيد من الشكوك ان عمليات التحقيق في هذه الحادثة لم تسفر سوى عن اتهام القادة الميدانيين دون الخوض في الجهة التي اصدرت امر الانسحاب.

الحرب على داعش في عهد حيدر العبادي

اتت الرياح بما لا يشتهي المالكي واستطاعت الاحزاب العراقية الضغط على الادارة الاميركية وايران للتوافق على تغييره والاتيان بحيدر العبادي كرئيس للوزراء، وبدأ الجيش العراقي مع الحشد الشعبي والمليشيات الشيعية بتحقيق انتصارات محدودة هنا وهناك كتحرير مدينة امرلي وجرف الصخر وبيجي. ومع ذلك فانه يمكن ملاحظة النقاط التالية:

1- الجهد القتالي للجيش العراقي والمليشيات الشيعية تمركز اما في المناطق المحاذية للحدود الايرانية كما في محافظة ديالى، او المناطق التي فيها تواجد شيعي، بينما تركت مناطق اخرى مهمة كالانبار ومحافظة الموصل وتكريت دون اهتمام يذكر.

2- رغم تمكن داعش من السيطرة على مناطق واسعة من العراق الا انه لم يستطع السيطرة بالكامل على مصفى بيجي ومدينة سامراء التي يتواجد فيها مرقد الامامين العسكريين وكذلك جامعة تكريت.

3- تعمدت المليشيات الشيعية الاساءة لسكان المناطق التي حررتها من المواطنين السنة في جرف الصخر وامرلي وبعض مدن وقصبات ديالى.

نقطة انقلاب جديدة في محاربة داعش.

حدثت نقطة الانقلاب الثالثة في قتال داعش بعد القرار الاميركي في تسليح العشائر السنية التي ابدت استعدادها لقتال داعش والانخراط في قوات الحرس الوطني مما اعطى مؤشرات لحكومة بغداد في نية اميركا تشكيل نواة جيش (للسنة) يحول دون سيطرة بغداد على تلك المناطق مستقبلا بعد طرد داعش ويكون سببا في رفع سقف مطالب المدن السنية. ولذلك عمدت حكومة العبادي باتخاذ الاجراءين التاليين:

1- تلكؤ حكومي في مد هذه العشائر بالاسلحة للوقوف بوجه داعش والانتصار عليها في الرمادي او غيرها من المدن السنية.

2- اثارة قرار اعدام احمد العلواني.. والذي كان الهدف منه هو:

- تثبيط عزيمة العشائر العربية السنية في مواجهة داعش ومقاتلته في مناطقها.

- وضع هذه العشائر العربية السنية امام خيارين، اما الرضوخ لداعش وهذا امر لا يصب في مصلحة هذا العشائر... او الرضوخ لتوجيهات حكومة بغداد واضعاف موقفها السياسي مستقبلا بعد طرد داعش من هذه المناطق.

ان سيطرة داعش على المدن السنية في العراق لا يؤرق حكومة بغداد كثيرا وذلك للاسباب التالية:

1- ان مدنا مثل الموصل والانبار كانت ومنذ 2003 تعتبر خارج سيطرة حكومة المركز ومصدر قلق لها.

2- من الناحية الاقتصادية فان حكومة بغداد قد اصبحت الان في حل من ارسال ميزانية هذه المدن، وتكاليف الحرب على داعش يمكن ان لا تصل لتكاليف ميزانية هذه المدن.

3- ان انتشار تنظيم داعش في هذه الرقعة الواسعة الممتدة من سوريا الى العراق تضعف كثيرا من قوتها وتصب في مصلحة الاجندات الايرانية بتخفيف الضغط على قوات بشار الاسد في سوريا.

كل هذه النقاط السالفة الذكر تشير الى ان حكومة بغداد او من يدير حكومة بغداد (من وراء حجب) تكسب نقاط سياسية مهمة من وجود داعش في بعض المناطق العراقية او على الاقل غير مهتمة لوجود داعش في مناطق عراقية معينة بعكس ما يتصوره البعض او تحاول حكومة بغداد التظاهر به.