هل تغرق أميركا بديونها أم بسياساتها؟

بقلم: د.خليل حسين

مفارقة الولايات المتحدة الأميركية أنها الأولى عالميا بكل ما يخطر ولا يخطر على بال، كذلك هي السباقة في كل توليد للأزمات الداخلية التي لها بعد وامتداد دولي.

فما كاد العالم ينسى أو بالأحرى يتناسى أزمة العقارات الأميركية التي امتدت إلى مختلف بقاع العالم وأصابته أكثر مما أصاب الأميركيين أنفسهم من أزمت مالية واستثمارية ذات محتوى مصرفي دولي، حتى قفزت أزمة المديونية الأميركية إلى الواجهة وهي ليست بجديدة، بل هي ظاهرة طبيعية في السياق المالي والاقتصادي الأميركي منذو عقود طويلة.

لكن الجديد في الأزمة هو الحرب الباردة بين الجمهوريين والديمقراطيين على إدارة الأزمة من خلال رفع سقف المديونية في محاولة للإيفاء بالديون الخارجية وجلها صينية وعربية ـ خليجية.

فالولايات المتحدة التي بلغت مديونيتها 14.3 تريليون دولار، والتي تنفق يومياً 200 مليار دولا أكثر من إيراداتها، سجلت مفارقة أخرى هي ان احتياطها الآن الذي لا يتجاوز 73.3 مليار دولار هو أقل من رأسمال شركة آبل للبرمجيات الذي وصل إلى 76.4 مليار دولار، ما يعني ان شركة عملاقة رمزياً هي أقوى ثقة من الولايات المتحدة نفسها.

في الواقع ان أزمة واشنطن ليست بجديدة، وهي انعكاس لسياسات داخلية وخارجية لا تستطيع تخطيها في ظل قيادتها للنظام العالمي حالياً.

فلها حالياً 750 قاعدة عسكرية حول العالم، وهي تنفق المساعدات المالية والاقتصادية "المشروطة" دون رصيد سياسي قابل للصرف الاستثماري المالي، بل جله سلف سياسية مسبقة الدفع رصيده تأمين السمع والطاعة في ظروف دولية ينهشه العوز والاتكال على برامج المساعدات التي غاليا ما تدفع من جيوب الدول الثرية لا من جيوبها لكن بإدارتها ولحسابها الخاص.

فخلال أيام ينبغي على الإدارة الأميركية ان تتخذ قراراتها الحاسمة لرفع مستوى سقف الاستدانة لعدم الوقوع في مطب الإفلاس المالي والعجز عن سداد المستحقات، ورغم أهمية الموضوع من الناحية المالية والاقتصادية، إلا ان تداعيات الإفلاس السياسي هو أخطر بكثير من الإفلاس المالي.

فهي تواجه استحقاقات كثيرة لا تقل خطورة من بينها الوضع في أفغانستان وكذلك في العراق، فكيف يمكن التوفيق أو الموالفة بين السياسية والمال وإدارة الأزمات الدولية الناجمة عن سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة على الحكم.

الجمهوريون يريدون اليوم السعي لحلول جزئية هدفها إغراق الديمقراطيين في وحول الإفلاس المالي والسياسي قبل سنة تقريبا من إشعال الحملات الانتخابية الرئاسية القادمة، فيما الديمقراطيون يسعون لآماد أطول بهدف تغطية تلك الفترة والعمل على برنامج مريح دعائياً وانتخابياً بصرف النظر لباراك اوباما أو لغيره.

وفي كلتا الحالتين، يتنافس الحزبان الرئيسان على إبعاد تجرع الكأس المرة في ظروف داخلية وخارجية سيئة تمر فيها الولايات المتحدة.

لا ندعي الجزم ان واشنطن غير قادرة على تقطيع أزمتها وهضمها، ففي النهاية هي البلد الوحيد في العالم الذي يصدر الأوراق المالية دون تغطية ذهبية، وتحتكر لنفسها الادعاء عنوة ان ثقة العالم مردها الثقة الاقتصادية المعنوية والرمزية في العقل الباطني للاقتصاد الدولي الذي يحيط بها.

قبل سنتين ونيف تحولت أزمة العقارات الأميركية إلى أزمة مصارف أميركية، سرعان ما انتشرت عالمياً، فغرقت دول ومصارف ذات سمعة وازنة في عالم الاستثمارات والأموال وتمكنت هي من إعادة تعويم نفسها على حساب الآخرين، فهل ستعيد الكرة اليوم؟

ان استقراء تاريخ العلاقات الأميركية المالية والاقتصادية الدولية يثبت ان واشنطن لم تكترث يوما لأزمة تمر بها، لأنها تدرك ان خصومها وأعداءها ليسوا أقوياء كفاية لمواجهتها، بل هي قادرة على إلباسهم الثوب الذي تريد.

فجل الديون الأميركية الحالية هي للصين ولبعض المستثمرين من دول ثرية، وهي قادرة على فتح ملفات كثيرة تجبر الآخرين على المضي في ركب سياساتها.

مثال ذلك بدأ اليورو العملة الأوروبية الموحدة لا يتجاوز الدولار ونيف من السنتات، واليوم تجاوز اليورو الدولارين، فهل يعني في السياسة والمال ان أوروبا باتت أقوى بضعفين من الولايات المتحدة، أم عكس ذلك؟

طبعا تقاس الدول باقتصادياتها واستثماراتها، لكن ذلك مرهون بفعاليتها في المستويين الإقليمي والدولي.

الولايات المتحدة تعاني اليوم من مجموعة استحقاقات داهمة تتطلب جهداً استثنائياً للخروج منها، المهم أننا في الدول النامية ومنها نحن العرب أيضاً، كيف يمكن لنا الاستفادة من هذه الأوضاع لتحسين مواقعنا على الخريطة السياسية الدولية؟

وهل بمقدورنا استثمار تلك الأزمات أم سيكون الحل مثلما سبق على حساب أموالنا واستثماراتنا في المصارف الأميركية وغيرها؟

ربما هي أسئلة حرجة لكن ينبغي رفع الصوت والجهر بها!

د.خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية