هل تصبح فلسطين 'قضية أميركا الأولى'؟

بقلم: محمد قواص

لم تعد قضية فلسطين "قضية العرب الأولى". وللأمر أسباب وعوامل. "القضية" عند العرب باتت بنداً على جدول أعمال يناقشونه في قممهم أو في اجتماعات جامعتهم. والدول العربية تساند الموقف الفلسطيني (في رام الله أو غزة) وفق إيقاعات وأهواء ومصالح هذه الدولة أو تلك. والعرب لا يساندون فلسطين كخيار مطلق، بل يعاضدون سياسات فلسطينية، وفق أجندات ظرفية لا ترقى للإستراتيجي بشيء.
الأمر فهمه الفلسطينيون منذ أن تسلموا زمام المبادرة، وأمعنوا بسحبها من المجال العربي العام، من خلال سيطرتهم على منظمة التحرير الفلسطينية (التي أنشأها العرب)، أو من خلال خياراتهم القتالية والسلموية المنفصلة عن الإجماع العربي، وصولا إلى تفردهم بالانخراط في اتفاقيات أوسلو الشهيرة. بات العرب بعدها، نصيرا مؤيدا، أو خصما معارضا، أو لا مباليا يحترم بتصنع خبيث "الخيار الفلسطيني".
تورط العرب بالـ "قضية" بشكل كامل منذ البذور الأولى لإنشاء دولة إسرائيل. خاضوا حروبا إشكالية ملتبسة، أعلنوا "لاءاتهم" الشهيرة، ثم سارعوا إلى التباين والاختلاف والانقسام حول سبل معالجة المسألة، حتى بات السلام خيار العرب، سواء بطبعة كامب ديفيد ووادي عربة، أو بمبادرتهم الجماعية للسلام. قدم العرب ما يستطيعون في عالم الحرب كما في عالم السلم، ولا يبدوا أنهم قادرون على أكثر من ذلك. فما يصنع السلم، ليست نوايا السلم، بل توازن قوى يفرض هذا السلم. وهو عامل عصي على العرب اليوم (كما الأمس).
كما أن الكلام عن العرب أو عن الموقف العربي يسوقنا إلى الوقوع في فخ استخدام تعابير مخصبة بالأيديولوجيا لا تمت إلى الواقع بصلة. ففلسطين تاريخيا لم تكن يوما قضية العرب الأولى. قد كانت كذلك شعارا أيام الرئيس عبد الناصر، لكنها كانت هما أمنيا لدول الطوق فقط، يساندهم بخجل وضيق دول عربية أخرى وبسرعات مختلفة. لكن الأمر تحول بعد ذلك إلى صراع ثنائي الأبعاد، له طابع سيادي (عقاري)، أفضى إلى تسوية كامب ديفيد مع مصر ووادي عربة مع الأردن، وتبريد جبهة الجولان مع سورية والانسحاب من جنوب لبنان، وتم اختصار "قضية فلسطين" إلى نزاع ثنائي الأبعاد أيضا يتم تداوله تحت سقف "أوسلو".
ربما أن تناول الصراع العربي – الإسرائيلي بالمفرق كان متسقا مع حقيقة أن العرب كيانات متفرقة وليسوا شخصية واحدة كما كانت الإيديولجيا تنفخ بذلك. على الأقل تسويات المفرق السلموية والعسكرية أخرجت حلولا. صحيح أن تلك الحلول لم تأت بالسلام الشامل المتوخى، إلا أنها أوجدت وقائع منطقية وواقعية هي أنجع من تلك الحالمة التي بقيت شعارات للاستهلاك ولإنتاج أنظمة استبداد بانتظار النصر. وربما أن إيران أعادت استخدام شعارات العرب البالية، فقفزت من فوق المنجز بالمفرق، وراحت تحاول استعادة الطابع الكلي السياسي للصراع، وقدمته بصفته حضاري يستدعي إزالة إسرائيل. لكن الجديد الإيراني، وإن أدخل جديدا في توازن القوى، فلم يغير شيئا من كون الصراعات ما زالت ثنائية تستدعي تسويات ثنائية، قد تمر بصدامات ثنائية.
قضية فلسطين هي قضية الفلسطينيين الأولى، وهو أمر صحي بامتياز، كما أن الجولان هو قضية سوريا الأولى، كما أن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا هو همّ لبناني فقط. قضية فلسطين ليست قضية العرب الأولى، لكنها ليست قضية إيران الأولى أيضا. وبما أن الشق الأساسي من "القضية" هو المحتل المسبب للقضية فلا بد للقضية أن تكون أولى لدى طرف جديد فوق العادة، فماذا إذا كان هذا الطرف دولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية؟
خلال السنوات الأخيرة، وقبل وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، خرجت من الولايات المتحدة إشارات ومواقف وتصريحات تعبر عن ميل الإدارة في واشنطن إلى إيلاء الأمر الشرق أوسطي عناية "أولى"، كونه بات شأنا يؤثر مباشرة على مصالح الولايات المتحدة. أولي الأمر في العاصمة الأميركية لم يريدوا ربط التحول هذا بحدث الحادي عشر من سبتمبر. فالنخب الأميركية لم تكن تريد لوعيها أن يفصح بما يدركه لاوعيها من ارتباط بين سؤال "لماذا يكرهوننا" وبين موقف واشنطن التاريخي من المسألة الفلسطينية. لقد أشار إلى ذلك تقرير بيكر – هاميلتون الشهير، وأفصحت عنه كونداليسا رايس سيدة الدبلوماسية الأميركية في عهد جورج بوش الابن، حين جاهرت في خطاب لها أمام الكنيست الإسرائيلي، أن اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين هو "مصلحة من مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية".
باراك أوباما أدرك ذلك مبكرا. أفصح عن هذا التحول في حملته الانتخابية، قبل أن تأتي الأزمة الاقتصادية العالمية بما لا تشتهيه سفن الرئيس الأميركي الشاب.لكن هل يجب التذكير أن شرط وقف الاستيطان كان شرطا أميركيا لاستئناف المفاوضات قبل أن يتبناه الرئيس الفلسطيني ويتمسك به؟. هل يجب التذكير أن تعيين جورج ميتشل مبعوثا رئاسيا في الشرق الأوسط أرسل إشارة في هذا الإطار؟ وهو الرجل الذي أخرج قبل سنوات تقريره المدين للاستيطان. ربما خاب ظن الجمهور العربي بما يمكن أن يحققه أوباما من تحول. بيد أن المراقب يعرف حدود السلطات التي يملكها رجل أميركا الأول، ليس فقط في شؤون القرار الداخلي، بل أيضا في شأن قدرته المتخيلة على إملاء رغباته على تل أبيب.
نكتشف جميعا اليوم أن الأزمة حقيقية وغير مسبوقة بين واشنطن وتل أبيب. وهذا تقييم تم الإفصاح عنه إسرائيليا إلى حد اعتبار أوباما "كارثة" إستراتيجية على إسرائيل. الأوراق كشفت على طاولة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وعلى ضوء المواقف الواضحة تجري حاليا لعبة المقاومة الإسرائيلية والمناورة الأميركية. الرئيس أوباما يعتبر أن إيجاد حل للصراع الشرق أوسطي فيه " مصلحة حيوية لأمن الولايات المتحدة"، هذا رأي السياسي. أما رأي العسكري الجنراك ديفيد باتويوس رئيس القيادة المركزية في الجيش الأمريكي (أي المشرف على العمليات في العراق وأفغانستان) فإن النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ينمي مشاعر العداء ضد بلاده وهو أمر بالغ الخطورة على أمن الجنود الأميركيين في المنطقة.
مبالغة أن نعتبر أن فلسطين باتت "قضية أميركا الأولى". لكن الولايات المتحدة ذاهبة إلى طرح خطتها، على ما يؤيد جيمس جونز مستشار الأمن القومي، ليس كرمى لعيون أطراف الصراع، بل لأن الأمر مصلحة أمنية أميركية. والتحول جدي أكثر ما تشعر به إسرائيل إلى درجة الدفع بتحرك متوتر للوبي الإسرائيلي داخل الكونغرس، وإلى درجة الاندفاع المتوتر نحو التلويح بحرب فوق العادة بسبب مزاعم "السكود". التحول جدي إلى درجة قد تستحق إسرائيليا مغامرة ميدانية في مسعى إلى إرباك "الكارثة" في البيت الأبيض. محمد قواص
صحافي وكاتب سياسي لبناني