هل تسقط الازمة السورية نجاد الطفل المدلل لولاية الفقيه؟

تقبيل يد الولي الفقيه!

لندن – انعكست الاوضاع المتصاعدة في الساحة السورية على الساحة الايرانية بطريقة تهدد حكومة نجاد المستمرة بالدعم العسكري واللوجستي لنظام الرئيس السوري، وتفاقم توتر علاقتها مع المرشد الايراني اية الله علي خامنئي.

وكشفت مصادر مقرّبة من محمد باقر قاليباف رئيس بلدية طهران قوله "إن خطة نجاد الجنونية في ليّ ذراع المنطقة بأكملها لن تؤدي سوى إلى مزيد من العزلة لإيران، وخسارة حقيقة لأي تأييد دولي قد يدعم ملفّاتها العالقة".

وترشحت انباء عن عرض قطري لطهران يتضمّن تفعيل قناة حوار جديّة بين الأخوان المسلمين في سوريا "البديل الأكثر احتمالا للنظام السوري" وبين دوائر دبلوماسية مقرّبة من المرشد الأعلى خامنئي تحت رعاية قطرية في مقابل التركيز القطري في المرحلة القادمة على تفعيل ملف الحوار الإيراني الأخواني في مصر وتفعيل ملف الإصلاح البحريني.

وهو ما بدأتْه قطر بصورة فعلية في قناة الجزيرة الإنكليزية والذي تسبّب بأزمة دبلوماسية بينها وبين البحرين، ويبدو أن هذا اللقاء قد أثمر عن تحرّك دبلوماسي فاعل بين دمشق وطهران لدى زيارة اللواء محمد ناصيف 'أبو وائل' الأخيرة لطهران في ضوء هذه المستجدّات.

ويرى المتابعون ان المرشد الاعلى قد يضحي بنجاد مقابل تحالف مع "الاخوان المسلمين" في سوريا بعد اسقاط نظام بشار الاسد.

وكشف مصادر صحفية عن تفاصيل لقاء جمع بين مستشار الرئيس السوري للأمن القومي اللواء محمد ناصيف خير بك ومحمد رضا زاهدي قائد وحدة الـ400 للحرس الثوري في سوريا.

وتناول اللقاء الذي جاء على خلفية تسريبات أمنية إيرانية تُفيد بأن نزاعا حاداً يدور في إيران حول جدّية استمرار الدعم الإيراني العسكري واللوجستي لسوريا.

وينظر محلّلون في اهتمام بالغ إلى مستقبل الوضع في إيران، التي بدأت تهتزّ اليوم بتأثير من الزلزال الذي يضرب المنطقة، ويهدّد بإضعاف المحور الحليف لطهران في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين.

وتتعايش ايران مع سلسلة أزمات داخلية تكاد تطيح الثورة ورموزها، وهي تتجلّى بالصراع الذي دار بين الرئيس محمود أحمدي نجاد والإصلاحيين قبل عامين، ثم الصراع الدائر اليوم بينه وبين المحافظين، ثم ظهور الازمة السورية وموقف حكومة نجاد الداعم لنظام الرئيس بشار الاسد ضد الاحتجاجات الشعبية.

وبدأت الأوساط بتسريب بعض من التوجهات الجديدة التي بدأت بتبنّيها الدبلوماسية المقرّبة من دائرة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي حول طبيعة الموقف الإيراني الجديد من الأزمة في سوريا بصورة خاصة، والمنطقة بعمومها حيث ألمح أحد النواب المحافظين عن أحد اللقاءات التي جمعت بين مجموعة من أعضاء برلمانيين أصوليين مقرّبين من علي خامنئي، أثناء دعوة لمائدة إفطار رمضانية دعاهم إليها النائب أحمد توكلي، حيث تحدّث محمد شاهر ودي رئيس لجنة الكتلة البرلمانية الأصولية عن إمكانية جدّية لتغيير طبيعة الصراع الاستراتيجي في سوريا، وخاصّة مع تصاعد لهجة الاحتجاج الدولي والإقليمي بصورة خاصة من أطراف لا يُستهان بها كالسعودية وتركيا مشيرًا إلى أن ارتهان السياسة الإيرانية لعصا المواجهة قد يكلّفها في مدى قصير منجزات ثلاثين عام للثورة الإسلامية.

وكان لقاء البرلمانيين الإيرانيين التابعين لتيار المرشد الأعلى في إيران من أجل تشكيل وفد دبلوماسي ذي أجندة خاصة سيجتمع مع البعثة الدبلوماسية القطرية المرتقبة لزيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لطهران يناقش ملامح تغير السياسة الإيرانية من سياسة الباب المفتوح على النظام السوري إلى سياسة نصف الباب المفتوح التي تسمح لقيادة الثورة العليا في إيران من دراسة البدائل الواقعية لسقوط النظام السوري، وإمكانية فتح قنوات حوار خلفية مع أطياف معيّنة من المعارضة السورية ذات ثقل نوعي في الحراك الشعبي السوري.

ويتوقع الخبراء في الشأن الإيراني تصعيدا بين الطرفين مع اقتراب استحقاق 2012. ويمكن أن تظهر التجليات في شكل تبديلات وإقالات لمسؤولين على غرار ما حصل حتى اليوم.

لكنّ الإرباك الحقيقي سيكون في النظرة إلى الثورات العربية. فالرئيس نجاد والقريبون منه بادروا سريعا إلى اعتبار الثورة في تونس ومصر جزءا من علامات الأزمنة التي تبشّر باقتراب ظهور المهدي المنتظر.

غير أنّ الإحراج ضرب خطاب الثورة عندما بدأت تجتاح سوريا، الموقع المتقدم لإيران ضمن الهلال الممتدّ عبر العراق إلى لبنان، على غير ما كان متوقّعا.

وتقتح هذه التحديات الإيرانية المجال لتحليلات حول مستقبل إيران والثورة فيها ورموزها. فالثقافة التي لطالما رعت خطاب الثورة الإسلامية منذ العام 1979 كانت تجعلها "الثورة" بالمعنى الحصري، وهي ختام الثورات جميعا لأنها تمّت بوحي إلهي. فكيف سيتمّ التعاطي مع المتحولات التي تفرضها ثورات أخرى، في غالب الدول والمجتمعات التي تحيط بإيران من مختلف الجهات، وتتداخل معها سياسيا واجتماعيا ودينيا في شكل عميق؟

وكلما اشتدت معركة "نجاد - خامنئي" أصبح إعلام ولي الفقيه أكثر شراسة وبات يصر على استخدام ألذع العبارات ضد رئيس الحكومة، الذي أصبح ألد الأعداء بعدما كان قبل فترة ليست ببعيدة الطفل المدلل للولي الفقيه.

وسددت صحيفة "كيهان" الناطقة باسم المرشد الاعلى التي تنشر توجهات الحرس الثوري الإيراني، في مقال افتتاحي تحت عنوان "بنو أمية وبنو فتنة" رماح هجومها على نجاد وتياره الذي بات يعرف بالتيار المنحرف وقارنته بالحركة الخضراء التي تعرف بين أوساط النظام بأنها "تيار الفتنة".

واعتبرت الصحيفة نجاد أنه "فاسد" وأنّ حكومته تشبه حكومة "بني أمية" في المقابل اعتبرت زعماء الحركة الإصلاحية أنهم "أفسد الفاسدين" وينتمون إلى "بني فتنة"، حسب آخر تصنيف نشرته الصحيفة، يأتي التصنيف الجديد بعد أن دارت المعركة بعنف و"حمي الوطيس" بين أنصار نجاد وخامنئي في الأسابيع القليلة الماضية، في هذه الأثناء نشرت وسائل إعلام إيرانية بعض التصريحات التي تتسم بالشماتة من قبل البعض من أركان النظام مثل رفسنجاني ونواب في البرلمان للمرشد بسبب دعم المرشد غير المحدود في السابق القريب ودون شروط مسبقة لنجاد وأركان حكومته.

في المقابل يرى البعض أن النظام استمر لأكثر من ثلاثة عقود بسبب هذه الانشقاقات وخلق الأعداء الداخليين والخارجيين وإن كانوا "وهميين"، حيث إنه تمكن في كل مرحلة من القضاء على عدد من الطامحين والطامعين في نظامه كي يبقي على مصدر التأزم مفتوحاً كي تستمر عملية البحث عن كبش فداء إلى ما لا نهاية في المفهوم الولائي للنظام الإيراني، لكن القمع والكبت أضف إلى أيديولوجية توظيف الطائفة والمذهب في إيران خدمة لأجندة ومصالح لا تخدم سوى أصحابها لن تجدي نفعاً إلى ما لا نهاية، وستنتهي هذه اللعبة بعد أن يفقد النظام صلاحياته وقدرته على ممارسة اللعب والضحك على الأذقان.

وفيما إذا كانت الاضطرابات الأمنية في إيران التي أعقبت الانتخابات الرئاسية، مشابهة لثورات الربيع العربي الراهنة، قال نجاد "إن ما حصل في إيران يختلف عما يحصل اليوم في المنطقة من ثورات وانتفاضات، لأنه جرى في إيران انتخابات رئاسية في شارك فيها 85% من أفراد الشعب وأن هناك 40 مليونا منحوا أصواتهم للحكومة الراهنة".

وأضاف "إن الاعتقالات طالت الأشخاص الذين اعتدوا على المؤسسات العامة والخاصة، وهذا أمر طبيعي في الدول، بل إن الدول الغربية تمارس العنف مع الأشخاص الذين يتجاوزون على الدستور".

وحول الموقف الإيراني من الاحتجاجات في سورية ومحاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، اعتبر نجاد محاكمة مبارك مطلبا للشعب المصري. أما فيما يتعلق بسورية فقال" إن من حق الشعب السوري وغيره أن يطالب بالحرية، دون تدخل الآخرين. إن بإمكان شعوب الشرق الأوسط أن تحل مشاكلها بنفسها، لأن معظم المشاكل في المنطقة جاءت بسبب التدخل الأجنبي".

ومهما يكن من امر فأن نجاد يواجه متراجحة الصمود بوجه التغييرات التي تجتاح المنطقة، وان نهاية الحليف السوري ستفتح الطريق أمام بغداد لاسقاط "احزاب ايران في العراق"، عندها لن يبقى امام المرشد الاعلى علي خامنئي الا البحث عن بديل "ملائم" للتغيرات الهائلة في المنطقة، وفي كل الاحوال لن يكون نجاد أحد البدائل أمامه.