هل تراجع الأنظمة العربية موقفها من المقاومة العربية؟

بقلم: محمد الحمامصي

هل مقاومة المحتل تحتاج الى عقيدة دينية أو فتوى دينية أو سياسية أو قانونية أو فكرية أو ما شابه ذلك يساندها أو يحض عليها؟ هل مقاومة المحتل تحتاج الى قيادة قائد عسكري أو سياسي أو فكري أم يمكن أن يقودها بائع خضار أو إسكافي أو..؟
التاريخ القديم والحديث في الغرب أو في الشرق تؤكد أحداثه أن مقاومة المحتل الغاصب نبعت وتنبع دائما عن انتماء أصيل للوطن لا غير، وأن هذا الانتماء هو المحرك والدافع والقائد لجموع المقاومين، ولا شيء أكثر من ذلك، وأن أولئك الذين يرون غير ذلك غالباً ما يكونون من المتحالفين مع المحتل والمشكوك في حقيقة انتمائهم، وهؤلاء موجودون لا يغفلهم التاريخ ولا يغفل دورهم في معاونة الاحتلال وتسهيل مهامه الاستعمارية.
لقد انزعجت كثيراً من تصريحات ومقالات نشرت هنا وهناك في وسائل الإعلام العربية تدين المقاومة وتكيل لها الاتهامات، فهل سقطت القيم والمبادئ ومن ثم سقطت بالتبعية المفاهيم والمسلمات التي علمنا إياها التاريخ حتى نوصم المقاومة العراقية والفلسطينية والأفغانية ضد الاستعمار الصهيوني الأمريكي بالإرهاب ولا يوصم الاستعمار به؟
لقد بدأت الأمور تأخذ منحى فكرياً مدمراً على المستوى العربي، ففي الوقت الذي نحن فيه أحوج ما نكون لروح المقاومة وصلابتها وترسيخها في الوجدان والعقل الجمعيين في مواجهة المد الصهيوني الأمريكي واستراتيجيات التقسيم والتمزيق والسلب والنهب في المنطقة العربية خاصة والشرق الأوسط عامة، نجد من يدعون علانية الى قتل المقاومة ووأدها في أرحام أوطانها قبل أن تنمو وتخرج الى النور كائناً مكتمل النمو وقادر على الفعل، ومن يصرحون بذلك أو يكتبونه سواء كانوا ساسة أو كتاباً للأسف يدّعون الانتماء لحضارتهم وأوطانهم، ويتشدقون بالوطنية وعدالة وموضوعية الرؤية، وقد وصل بهم الولاء للمحتل أنهم لم يعودوا يرون ما يرتكبه من سلب ونهب للأرواح والمقدرات، وأن العالم حولهم يندد ويستنكر ويدين كاشفاً عورات الصهيونية الأمريكية و بدء ظهور مؤشرات السقوط الفعلي لها ممثلة في الكيانين الإسرائيلي والأمريكي (راجع إيمانويل تود وكتابه عن سقوط الإمبراطورية الأمريكية ومقالات نعوم تشومسكي الأخيرة وأيضاً كتابه القوة والإرهاب ومقال رئيس الكنيست الإسرائيلي السابق وعضوها حاليا إفراهام بورغ في الحياة 12/ 9)، فيما هم يشيدون بالمجازر الوحشية ضد أوطانهم ويؤلبون الداخل والخارج على المقاومة، ومن متابعتي وجدت أنه لا يستلفت نظرهم إلا ما يخدم استراتيجية الهيمنة الصهيونية الأمريكية، فيكيلون المديح لها منحازين لكافة مفرداتها، ويستهجنون كل ما من شأنه تعكير صفوها، مرددين كالببغاوات كل ما تمليه وتبرر به استعمارها ومجازرها هنا أو هناك ضد شعوبنا ومقدراتنا الحضارية، وإنه لغريب حقاً ما يحدث في أدمغة هؤلاء وضمائرهم، لقد كدنا بفضلهم أن نصبح الوحيدين في العالم الآن الذين يدعمون الاستراتيجية الصهيونية الأمريكية في مخططاتها الاستعمارية ويساندونها معنوياً ومادياً وخضوعاً واستسلامنا الى آخره.
فها هي المقاومة العراقية تتهم ويطعن في وطنيتها في الوقت الذي تمارس فيه قوات الاحتلال على العراقيين ما تمارسه قوى الإرهاب الشارونية على الفلسطينيين من عمليات قمع وتصفية واعتقال، وها هم يصفقون للدعوات والقرارات الصهيونية الأمريكية الخاصة بتجميد أرصدة المقاومة الفلسطينية وتجفيف منابع التمويل وإغلاق الأبواب أمام وصول أي نوع من الدعم للمقاومة التي نعاني عائلاتها من شظف العيش تحت وطأة الإرهاب الصهيوني، بل إن هناك مراجعة لكافة الأنظمة والقوانين والتشريعات الوضعية والدينية التي يمكن أن تكون مصدر دعم لهؤلاء المقاومين الشرفاء وعائلاتهم معنوياً ومادياً، هذا في الوقت تدفع فيه الإدارة الصهيونية القائمة على حكم أمريكا الى الكيان الصهيوني الإرهابي في فلسطين 10 مليارات دولار، قررتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ( يو إس إيد) كمساعدات.
هل لم يعد هؤلاء يفطنون الى أن التحالف مع الصهيونية الأمريكية لن يعود إلا بالكوارث عليهم وعلى الأوطان التي ينتمون إليها؟ فهم بأي حال لم ولن يفلتوا من قبضة الاستراتيجية الصهيونية الرامية الى التمزيق والاحتلال ومن ثم الهيمنة، وأجندة الاتهامات والمبررات لضرب الكبير والصغير أفراداً وشعوباً وحكومات جاهزة، وها هو وزير خارجية الكيان الصهيوني سلفيان شالوم أثناء ترحيبه بالموقف الأمريكي من استخدام الفيتو ضد قرار يدين خطط إسرائيل لطرد عرفات، يعلن أمام ملأ من الصحفيين أن هذا الموقف يرد على الحكومات العربية المتطرفة (بالطبع لم يستثن إحداها) وأضاف موضحاً: من المهم جداً أن يعرف هؤلاء المتطرفون أنه في كل مرة يرغبون في استصدار قرار معاد لإسرائيل من مجلس الأمن فلن يحصل هذا القرار على الأغلبية.
لقد انتظرت أي رد فعل في الأفق العربي من المحيط للخليج على ما قرره مجلس الحكم الانتقالي في العراق من فتح جميع القطاعات العراقية للاستثمار الأجنبي، الأمر الذي وصفته جريدة الاندبندنت البريطانية في عنوان يمثل صفعة للعرب الذين اعترفوا بالمجلس وحكومته وهو (أمريكا تعرض العراق للبيع)، انتظرت أي رد فعل على ما يردده اعضاء مجلس الحكم وحكومته من ضرورة بقاء المحتل في العراق، هذا في الوقت الذي ترفض فيه أغلبية دول العالم استمرار الاحتلال وتدعو المحتل الى تسليم العراق للعراقيين، ولكن للأسف يبدو أن الاستسلام قد بلغ نهاية مداه، وليس أمام الشعب العراقي إلا أن يقاوم ويقاوم دفاعاً عن وطنه وأبنائه الذين يرزحون تحت وطأة القتلة والأمراض والفقر، وقبل أن يفاجأ بأن الصهيونية قد امتلكت العراق وهجّرت شعبه ومزقت أواصر أبنائه، وما حدث في فلسطين ليس ببعيد.
إن على الأنظمة العربية أن تراجع مواقفها من المقاومة العراقية ومجلس الحكم الانتقالي وحكومته، ذلك أن دعم ومساندة المقاومة هو السبيل الوحيد لعودة العراق الى البيت العربي والورقة الرابحة لضمان استقلال العراق وتملك أبنائه لمقدراته، فإذا أحسنت الأنظمة العربية مراجعاتها سوف تكون ورقة المقاومة وسيلة فعالة لعدم تمادي المحتل وعملائه في اللعب بمستقبل العراق.
لابد من مناهضة أهداف الاحتلال الرامية الى ذبح العراق وشيه وتقديمه وجبة فاخرة لشارون في تل أبيب وتابعه بوش في واشنطن، فهذه المراجعة من الأهمية بمكان، لأنه سوف يكون لها دورها الكبير في الحيلولة دور وضع دستور عراقي يدين بالولاء وينتمي لمبادئ الصهيونية الأمريكية، فهذا الدستور لابد أن تتم صياغته وفق رؤية عربية إسلامية وداخل جامعة الدول العربية، على أن يتم اختيار أعضاء صياغته بمعرفة الجامعة أيضاً، وأن يستبعد أي شخص مشكوك في وطنيته أو تحمل توجهاته ولاء للإستراتيجية الصهيونية الأمريكية.
إن وضع الدستور العراقي هو المحك الرئيسي للأمة العربية والإسلامية الآن، باعتبار ما سيترتب عليه من مؤثرات على مستقبل الأمة وليس العراق وحده، فإذا خرج بما يتفق مع العراق وطناً عربياً إسلامياً موحداً فسوف تكون الأمة في مأمن واستقرار، أما إذا خرج بما يتفق مع الرؤية الصهيونية الأمريكية أي عراق عبارة عن دويلات تقوده قوات احتلال أمريكية أو متعددة الجنسيات فسوف تعيش الأمة حالة من الانهيار لا يعلم إلا الله الى متى وإلى أي شيء ستؤدي، لأنه سيصبح دستور حرب الفتنة الطائفية. محمد الحمامصي
كاتب وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com