هل تختلف الحكومة الانتقالية العراقية عن سابقتيها؟

بقلم : صلاح عمر العلي

مثلما فشلت الوزارتين السابقتين المعينتين من قبل قوات الاحتلال ومعهما مجلس ادارة الدولة المؤقت تتوقع مصادر عراقية معتبرة فشل الوزارة الانتقالية الراهنة في اداء اي منجز له صلة حقيقية بمصالح المواطنين الحياتية او استرجاع السيادة والاستقلال الوطني للعراق من خلال التقدم بمشروع محدد لجدولة انسحاب قوات الاحتلال الاجنبي من العراق.
وهذه التوقعات لم تأت من فراغ او انعكاسا لرغبات ذاتية، او اعتمادا على احكام مسبقة ومن دون تحليل دقيق للواقع الذي يعيشه العراق منذ عامين من عمر الاحتلال وحتى الان، فالضوابط والشروط التي ولدت في ظلها الحكومتين السابقتين بالاضافة الى مجلس ادارة الدولة سيء الصيت والتي فشلت فشلا ذريعا في تقديم اي نوع من الانجازات للشعب العراقي سوى توسيع دائرة العنف والارهاب وتفاقم الازمات اليومية والمعاشية والتدهور الفاضح في الخدمات العامة للمواطنين والحرص على خدمة مصالح قوات الاحتلال ووجودها المتواصل في العراق، هي ذات الشروط والضوابط التي ولدت في ظلها الحكومة الانتقالية الجديدة والتي ستؤدي الى فشلها في القيام باي منجز ايجابي. فخلال مدة استغرقت ثلاثة اشهر تقريبا على عمليتهم "الانتخابية" المشكوك في مصداقيتها وبعد مناورات ومساومات وصفقات سرية وعلنية ومطالب تعجيزية من هذا الطرف او ذاك واستجابة لضغوط امريكية ودولية، وبالاعتماد على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية الذي يتناقض ويتقاطع تماما مع مبدأ المواطنة والاخلاص والخبرة ومع العملية الديمقراطية التي تسود كل المجتمعات المتحضرة، اعلن اخيرا عن ولادة وزارتهم الانتقالية الناقصة، ولادة قيصرية عسيرة. فهذه الوزارة التي اعلن عن تشكيلها لم تأت تعبيرا عن استحقاق وطني، حتى على مستوى نتائج انتخاباتهم المزورة او تعبيرا حقيقيا لمفهوم حكومة الوفاق الوطني، الذي اعلنوا عن التزامهم به، بقدر ما جاءت تعبيرا لمفهوم المحاصصات الطائفية والقومية الذي التزم به كل السياسيين الذين سيطروا على المشهد السياسي الرسمي بعد الاحتلال وباوامر صدرت عن ممثل المحتلين في العراق بول بريمر، مسقطين في ذلك أهم شروط التوافق الوطني الخاص بالمواطنة العراقية، التي تهتم بالاعتماد على الكفاءة والنزاهة ومن يكون جديراً بتحمل مسؤولية العمل بروح المواطنة.
ان حالة الاستقطاب العنصري والطائفي التي ميزت هذه الوزارة بشكل فاقع لم يكن المؤشر السلبي الوحيد الذي يسجله المراقبون للشان العراقي من عراقيين وغير عراقيين، فهناك مؤشرا سلبيا آخر يتمثل باسناد عدد من الوزارات لاشخاص مطعون في أمانتهم ووطنيتهم وسجلهم المدني، سواء كان الأمر يتعلق بالأرصدة المالية في البنوك أو في معاملة الأسرى العراقيين أثناء الحرب مع إيران، مما يزيد من الخشية العامة للقادم من الايام، سواء كان الأمر يتعلق بالأمن الداخلي أو بتدوير الأموال والثروات العراقية اضافة لعدم التزامهم بالعمل على اعادة السيادة والاستقلال الوطني للبلاد، وفي ذلك تهديد للسلام الاجتماعي الذي يحاول المواطنون صيانته والدفاع عنه من محاولات التهديد والاختراق والانهيار.
ان اولى خطوات الخروج من حالات الاستقطاب والتوتر الطائفي وشعور الخوف على مستقبل العراق التي افرزتها سياسات الاحزاب المشتركة في سلطة الاحتلال، تتمثل بالتعامل مع الوضع الامني المتدهور في المرحلة الراهنة على انه نتيجة وليس سببا وهو حالة افرزتها عملية الغزو العسكري ومن ثم احتلال العراق من قبل القوات الانكلو امريكية.اما محاولة العودة الى سياسة العصا الغليظة في ملاحقة ابناء الوطن ممن يقاومون الاحتلال بذريعة مكافحة الارهاب فستكون سياسة عقيمة لا يمكن ان تثمر الا المزيد من اراقة الدماء وتعميق حالات الفوضى وفقدان الامن وتدهور خطير في تقديم الخدمات للمواطنين المتدهورة اصلا، حيث يكفي ان نعرف ان خدمات الكهرباء لا تزيد عن ساعتين او ثلاث في افضل الحالات في اليوم الواحد على الرغم من مضي عامين على الاحتلال.
ان نهجا سياسيا من شانه انقاذ العراق من الكارثة التي يعيشها الان يحتاج الى قيادة استثنائية تتوفر على فكر شجاع وقدرة عالية على المراجعة وتصويب الموقف الذي يستهدف خدمة العراق والعراقيين، كما يحتاج الى تجرد كامل من جميع الاعتبارات الطائفية والعرقية والحزبية صعودا نحو نكران الاعتبارات الذاتية، في مقابل التمسك بالاعتبارات الوطنية، الامر الذي اصبح موضع شك لدى نسبة عالية من العراقيين بان حكومة على شاكلة الحكومة الانتقالية تتوفر على مثل هذه القدرات، مما يشي باستمرار المحنة العراقية وتواصل شلال الدم العراقي سوف لن تجد لها الحل المطلوب في هذه المرحلة. صلاح عمر العلي