هل بعد الربيع العربي نصر حليف أم بداية الخريف؟

بقلم: عبد الكريم رضا بن يخلف

استيقظ العالم مشدوهاً من آثار تسونامي سياسي مباغت أصاب ربوع العالم العربي لم يكن في الحسبان. صفعة مهينة تلتها عملية "انتحارية" فردية كانت مثل الصاعق لانفجار الأوضاع، وسقوط قصور الرمال. تمنت الكثير من القطاعات الشعبية أن تهدأ الأوضاع نوعا ما لاسترجاع الأنفاس ولعودة الاتزان للأفكار والهدوء للتصرفات، حتى لا تنقلب الثورة المحررة للشعوب إلى فوضى عارمة يعود فيها الحليم حيران.أحداث جعلت السجين المرزوقي، والممقوت مرسي، والمنفي المقريف والمحكوم عليه بالإعدام الغنوشي يعتلون كراسي الحكم من الأبواب، أبواب الانتخابات الشعبية الحرة النزيهة، لأول مرة في تاريخ العالم العربي الحديث.

وبعد الربيع العربي المباغت وآلامه وأحزانه، كان للعالم العربي موعد مع صيف عربي حار جداً من تبعات حرية التعبير الجديدة وظهور الجماعات الغالية والمتشددة وتهديدها لأحادية السلطة وقوتها، وشفافية التسيير المكتشفة التي فتحت عليهم باب الواقع المر وشساعة البون بين عالم المثالية وعالم الأفعال، ولعبة تجاذبات الأمم الخارجية وصعوبة اتخاذ المواقف الشعبية وطلاء لغة الدبلوماسية على السياسات الخارجية، وعملية البناء المؤسساتي العسيرة من تبيان لحدود السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والرئاسية، وبلورة الدساتير المسيرة الشائكة التي تكون الجامع المفترض المشترك لتطلعات فئات البلد المختلفة دينياً واجتماعياً وإيديولوجياً وسياسياً.

وبينما الأمة العربية في طريقها لتكريس حلمها في السؤدد والكرامة والعزة والرفاهية، تظهر هنالك عوائق مستشرية، وعقبات كئود تقف حجرة عثراء أمام تقدم العالم العربي في المصاف الدولي للتطور والحرية والعدالة، عوائق إن لم يتجاوزها بتؤدة وصبر وثبات كان الأمر إيذانا بخريف عربي، تختلط فيه الأمور ولن يكون الأمر عودة لنقطة الصفر بل سقوطا في المجهول، عوائق نجملها في ما يلي:

1) مشكلة الدستور وتحديد هوية البلد: لا تزال مشكلة الدستور مؤرقة لأصحاب الشأن في دول الربيع العربي، مشكلة تحديد هوية البلد في ظل اختلافات الفئات الشعبية الكثيرة، ومحاولة الأخذ برأي الأغلبية بدون حيف لحقوق الأقلية، عملية جمباز مضنية، و"عملية جراحية دقيقة" متعبة، ستترتب عنها صحة البلد المستقبلية في جميع الميادين.

2) مشكلة الحريات العامة: إن نسائم الحرية التي حملتها رياح الثورات العربية كانت أبرز مكتسبات هذه الأخيرة، إن الأنظمة المستبدة صادرت حريات الناس باسم المصلحة العليا للبلد، وقد أدى بروز جماعات متطرفة في الشارع العربي، واستيلاء تيارات إسلامية معتدلة على الحكم، إلى إثارة جملة من المخاوف على تراجع مستوى المكتسبات الشعبية من حرية الرأي والتعبير والتجمع والتحرك وكبت الحريات الفردية، كل هذا لا يشجع على استقرار المجتمعات العربية وإعطاء الفرصة للمصطادين في المياه العكرة.

3) مشكلة أحادية السلطة:ظهور هذه الجماعات وقوتها التنظيمية، وفي بعض الأحيان العسكرية وثقلها الاجتماعي، قد يؤدي إلى مخاوف من ازدواجية السلطة في البلاد، على مستوى المرجعية الدينية والإيديولوجية وحتى التنفيذية، مما سيؤدي إلى انفصام مثير للدولة في أعين الشعب وبداية هوانها وتهاويها.

4) مشكلة بناء السلطات والمؤسسات المختلفة وتحديد الصلاحيات: لا يزال النظام السياسي للبلاد العربية الورقة الأكثر ضبابية في مسيرة البناء المؤسساتي، فبين نظام برلماني ومشاكله الانسدادية، وبين نظام رئاسي ومشاكله التجبرية، وبين النظام نصف الرئاسي، وتصادم هيئاته، لا تزال بوصلة بلدان الربيع العربي تائهة بيت تلك الأنظمة. زد على ذلك موضع السلطة القضائية في سلم المؤسسات ودورها الرقابي المهم وخروجها من المعترك السياسي إلى المعترك القانوني البحت.

5) معضلة النجاح الاقتصادي وفك الألغام الاجتماعية: إن الحل الأساسي لفك الألغام الاجتماعية الكثيرة هو الفاعلية الاقتصادية، وتوفير فرص العمل للقضاء على البطالة المستشرية، والنهوض بالقدرة الشرائية للشعوب، مهمة تكاد تكون مستحيلة في ظل قلة المصادر التمويلية البريئة الصادقة وفي زمن الأنانيات الدولية، وشعار "بلدي، بلدي، نفسي، نفسي".

6) مشكلة العلاقات الدولية: تحقيق المستوى الأدنى من الرفاهية للشعوب، تحد ليس بالسهل تحقيقه في ظل الظروف المحلية والعالمية غير المشجعة، ومشكلة الخضوع اضطراريا للشروط الدولية السياسية للتخفيف من ثقل التحديات الاجتماعية. براغماتية ستلجأ إليها دول الربيع العربي مضطرة، ستتيح لها استرجاع النفس من جهة ولكنها ستدخلها في متاهات التنكر للشعارات السابقة التي كان أصحاب الحكم يتغنوا بها طوال معارضتهم للأنظمة البائدة.

المعادلة واضحة إذن، إما انتقال الربيع العربي إلى شتاء ممطر للبلاد والعباد ومحو للعالم العربي بعد مواته، وإما سيكون خريفاً للمكتسبات وزوالاً للمحصلات وتكريساً لانحطاط العالم العربي على جميع المستويات. أعظم الخير الذي نتمناه لعالمنا العربي، هو أن يجمع الله رأيهم على كلمة سواء بينهم، وأن يجعل أمورهم بيد عقلائهم وأخيارهم، وأن يقيهم شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن، يومئذ ستفرح الشعوب العربية وتفتخر بثوراتها وربيعها.

عبد الكريم رضا بن يخلف

Amidz29@yahoo.fr