هل بدأت ساعة الهروب الكبير من العراق بالاقتراب؟

من أين يمكن للكاتب عن الشأن العراقي ان يبدأ الحديث؟ من أين والبلد تحول الى ركام؟ والبشر فر اغلبهم ولم يبق الا القتلة من الذين لا يعرفون وسيلة للهروب ولو كان في مقدورهم هذا لفروا؟
من اجل ماذا حصل الذي حصل للعراق؟ هل هذا من اجل عيون الذين لا يراهم الناس الا في التلفزة وهم يهددون ويتوعدون وليس بينهم من يستطيع مغادرة ما سماها الاميركان "المنطقة الخضراء"، رغم انها لم تعد آمنة، واختراقها يزيد المقاومون امكانيته. فلم يسلم احد ممن احتموا بها في زياراتهم الخاطفة للعراق وآخرهم ديك تشيني. كما ان هناك تطورا في عمليات كوماندوس جريئة يقوم بها المقاومون وما يصاحبها من قتل وخطف للجنود الاميركان.
هل دمر العراق من اجل ان تظهر على انقاضه عمائم مستوردة، وجهامات كريهة وميليشيات لا تضمر للعراق وشعبه الا الحقد؟ ومن اجل ان يتحول الى زعماء اصحاب العمائم الظاهرة او المفترضة على رؤوس سياسيين لا علاقة لهم بالسياسة بل مجرد (روزخونية) وفق المصطلح العراقي الذي يطلقونه على الجهلة من المعممين؟
وهل كل هذا الخراب من اجل ديمقراطية المحافظين الجدد الذين يريدون جعل العراق التجسيد الحي لها؟
لقد اسقطوا الدولة لتحل محلها مجموعة عصابات، كل واحدة لها اجندتها التي لا علاقة للعراق بها، اجندة طائفية او عنصرية، لا فرق لأنها كلها في المحصلة الاخيرة تريد انهاء الكيان العراقي الواحد الذي صمد رغم كل ما تعرض له من حروب وغزوات، حيث مضي كل اعدائه وبقي هو واحدا موحدا.
حلوا الجيش العراقي الوطني المدافع عن حمي العراق والحفاظ على حدوده وكرامة ابنائه رغم انه لم يكن جيش فئة ولا طائفة بل هو جيش العراق كله، وحتى الانقلابات العسكرية التي عرفها البلد لم تؤثر في بنية هذا الجيش بل باستبدال بعض كبار العسكريين فقط وعددهم لا يتجاوز اصابع اليد، لكن الهيكل بقي لأنه الضمان.
لقد ارتجلوا جيشا بعد حل الجيش، وضم هذا الوليد المشوه خليطا من الميليشيات وعتاة القتلة والمزورين، وظهرت وجوه ليس لها اي رصيد عسكري وبرتب عالية، وقد حملت الاخبار اخيرا ان قرابة الألف من كبار الضباط ومن رتب مختلفة جرى ضمهم للجيش بشهادات مزورة جاؤوا بها من سوق مريدي ببغداد الذي يضم مجموعة من المزورين المحترفين الذين يقومون بتزوير كل ما يرغب فيه الذاهب لهم، من الجنسية الى جواز السفر الى وثائق ملكية البيوت الى الشهادات ولكل وثيقة ثمنها!
يحصل هذا في وقت تنشر صحيفة نيويورك تايمز موضوعا ذكرت فيه ان خمسمائة الف برميل تنهب يوميا من النفط العراقي منذ احتلاله، اي على مدى اربع سنوات، وثمن هذا النفط المسروق يساوي مليارات الدولارات، هذا عدا ما سرق من اموال عراقية اخري من قبل مسؤولين لصوص اصبح البلد في عهدهم التعيس وفقا لتقارير مفوضيات النزاهة الاسوأ في العالم كله، وليس هناك بلد اسوأ منه.
وفوق هذا يحن المالكي لأولي امره فيوجه دعوة للشركات الايرانية دون غيرها لبناء اربع مصاف لتكرير النفط جنوب العراق امتثالا لرغبة رئيس قائمته عبد العزيز الحكيم بتحويل هذه المنطقة الى اقليم وفق فيدرالية عجيبة يتم بعدها الحاقه بايران كما حصل من قبل لأمارة عربستان التي فرّسوها وضد رغبة اهلها العرب الاقحاح ابناء الاحواز، الذين يقاومون ما يحصل لهم ببسالة عجيبة رغم ان الإعلام العربي قد اهملهم ولم يعد يهتم بهم وبما يعانونه، ربما لكثرة مصائب العرب!
لكن هل يستمر كل هذا وتصبح اجندات الاحتلال وعملائه واقعا وحقائق؟
والجواب ان هذا لن يكون، وهو المستحيل بعينه، والعراق الواحد لن تشرذمه عصابات تريد ان تنفرد كل واحدة منها بحصتها وتحت جناحي الاحتلال الاميركي، ورغم ان سفارة هذا الاحتلال ببغداد قد انجزت تقريبا كما تقول الاخبار الواردة من العراق، وبناياتها بدأ سكان بغداد يرونها بالعين المجردة، وقد ذكر متابعون ان مساحتها بحجم مساحة الفاتيكان! ولكن حتى لو كان هذا صحيحا فان اصرار المقاومة العراقية لن تجعلهم يهنأون في مقرهم هذا الذي سيحكمون منه المنطقة النفطية كلها، وليس العراق فقط وفقا لآراء المتابعين.
ومهما كانت تحصيناتهم لن تحميهم خاصة وان مجموعة المحافظين الجدد قد تساقطت، وامامنا مشهد بول وولفويتز الذي وضعه رئيسه على رأس البنك الدولي، وها هو يغادر موقعه بعد ان قدم استقالته، وقرأنا انه كان مكروها من الاوروبيين وحتى من الموظفين في هذا البنك.
وها هو ريتشارد بيرل يطلق سهام اتهاماته الى الرئيس بوش، وهذا الرجل هو من صقور المحافظين الجدد شأنه شأن بول وولفويتز، ولم يبق مع سيد البيت الابيض الذي اقترب موعد مغادرته له الا نائبه ديك تشيني العائد من حزمة زيارات فاشلة لدول المنطقة ذات العلاقة بالشأن العراقي.
ان المقاومة العراقية اليوم في احسن حالاتها، وحضورها يتأكد، وقد رأينا افعالها في قصف المعسكرات وتدمير الطائرات في مجاثمها، وبعث الرسائل المضمونة الوصول صواريخ لا تخطئ للمنطقة الخضراء.
اما توسلات المالكي والطالباني والبارزاني والحكيم والناطقين باسمهم فلن تمنع ساعة الهروب ان حانت، وليس بينهم من هو أهم من شاه ايران مثلا بالنسبة لأميركا وبريطانيا، ومع هذا تركوه حتى دون بلد يؤويه او يمنحه ساحة قبر لولا شفاعة السادات. عبد الرحمن مجيد الربيعي
روائي من العراق يقيم في تونس