هل انتهت فلسفة ابن خلدون؟

القاهرة
الفكر الخلدوني

بمناسبة مرور ستة قرون على وفاة عبد الرحمن بن خلدون قدم مثقفون عرب قراءات لاعماله التي أسس بها علم الاجتماع العربي في ضوء اللحظة التاريخية الحالية التي قال بعضهم انها تشبه الفترة التي عاش فيها ابن خلدون.
وقال الباحث التونسي مصطفى خياطي ان علماء الاستعمار اكتشفوا أعمال ابن خلدون قبل أكثر من مئة عام لكنهم لم يعترفوا بالثقافة العربية التي أنتجته ونظروا اليه باعتباره حالة استثنائية "وكأنه نتاج نفسه".
وأضاف الاربعاء في ندوة نظمتها دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة بعنوان "الاثر الخلدوني في الفكر العربي المعاصر" أن المثقفين الفرنسيين قدموا ابن خلدون باعتباره عبقرية لا مكان لها في سياق الفكر العربي الاسلامي.
وأشار الى أن عميد الادب العربي طه حسين في رسالته للدكتوراة التي أشرف عليها عالم الاجتماع اميل دوركايم عام 1917 لم يعتمد النص العربي لمقدمة ابن خلدون موضوع دراسته وانما اعتمد الترجمة الفرنسية "وكانت تحليلاته بها الكثير من الخطأ والخلط والاستعلاء ونال من ابن خلدون وأنكر عليه أنه ابتدع علم الاجتماع".
ولكن محمد صابر عرب رئيس دار الكتب المصرية رجح أنه لو عاش طه حسين حتى نهايات القرن العشرين لبادر الى تعديل كثير من أحكامه على ابن خلدون (1332 - 1406) خاصة فيما يتصل بالعلاقة بين العلوم الاجتماعية حيث "أخذ طه حسين على ابن خلدون أنه يدرس المجتمع ليشرح التاريخ بينما علم الاجتماع لكي يكون علما يجب أن يكون مستقلا".
وأشار في افتتاح الندوة التي تقام بالتعاون مع مركز سيداج الفرنسي بالقاهرة بمناسبة مرور ستة قرون على رحيل مؤلف "المقدمة" الى أن ابن خلدون حظي باحترام الغرب منذ فترة مبكرة ويكفيه "شرفا أن كل التخصصات تتنازع فكره... كانت الظاهرة الخلدونية في مجملها بمثابة ومضة ضوء في زمن كانت فيه الحضارة العربية في طريقها الى التراجع".
ولد ابن خلدون في تونس واستقر في مصر 22 عاما الى أن توفي ودفن بالقاهرة. ومنذ عشر سنوات اشتعلت حرب كلامية بين مثقفين عرب حول كتابه "المقدمة" حين قال الكاتب المصري محمود اسماعيل أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس ان مؤلفها اطلع على رسائل اخوان الصفا واقتبس منها نظريته في علم الاجتماع.

واعترض كثير من الباحثين العرب ومعظمهم من المغاربة على ما توصل اليه اسماعيل الذي رأى أن غضب المغاربة ينطلق من اعتبارهم أن ابن خلدون يخصهم وحدهم.
وأصدر كتابين هما "نهاية الاسطورة.. نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل اخوان الصفا" ثم سجل حصاد ذلك السجال في كتاب "هل انتهت فلسفة ابن خلدون".
ويرى باحثون عرب أن الاهتمام العربي بابن خلدون تأخر كثيرا كما أن بعض أعماله لا تحظى بما تستحقه من اهتمام الدارسين وليس لها شهرة كتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر" الذي كانت "المقدمة" جزءا منه.
وأشاد خياطي بأول "مهرجان رسمي" عربي عن ابن خلدون في القاهرة عام 1962 واصفا اياه بأنه اعادة الاعتبار للفكر الخلدوني وقراءته عربيا بعيدا عن القراءات الغربية التي قال ان الطابع الاستعماري غلب عليها.
ولان الندوة لا تعيد تفسير اراء ابن خلدون بأثر رجعي ولا تستنطق أعماله بما ليس فيها فقد أشار قاسم عبده قاسم أستاذ تاريخ العصور الوسطى الى أن الهدف ليس اخراج ابن خلدون "من صمته لنواجه به العالم وانما تغيير أنفسنا (العرب) في لحظة تاريخية تشبه السياق الذي عاش فيه ابن خلدون".
وعلق عبادة كحيلة أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة مفترضا أن ابن خلدون لو عاد الى زماننا فلن يقول جديدا بل سيشير الى ما سجله من قبل مثل اشتغال القادة السياسيين بالتجارة الى جانب عملهم الاصلي في مراحل تدهور الدولة "وهذا ممنوع في الدول الديمقراطية لكنه موجود في مصر".
وأضاف أن كلام ابن خلدون لايزال صالحا لعصرنا خاصة ما يتعلق منه باصرار الاثرياء على أن تكون لهم مناصب رسمية تعفيهم من المساءلة مثل لجوء بعض من أسماهم رجال المال لعضوية البرلمان اضافة الى "تحالف الفساد والاستبداد، حلف المال والسلطة يجعل رجال المال يهربون عندما يشعرون بقرب انهيار (نظام الحكم في) الدولة ويحدث هذا في مصر".