هل الطبع يغلب التطبع؟

بقلم: زياد العيساوي
ليست هناك طباع سيئة

عبارة يتلفظ بها كل من يتصف بالسلوك الشائن، عندما نطلب إليه، أن يقوم بتغيير سلوكه إلى النحو الأحسن، فيقول بملء فيهِ العبارة التالية "الطبع يغلب التطبع" وهي "كلمة حق يراد بها باطل".
وتتناقل هذه العبارة على ألسنة الناس، حين يأسهم من استقامة ذلك الشخص الذي لا يتصف بالسلوك الأدبي، فهل حقاً لا يمكن لذلك الشخص التغيير من سلوكه السيئ، أم أن ما قاله هو "كلمة حق يُراد بها باطل"؟
وهل للسلوك علاقة بفطرة الإنسان؟ أي بمعنى، أنّ كل امرئ قد جُبل على سلوك معين، وإن كان هذا السلوك سيئاً، وليس بوسعه أنْ يُغير منه في شيء، ولا طاقة له بأنْ يحيد عنه إلى ما هو أفضل.
يقع البعض في لبسٍ عندما يخلط بين مفهومين يختلفان عن بعضهما بعضاً، اختلافاً جذرياً، وهما مفهوم الطبع والسلوك، فالطبع هو ما ينطبع في النفس البشرية من ميل وذوق وحب لشيء ما، أو تعود على شيء آخر.
وتختلف هذه الأمور من إنسان لآخر، فهناك من يميل إلى العزلة عن الناس، ونعرفه بالإنطوائي، حيث إن له درجة معينة من حدة المزاج، كما أنه يميل نحو هواية معينة يجد نفسه أكثر في ممارستها، ومثلما يوجد شخص بهذه الطباع، ثمة شخص آخر على النقيض التام من طباع الأول، فنجده يميل إلى حب مخالطة الناس، فهو اجتماعي، ولا غنى له عن الناس، وكذلك نراه يتمتع ببرود الأعصاب، ولا ينفعل لأتفه الأمور، بل نجده يتمالك نفسه أكثر أمام المصائب والنائبات.
ونجد الاثنين لا يتفقان أيضاً في وجهات النظر لأمور عدة، فالأول مثلاً يميل إلى لون معين يُحب أن يجعل منه رمزاً للملابس التي يرتديها، من دون غيره من الألوان الأخرى، وإلى مذاق خاص من الطعام أو الشراب يحب تناولهما، ويجد سعادته أكثر في قضاء أوقات الفراغ بالجلوس على شاطئ البحر، ولكن الثاني يخالفه في هذا الميل، إلى ما ذلك من اختلاف وتباين بينهما في وجهات النظر.
وللطبع علاقة بالحالة النفسانية للمرء فقد يكون ميله نتاج حالة نفسانية معينة، تجعله يرغب شيئاً ما من دون خلافه، وفي علم الأبراج، وهو علم قائم بذاته، سيبدو لنا ذلك واضحا، إذا تناولناه من حيث الناحية النفسانية، لا من حيث علم الغيبيات، فقد كذب المنجمون ولو صدقوا، إن هم أدعوا العلم بالغيب.
على أية حال، حينما نتناول التحليل النفساني لمواليد أي برج من الأبراج المعروفة لدينا، نجده يُركز دائماً على طباع مواليده، كأن يُركز مثلاً على ميلهم إلى الرومانسية والشاعرية والإحساس المرهف، وكذلك خوفهم من المجهول وابتعادهم عن الواقعية.
ولكن يحدث لبس آخر في بعض كتب الأبراج، عندما نقرأ من ضمن التحليل النفساني لطباع مواليد أي برج، أنهم يتصفون بشيء من الغرور، وهذا المسمى في حقيقة الأمر، يندرج تحت مفهوم السلوك، وهوَّ سلوك سيئ من دون شك، وعلى كل من يتصف به، أن يُغيره في اتجاه التواضع، فمن الظلم والإجحاف أن نعتبر الغرور طبع وسمة لمواليد أي برج، لأننا بذلك نكون قد طبعناهم بسلوك سيئ، يحكم به البعض على سلوك مواليد البرج بمجرد أن يعرفوا إنهم ممّن ينتمون إليه، فيتهمونهم بالغرور مثلاً .
إذن الطبع هو ما يتطبع به المرء من سمات وصفات تولد لدينا انطباعاً عنه، فنعرف به ما يُحزن المرء وما يُسعده، ونعرف به أيضاً، كيفية التعامل معه سواء بحذر أو بحرية، وليس بإمكاننا تقنين طباع الناس وفقاً لمعايير ثابتة، ولا تختلف من إنسان لآخر، لأنه من الصعب أن نجعلهم يتفقون على محبة نوع واحد من الألوان، أو أن يلتفوا حول مزاج واحد، أو أن يتحدوا في وجهات النظر؛ وهذا فيما يخص مفهوم الطبع.
أما فيما يتصل بمفهوم السلوك، وما إذا كان له علاقة بالفطرة، والقدرة على تغييره من عدمها، فهذا ما سوف نتناوله في هذه الجزئية المتبقية من هذا المقال، ونستهلها بقوله تعالى في محكم تنزيله العزيز {لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.} صدق الله العظيم.
من نصّ هذه الآية الكريمة، نستشف أن التغيير أمرٌ وارد، وليس بالصعب، بل أنه ليس مستحيلاً، ولكن أي نوع من التعبير هذا الذي نستشفه؟
فالطفل منذ أن يولد، وفي بواكير عمره الأولى، يكون نقيَّ السريرة، كالأرض البكر التي لا تنتج إلا ما زُرِع فيها من بذور، سيئةً كانت أو جيدةً، وهوَّ في أتم الاستعداد لتلقي الأوامر والنواهي، فإن كانت الأوامر في اتجاه سيئ، فسوف يتولد في تركيبته سلوك أسوأ، وإن كانت النواهي عن فعل الخير، فالناتج كالذي سبقه، أي سلوك سيئ في الحالتين.
ونجد في أحيان كثيرة، أنّ أفراد الأسرة الواحدة، يقومون بتلقين الطفل فنون السخرية ممَّن يكبرونه سناً، كأن يعلمونه نطق الألفاظ البذيئة، والتلفظ بالألقاب، أو أن يُقلد بسخرية حركات غيره، فنراهم فرحين بما يقوم به الطفل من حركات هزلية وتلفظ بعبارات وقحة، ما يجعل هذا الطـفل عندما يكبر يتلفظ بتلك العبـارة متحججاً ومتبجحاً (الطبع يغلب التطبع) وهي حجة واهية ولا سند لها، ليس في مصداقيتها وصحتها، ولكن في الغرض من التلفظ بها، حال طلبنا منه أن يستقيم، ويصلح من الاعوجاج الذي في سلوكه، نعم إننا معه ونُلقي باللائمة على أسرته بالدرجة الأولى، ولكن هذا لا يعني أن يتطبع بسلوكه السيئ والمكتسب.
ما رمينا إليه من هذا الطرح، هو أن السلوك ليس له علاقة بالفطرة، وربما يكون له علاقة وطيدة بالبيئة الأسرية، بل نكاد أن نجزم بذلك، كما أن هناك فرقا بين مفهوم السلوك والطبع، فعلينا ألا نخلط بينهما، وأن كل من يتلفظ بتلك العبارة، يُسيء لفحواها ومغزاها، فهي كلمة حقٍّ يُراد بها باطل، إن كان القصد منها ما تناولناه في مقالنا هذا، وليست هناك طباع سيئة، وإن بدتْ لنا كذلك، فهي بالأساس سلوكيات سيئة. زياد العيساوي ـ ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com