هل التاريخ يعيد نفسه؟

بقلم: جواد البشيتي
ثمة جديد تحت الشمس

"التاريخ يعيد (أو يكرِّر) نفسه". إنَّها عبارة طالما سمعناها، أو قرأناها، أو قلناها، وكأنَّها، لجهة معناها، في منزلة "القانون التاريخي"، أو "المسلَّمة الفكرية" التي بحكم معناها ليست بحاجة إلى إثبات، وينبغي لنا أنْ نتَّخِذ منها دليل نفي أو إثبات، فما يوافقها هو "الحقيقة"، وما يخالفها، أو يناقضها، هو "الباطل".
ومن معناها، انبثقت وتفرَّعت عبارات أخرى، منها على سبيل المثال، أو على وجه الخصوص، عبارة "لا جديد تحت الشمس"، مع أنَّ معنى هذه العبارة أوسع وأعم وأشمل من عبارة "التاريخ يعيد نفسه".
أمَّا ما يدهشني ويحيِّرني (ولكن ليس كثيراً) فهو إدمان كثير من "أهل الفكر والقلم" عندنا، ومن مدبِّجي المقالات السياسية الصحافية اليومية على وجه الخصوص، على استعمال عبارة "التاريخ يعيد نفسه"، متوهِّمين أنَّ زركشة مقالاتهم بها، أو افتتاحها، أو اختتامها، بها يمكن أن يعلي من شأنها، ومن شأنهم، أو أن يرفع منسوب "الفكر" في النصِّ الذي يتوفَّرون على كتابته.
اثنان مِمَّن لا يقبلان نعتهما بما هو أقل من صفة "المفكِّر العربي"، هما اللذان أدهشاني وحيَّراني كثيراً، إذ خالف كلاهما الآخر في أمر صاحب هذا "الاكتشاف"، أي عبارة "التاريخ يعيد نفسه"، فأحدهما أصرَّ على أنَّه هيجل، فعارضه الآخر، مصرِّاً على أنَّه ماركس، وكأن ليس لـ "الحقيقة" من آذانٍ تسمع، وعيون تبصر!
ثمَّ جاءهما ثالث، أي "مفكِّر ثالث"، فأدلى برأي في القضية مدار الخلاف، وكأنَّه صاحب القول الفصل، فكشف لهما، ولنا، أنَّ هيجل وماركس يتقاسمان فضل هذا "الاكتشاف"، محتجَّاً بقولٍ لماركس (من مستهل مؤلَّفه "الثامن عشر من برومير") جاء فيه: "أشار هيجل إلى أنَّ كل الأحداث الكبرى والشخصيات التاريخية تتكرَّر مرَّتين؛ ولقد نسي أنْ يقول موضحاً إنَّها (الأحداث والشخصيات) في المرَّة الأولى تظهر في شكل مأساة، وفي المرَّة الثانية تظهر في شكل مهزلة".
من هذا القول، الذي أساء فهم معانيه مرتكباً خطاً يعدل خطأ أن تقول "1 + 1 = قرد"، استمدَّ "المفكِّر الثالث" حجَّته المفحمة!
منذ زمن طويل و"الثقافة" في مجتمعنا العربي تعاني "وثنية (أو "صنمية") النص" حتى تحوَّل قسم كبير من "المثقفين"، أو من "أهل الفكر والقلم"، إلى "حَفَظَة" لنصوص لا تستقر على معنى أو تفسير، وكأنَّ "المعرفة" هي الحفاظ على "الجسد" من النص مع تبديل "الروح" دائماً؛ أمَّا الأسلوب المتَّبع في ذلك فهو "التأويل"، فالباحث يتوفَّر على البحث عن "المعاني الخفية" وراء "المعاني الظاهرة" في الكلام أو النص، مفسداً ومشوِّهاً "معناه الحقيقي". إنَّ "النص" لا يحتاج إلى "التأويل"؛ فالتفسير خير وأبقى، ويجب أنْ يظل غاية الباحث والبحث.
بالتأويل يستطيع المرء، وبقليل من الجهد، أنْ يجد في أي نص، وفي أي ظاهرة، المعاني التي يريد ويبتغي.. يستطيع أنْ يرى ما يرغب في رؤيته!
"النص" الذي نستمسك به قد يكون ثريِّا في معانيه ومراميه؛ ولكنَّ ثراءه هذا لا يكون، ولا يتأكد، إلاَّ بانسجام وتوافق وتكامل معانيه مهما تنوَّعت وغزرت؛ أمَّا أنْ تدخل معانيه في "نزاع منطقي" مع بعضها بعضاً؛ ثمَّ في نزاع مع "حقائق موضوعية"، فهذا ما ينبغي لكل الحريصين على "استقامة المعنى وقوته" العمل على اجتنابه. وهذه الغاية لا يمكن التوصُّل إليها إلا باعتماد "منطق التفسير والتحليل التاريخيين" فحسب.
"الوثنية النصِّية" تفضي إلى اتخاذ "النص" مقياسا للحقيقة، فكل ما يوافقه يعدُّ حقيقة، وكل ما يخالفه يعدُّ باطلا، وكأنَّ "الحقيقة" في علومنا ومعارفنا هي ما يؤيده "النص"، الذي يشبه صنماً صنعته أيادينا حتى تخضع له عقولنا خضوعاً وثنياً!
هذه "الصنمية" في "النص" لم تنجُ منها حتى الماركسية في مجتمعنا العربي، فطالما اتخذ الماركسيون العرب قولاً لماركس أو لينين مقياسا للحقيقة، فهذه "الفكرة الجديدة" صائبة؛ لأنَّ "القول" أيَّدها، وتلك خاطئة؛ لأنَّ "القول" عارضها!
حتى "الخطاب السياسي" لكثير من الأحزاب والقوى والمنظمات السياسية العربية لم يخلُ من القول البليغ الآتي: "لقد جاءت الأحداث والتطورات الأخيرة لتقيم الدليل على صواب وجهة نظرنا.. "، وكأنْ ليس للواقع (والتاريخ) من عمل يؤديه سوى تأييد وجهات نظرهم!
العيب الأوَّل في ثقافتنا أنَّها من النمط الذي يسمح للمثقف بأنْ يتخذ "النص" (نص قول "عظيم") دليلا على صواب وجهة نظره، أو على خطأ وجهة نظر معارضيه، فعندما يُسأل عن "الدليل" (دليل "التأييد" أو "النفي") يستهل جوابه بإيراد نص قول يعتقد بعظمته الخالدة، لعلَّ هذا "الإرهاب الفكري" يجعل وجهة نظره في "بروج مشيَّدة"، فلا يدركها "الموت"!
هذا عيب ثقافي؛ لأنَّ "النص" مهما عظُم، أو بدا عظيماً، لا يعلو الواقع الذي جاء به، مختزِنا فيه "طاقة فكرية ناضبة"، أي أنَّ "الحيوية الفكرية" للنص لا تبقى بعد انتهاء "الواقع التاريخي"، الذي جاء بالنص إلى الحياة.
لِنَعُدْ الآن إلى القضية، التي فيها اتَّفقوا واختلفوا إذ أساءوا الفهم، ولْنِسْأل "هل التاريخ يعيد نفسه؟".
القول بتاريخ يعيد ويكرِّر نفسه في استمرار إنَّما هو جزء من ثقافة، نقف على بعض من ملامحها في أقوال وأفكار ومفاهيم من قبيل: البشر سيظلُّون دائماً مُؤلَّفين من فقراء وأغنياء. الفقر والغنى يضربان جذورهما في الطبيعة الإنسانية التي لا يمكن أبداً تغييرها. الفساد يمكن ويجب أن نكافحه؛ ولكن لا يمكننا أبداً أن نقضي عليه قضاءً مبرماً؛ لأنَّه سرمدي كمَصْدَرِه وهو طبيعة النفس البشرية؛ وينبغي لكلٍّ مِنَّا، بالتالي، أن يمتنع عن تعليل نفسه بوهم أن يشذ عن هذه الطبيعة. مجتمعكَ إنَّما هو دائماً غابة ذئاب، فكُنْ ذئبا حتى لا تأكلكَ الذئاب. لا تصارع من أجل تغيير يذهب بالقديم ويأتي بالجديد، فلا جديد تحت الشمس؛ وليس من تغيير سوى الذي نرى فيه "زيادةً" أو "نقصاناً"، أو "تكراراً"، فـ "النوع"، أو "الجوهر"، لا يتغيَّر أبداً.
إنَّ هيجل (وكذلك ماركس) هو العدو اللدود لمقولة "التاريخ يعيد نفسه"؛ ولقد أسَّس لمنطقٍ، تخطَّى فيه منطق أرسطو (المنطق الشكلي أو الصوري). ويقوم منطقه الجدلي على نفي ودحض كل مقولة أو فكرة من قبيل "التاريخ يعيد نفسه"، و"لا جديد تحت الشمس".
وإلى هذا الفيلسوف الألماني العظيم، المثالي الأعظم، والجدلي الأعظم أيضاً، يعود الفضل في اكتشاف (وصوغ) قانون "نفي النفي" Negation Of Negation والذي في إساءة فهمه يكمن قولهم "التاريخ يعيد نفسه".
هذا القانون (أو الثلاثية الهيجلية الشهيرة) والذي يشمل فعله وعمله الطبيعة والتاريخ والمجتمع والفكر، شرحه هيجل بنفسه خير شرح في مثال "البرعم والزهرة والثمرة"، فقال: إنَّ "البرعم" يختفي ما أن تحطِّمه "الزهرة"، وتحل مكانه؛ ولكنَّ "الزهرة" التي نفت وألغت "البرعم" لن تظل في مكانها، أو على ما هي عليه، إلى الأبد، فإنَّ "الثمرة" تنفيها وتلغيها هي أيضاً، وتحل مكانها.
النفي الأوَّل الذي نراه في حياة النبتة إنَّما هو نفي "الزهرة" لـ "البرعم"؛ والنفي الثاني هو نفي "الثمرة" لـ "الزهرة"؛ وهذا النفي (الثاني) هو ما يسميه هيجل "نفي النفي".
هيجل يسمِّي الطور الأوَّل من حياة النبتة، والذي هو "البرعم" تسمية فلسفية هي "الأطروحة" Thesis، ويسمِّي الطور الثاني، وهو "الزهرة"، "النقيض"، ويسمِّي الطور الثالث، وهو "الثمرة"، "التركيب"؛ وهذا الطور هو نفسه طور "نفي النفي".
ثمَّ يوضِّح هيجل أمراً في منتهى الأهمية هو "تساوي الأطوار الثلاثة جميعاً لجهة أهميتها وضرورتها"، فلو لم يُوْجَد طور "الزهرة"، مثلاً، لَمَا ظهرت "الثمرة" إلى الوجود؛ وإنَّ من السخف أن ينظر بعض الناس إلى "الثمرة"، مثلاً، على أنَّها "الحقيقة"، وكأنَّ طور "الزهرة" عديم الأهمية، أو قليلها.
في نفي فكرة لأخرى، يمكن أن نقول إنَّ الفكرة الجديدة "دَحَضَت" القديمة، ويمكن أن يقول بعض الناس مُسْتَنْتِجاً إنَّ الفكرة القديمة ما كانت لِتُدْحَض لو لم تكن "خاطئة"، أو "زائفة"، وإنَّ الفكرة الجديدة هي، بالتالي، "الصائبة" و"الحقيقية".
وفي الطريقة نفسها، يمكن أن يفهم بعض الناس "الزهرة" على أنَّها "الخطأ" و"الزِّيف" في حياة النبتة، و"الثمرة" على أنَّها "التطوُّر الطبيعي والحقيقي".
وهؤلاء الناس، أو أشباههم، هم الذين اكتشفوا في النظام الرأسمالي (أو في "الليبرالية الجديدة") نهاية التاريخ، و"الحقيقة النهائية"، التي بظهورها صار "الزِّيف"، والذي هو كناية عن النظم الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت قبل الرأسمالية، أثراً بعد عين، فهي، أي الرأسمالية، كالثمرة لجهة أهميتها وضرورتها.
"الثلاثية الهيجلية" أوضحها إنجلز، أيضاً، في مثاله الشهير (مثال "نبتة الشعير"). لقد اتَّخذ من "حبَّة الشعير السليمة المرزوعة حيث تهيَّأت لها أسباب وشروط النمو الطبيعية" نقطة انطلاق، أي طور "الأطروحة". إنَّ هذه الحبَّة تختفي (أي تنفى) فتنبثق منها، وتحل مكانها، "النبتة"، التي تنمو، وتتغيَّر، وتختلف، حتى "تعيد حبَّة الشعير (التي صارت أثراً بعد عين) إلى الوجود"، وكأنَّ "حبَّة الشعير"، في تطورها الطبيعي، لا تنفى إلاَّ لتعود إلى الوجود.
هذه "العودة"، التي يشتمل عليها طور "نفي النفي"، والتي نراها في كل تطوُّر (في الطبيعة والتاريخ والمجتمع والفكر) هي ما حيَّرت وأدهشت الفلاسفة، وغيرهم من رجال الفكر والعلم، ففهمها بعضهم بما جعلهم يقولون بتاريخ "يعيد ويكرِّر نفسه في استمرار".
هندسياً، وبما يوافق فهمهم الفلسفي هذا، تصوَّروا التاريخ (والتطور على وجه العموم) على أنَّه "دائرة لا نهاية لها"، فحبَّة الشعير تنفى، فتحل النبتة مكانها، فتنفى النبتة، فتعود حبة الشعير إلى الوجود، أي يعود كل شيء إلى نقطة الانطلاق (إلى البداية) ويغدو "المستقبل"، بالتالي، عودة إلى "الماضي"، فلا جديد تحت الشمس!
إنَّها عودة لا ننكرها؛ ولكنَّها ليست بالعودة التي لا جديد فيها، فإنَّ اختلافاً في "الكم" و"الكيف" يخالط دائماً "العودة إلى الماضي"، أو إلى "نقطة الانطلاق"، فنبتة الشعير لم تُنْفَ لتحل مكانها حبَّة شعير واحدة؛ ولم تُنْفَ لتحل مكانها حبَّة الشعير نفسها، ففي هذا الطور الثالث (نفي النفي) أصبح لدينا خمسون حبَّة شعير، مثلاً؛ وكلُّ حبَّة منها تختلف، ولو اختلافاً، ضئيلاً عن "الحبَّة الأُم" في الصفات والخواص. وهذا الاختلاف ينمو ويزداد مع مرور الزمن، حتى تظهر أنواع وأجناس نباتية جديدة.
وإنَّها "دورة"؛ ولكنَّها "حلزونية (أو لولبية)" الشكل، فالعودة إلى الماضي، أو إلى نقطة الانطلاق، إنَّما هي عودة أقرب إلى الشكل منها إلى المحتوى، وتمثِّل درجة أعلى في سلَّم التطوُّر.
بما يوافِق هذا القانون (قانون "نفي النفي"، أو "الثلاثية الهيجلية") ولكن ليس من طريق "الاشتقاق منه"، تحدَّث ماركس عن الراسمالية، نشوءاً وتطوُّراً ونهايةً، مبيِّناً أنَّ الرأسمالية جاءت نفياً لظاهرة اجتماعية ـ تاريخية هي ظاهرة "العامل المتَّحِد (عبر علاقة التملُّك) بأداة عمله"، فالعامل (الحرفي أو الفلاح) في مستهل عهد الرأسمالية كان يملك أداة العمل التي يَسْتَخْدِم.
لقد كان يملك ما يَسْتَخْدِم، ويَسْتَخْدِم ما يملك، فـ "حقُّه في التملُّك"، و"حقُّه في الاستعمال"، كانا متِّحِدين مندمجين غير منفصلين.
وهذه "الأطروحة"، أو "الملكية الفردية"، نُفِيَت إذْ جُعِل العامل (في المصنع الرأسمالي) مُسْتَخْدِماً لأداة عمل (الآلة) لا يملكها هو وإنَّما غيره، أي رب العمل، أو الرأسمالي.
هذه الحال (التي هي طور "النقيض") تطوَّرت، فأصبح عشرات، ومئات، وآلاف، العمال يعملون مُسْتَخْدِمين أدوات عمل يملكها شخص.
وإنَّ هذا "النفي" لا بدَّ له، بحسب ماركس، من أن ينفى، فتعود أدوات العمل (التي هي الآن آلات ومصانع..) في ملكيتها إلى العمال؛ ولكن على نحو مختلف، وفي مستوى أعلى من التطوُّر.
في "نفي النفي" الاجتماعي ـ التاريخي هذا، يتملَّك العمال تملُّكاً جماعياً (اجتماعياً) أدوات عملهم، فـ "ملكية العاملين" نُفِيَت بـ "ملكية غير العاملين"، التي نُفِيَت (في طور "نفي النفي") من ثمَّ، فعُدْنا إلى الماضي، إلى نقطة الانطلاق، أي إلى "ملكية العاملين"؛ ولكنَّها عودة أقرب إلى الشكل منها إلى المحتوى، فتملُّك العاملين الجديد هو جماعي لا فردي، ويخصُّ آلات لا أدوات.
في "الأطروحة"، رأيْنا اتِّحاداً لا انفصام فيه بين "العمل" و"الملكية"، فمَن يعمل يملك، ومن يملك يعمل؛ ثم جاء النفي الأوَّل (أي الرأسمالية) فانفصل العمل عن الملكية، والملكية عن العمل، فمَن يعمل لا يملك، ومن يملك لا يعمل؛ وأخيراً، يجيء النفي الثاني، أي "نفي النفي"، أو "المركَّب الهيجلي"، فيتَّحِد العمل والملكية؛ ولكن اتِّحادا مختلفاً (نوعياً) عن ذاك القديم.
النمطان المتضادان من الملكية (الملكية الفردية والملكية الجماعية أو الاجتماعية) يتَّحِدان الآن اتِّحاداً هو الأعلى، فبعضٌ من الأشياء يملكها الناس ملكيةً شخصية فردية، كمواد الاستهلاك، وبعض منها يملكونه ملكية جماعية أو اجتماعية.
في هذا المجتمع، الذي بشَّر به ماركس، "يُقوَّم" التناقض بين "التملُّك الفردي" و"التملُّك الاجتماعي"؛ و"تقويم التناقض" إنَّما هو "التغلُّب عليه" و"الإبقاء عليه" في الوقت نفسه. وفيه، نرى هذا التناقض، أي "التناقض المقوَّم"، في وحدته الأعلى.
وفَهْمُ التاريخ، أو التطوُّر الاجتماعي والتاريخي، على هذا النحو، أي بما يوافق قانون "نفي النفي"، أو "الثلاثية الهيجلية (التي لا تمت بصلة إلى ثلاثية "الآب والابن والرُّوح القدس")"، إنَّما هو جزء لا يتجزأ من فهم أوسع وأشمل وأعم، هو فهم التطوُّر كله (أي في الطبيعة والتاريخ والمجتمع والفكر) على أنَّه "وحدة (وصراع) أضداد"؛ وهذا الفهم هو النقيض لفهمٍ آخر، هو فهم التطوُّر على أنَّه "زيادة ونقصان"، و"تكرار"، وكأنَّ الأشياء لا تتغيَّر، إذا ما تغيَّرت، إلاَّ في "الدرجة"، فتزيد أو تنقص، متكرِّرةً في النوع والكيف.
التاريخ، إنْ أمعنا النظر فيه، مساراً وأحداثاً، إنَّما هو اجتماع "الحركة" و"التقدُّم"، فهو يسير دائماً إلى الأمام، أو في مسارٍ صاعد؛ وهذا السير (أو الحركة) تقدُّمي الطابع؛ لأنَّه سَيْرٌ يشبه الصعود في سُلَّم (يشبه "السلَّم الحلزوني أو اللولبي").
والتاريخ، في سيره وجريانه، يشبه، أيضاً، "نهر هيراقليطس"، فإنَّ أحداً لا يمكنه أن ينزل في مياه النهر نفسه مرَّتين.
و"حلزونية المسار (أو السير)" لا تنفي "الدائرية" فحسب، وإنَّما "الاستقامة"، فالقائلون بـ "النفي المُطْلَق والخالص" يفهمون كل جديد في التطوُّر التاريخي على أنَّه شيء، أو حال، لا أثر فيه أبداً للماضي، فـ "القديم" يُقْضى عليه قضاءً مبرماً، ليحل مكانه "الجديد" الذي لا يحتفظ أبداً بأيِّ شيء من "القديم المنفي"، ولو كان عنصراً ضرورياً أو مفيداً أو إيجابياً.
ومن هذا الاتِّجاه الفلسفي "العدمي" يتفرَّع، في عالم السياسة والثقافة، "اتِّجاه العدمية السياسية والثقافية"، الذي يريد أصحابه ابتناء كل جديد من هدم وتدمير تامين لكل قديم.
و"الحلزونية"، التي هي شكل التطوُّر على وجه العموم، إنْ أحسنَّا فهمها، أي إنْ فهمناها فهماً جدلياً، إنَّما هي التقويم للتناقض، أو التضاد، بين "الدائرية" و"الاستقامة"، فإنَّها تشبه "الدائرية" لكونها تتضمَّن "عودة (مختلفة، وعلى مستوى أعلى) إلى الماضي"، وتشبه "الاستقامة"؛ لكونها تتضمَّن معنى "الصعود"، أو معنى "السير إلى الأمام"، فالتاريخ، الذي سهمه هو نفسه سهم الزمن، لا يعود أبداً إلى الوراء، وإنْ كانت "الثلاثية الهيجلية" هي قانون حركته.
إنَّ "العودة الجدلية الهيجلية إلى الماضي" نراها في كثيرٍ من الأحداث والتطوُّرات والنظريات والنُّظم الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية..؛ ولكنَّنا نسيء فهمها إذا ما أسَأْنا فهم "النفي" نفسه.
"النفي (الذَّاتي)" هو جوهر التطوُّر (في الطبيعة والتاريخ والمجتمع والفكر). إنَّه اجتماع ووحدة "لحظتين" هما "لحظة النشوء" و"لحظة الزوال"، فإنَّكَ لا تستطيع أبداً أن تتحدَّث عن أي تغيير من غير أن تعنيَ أنَّ شيئاً ما قد "وُلِدَ من موت" آخر، فاللحظتان هما لحظة واحدة.
و"النفي"، حتى نُحْسِن فهمه، ولا نظلُّ أسرى فهم خاطئ له، لا يعني أبداً "الفناء التام"، أو القضاء على الشيء الذي نُفي "قضاءً مبرماً"، فإنَّ "النفي"، في معناه الحقيقي الجدلي الهيجلي، هو الفعل الذي بفضله "يُغْلَب (يُقْهَر، يُهْزَم)" القديم، أي الشيء الذي تعرَّض للنفي، و"يُحافَظ عليه (يُسْتَبْقى، يُحْتَفَظ به)" في الوقت نفسه.
وفي مثال بسيط، أقول إنَّني "أنفي" قطعة اللحم عندما آكُلُها؛ ولكن هل فَنِيَت قطعة اللحم إذ أكَلْتُها؟
لا شكَّ في أنَّها "نُفِيَت"، بمعنى ما؛ ولكن هذا "النفي" تضمَّن أيضاً معنى "الاستبقاء"، ففي عملية الهضم، أو عملية التمثيل الغذائي، يحتفظ جسمي بكل ما هو ضروري ومفيد من قطعة اللحم التي نُفِيَت.
وفي الطريقة نفسها، يمكننا، وينبغي لنا، فهم "نفي" نظرية ما، أو مدرسة فكرية ما، أو عقيدة ما.
وفي تاريخ العقائد، نرى أنَّ كل عقيدة جديدة لا تنفي "العقيدة القديمة" إلاَّ بهذا "المعنى المزدوج" لـ "النفي"، فـ "الجديدة" تلغي "القديمة"، وتحل مكانها؛ مُحْتَفِظَةً، في الوقت نفسه، بكل ما هو ضروري ومفيد وإيجابي وجدير بالبقاء من عناصر وجوانب وأفكار ومفاهيم "القديمة"، أي تلك العقيدة التي نُفِيَت. إنَّ "العقيدة الجديدة (النافية)" تمتص، وتتشرَّب، وتستوعب، عناصر من "العقيدة القديمة (المنفية)"، جاعلةً تلك العناصر جزءاً لا يتجزأ من بنيتها وتكوينها.
ربَّما سمعتم بما يسمى "حَجَر الفلاسفة".. ففي العصور الوسطى استبدَّت بتفكير "الكيميائيين" القدامى فكرة تحويل بعض المعادن الرخيصة، كالرصاص، إلى ذهب، فكانت "الأطروحة" من "الثلاثية الهيجلية" هي فكرة أو نظرية "تحويل العناصر".
ولقد بذل "الكيميائيون" القدامى جهوداً مضنية في سبيل تحويل الرصاص إلى ذهب؛ ولكنَّ كل جهودهم منيت بالفشل؛ ومع ذلك، لم يكن هذا الفشل خالصاً مطلقاً، فهم، وفي سياق محاولاتهم العبثية، توصَّلوا إلى أكتشاف كثير من الحقائق، وأنشأوا وطوَّروا كثيراً من الأدوات، فالمرء لا يمكنه أن يفشل في تحقيق أمر ما من غير أن يتوصَّل، في الوقت نفسه، إلى أشياء تجعل الفشل أُمَّ النجاح.
محاولاتهم، ومن حيث المبدأ، افتقرت إلى "الحكمة"، فهم لو نجحوا في تحويل الرصاص إلى ذهب لأنتفى الدَّافِع لديهم إلى ذلك؛ فإنَّ إنتاج مزيد من الذهب، من خلال تحويل الرصاص إلى ذهب، سيؤدِّي لا محالة إلى جَعْل الذهب معدناً رخيصاً!
ومع نشوء وتطوُّر الصناعة الرأسمالية، دُحِضَت (نُفِيَت) فكرة "تحويل المعادن"، وحلَّت مكانها فكرة مضادة هي "المعادن غير قابلة للتحويل". وهذه الفكرة المضادة الجديدة إنَّما تمثِّل "النقيض" من "الثلاثية الهيجلية".
وفي القرن العشرين، تطوَّر علم الفيزياء النووية، وأصبح ممكناً، بالتالي، تحويل عنصر إلى عنصر، كتحويل الرصاص إلى ذهب، فعاد العلماء إلى الأخذ بفكرة "تحويل العناصر"؛ ولكن شتَّان ما بين "الفكرة القديمة" و"الفكرة الجديدة"، فالعودة إلى الماضي، في هذا المثال، كانت مختلفة في كثير من الجوانب، وظهرت على مستوى أعلى.
إذا كان المرء ساذجاً في تفكيره، يرى أوجه التماثل أو التشابه القليلة بين شيئين من غير أن يرى في الوقت نفسه أوجه الاختلاف والتباين الكثيرة، فإنَّه سيفهم العودة إلى فكرة "تحويل العناصر" على أنَّها خير دليل على أنَّ "التاريخ يعيد ويكرِّر نفسه"!
إذا تجرَّأتُ وقُلْتُ الآن، في مستهل القرن الحادي والعشرين "أجل، إنَّ الأرض هي محور الكون"، فهل أكون بقولي هذا قد عُدتُّ إلى "الفكرة القديمة"، التي لا يعتقد بها عاقل اليوم؟
قديماً كانت "الأطروحة" هي "الأرض محور ومركز الكون، والشمس هي التي تدور حولها".
هذه الفكرة نُفِيَت، وحلَّت مكانها فكرة "الأرض ليست بمركز الكون".
واليوم، أستطيع أن أقول، استناداً إلى نظرية "الانفجار الكبير"، وإلى نظرية "النسبية العامة" لآينشتاين، إنَّ الأرض، وبمعنى ما، هي مركز الكون؛ ذلك لأنَّ كل نقطة في كوننا المتمدِّد، المتسارِع تمدُّداً، يمكن اتِّخاذها مركزاً للكون (الذي ليس له مركز).
إنَّ كل ما هو "حقيقي (واقعي)" يجب أن يتَّسِم بـ "العقلانية (والمنطقية)"، أي يجب أن يكون متوافِقاً مع "العقل"؛ ولكنَّ هذا "الحقيقي (الواقعي)" لا بدَّ له من أن يَفْقِد، في مجرى التطوُّر، "عقلانيته"، وأن يصبح شيئاً "غير عقلاني"، ينافي العقل والمنطق، فـ "الواقعي" يبدأ "عقلانياً"، وينتهي إلى "اللا عقلانية".
كل شيء موجود (الآن) إنَّما هو موجود بـ "قوَّة الضرورة"، فإنَّ أسباب وجوده، أو ظهوره إلى حيِّز الوجود، قد اجتمعت، فَوُجِد، أي أصبح وجوده أمراً حتمياً ضرورياً.
ولكن، وفي شكلٍ متساوٍ، كل ما هو موجود محكوم عليه بالهلاك والفناء والزوال، فهو بـ "قوَّة الضرورة" جاء، وبـ "قوَّة الضرورة" يذهب.
أمَّا الاستنتاج الذي يمكننا، وينبغي لنا، التوصُّل إليه من ذلك فهو أنَّ ما هو "ضروري" في زمان ما، وفي مكان ما، يصبح "غير ضروري" في زمان آخر، وفي مكان آخر.
إنَّ الشيء (كل شيء) وفي ما يشبه "اللعبة الذكية للطبيعة" لا يُنْفى (وكأنَّه لا يَقْبَل أنْ يُنْفى) إلاَّ على أيدي مَنْ في مقدوره أن يعيده إلى الحياة؛ ولكن على نحو مختلف، وفي مستوى أعلى من التطوُّر، فـ "حبَّة الشعير" تتحوَّل إلى "نبتة"، وإلى نبتة فحسب؛ لأنَّ هذه النبتة هي وحدها التي في مقدورها إعادتها إلى الوجود، فدائماً ثمَّة جديد "تحت الشمس"، و"في الشمس ذاتها"! جواد البشيتي