هل اخطأ حزب الله؟ وما قاله السيد نصرالله؟

أسئلة كثيرة تطرح هذه الأيام فيها سذاجة البسطاء، كما فيها لؤم الخبثاء، وفي كلا الحالين هدف واحد محاولة النيل من الحزب والمقاومة، ولا ندعي إننا نكتب في المحظورات دفاعا أو انتقادا في لحظة حرجة من تاريخ لبنان والمنطقة بقدر ما هي محاولة لتوجيه البوصلة لمن فقدها عفوا أو قصدا.
فهل أخطأ حزب الله في أسر الجنديين الإسرائيليين وقتل سبعة آخرين؟ وهل أخطأ بعدم إبلاغه الحكومة اللبنانية سلفا بالعملية وبالتالي لم يشركها في اتخاذ القرار وتداعياته وانفرد بقرار الحرب؟ أم أن الحزب قد أصاب كغيرها من المرات في تحديد المكان والزمان المناسبين لإنجاح هدفه؟ وهل تقصَّد عدم الإبلاغ بما يود القيام به لإدراكه المسبق بأن حكومة بلاده لا حول ولا قوة لها وهي بالتالي عاجزة عن تحمل المسؤولية وتداعيات العملية؟ أم أن الأمر معروف في مطلق الأحوال بالنسبة للجميع سيما وان الحزب قد أعلن مرارا عن عزمه اختطاف جنودا إسرائيليين بهدف المبادلة؟ولو سلمنا جدلا بصحة المعرفة المسبقة أم لا فهل كانت ستوافق على العملية؟.وفي نفس سياق الأسئلة الساذجة – الخبيثة هل قام حزب الله بهذه العملية النوعية كمغامرة غير محسوبة العواقب والنتائج، دون أن يكون مستعدا لمواجهة تداعياتها ونتائجها؟ وهل أتت العملية في سياق خلط الأوراق في المنطقة العربية لمصلحة إيران وسوريا ولحسابات إقليمية خاصة ألمحت قوى سياسية عربية رسمية أنها "خدمت أجندة الشيعة في المنطقة"؟.
في الواقع إن عجز الحكومات العربية إن لم نقل تقاعسها عن استرجاع حقوقها المسلوبة منذ زمن طويل كاسترجاع الأرض أو الأسرى، وقبولها بأن تكون دول تابعة لا فاعلة في محيطها الإقليمي والدولي، إضافة إلى أفول الحروب الكبيرة في زمن السيطرة الأمريكية وشيوع الحروب الصغيرة، كل ذلك أدى إلى أن تأخذ الحركات المقاومة مكان الحكومات كمثال لبنان وفلسطين. وفي العودة إلى تلك الأسئلة الساذجة – الخبيثة يمكن تسجيل العديد من الملاحظات أبرزها:
- كان حزب الله يدرك العواقب عندما أسر الجنديين في جنوب لبنان، والأهم أنه كان مستعدا لكل الاحتمالات التي قد تحدث مستفيدا من أنه حركة مقاومة وليس ملتزما بأية مواثيق دولية تلتزم بها الحكومة اللبنانية.
- قال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله قبل اندلاع المعارك بشكل واضح وصريح "إن المقاومة لا تريد التصعيد، لکنها مستعدة للمواجهة إذا قررت إسرائيل تصعيد وتأزيم الأوضاع.. لا نريد التصعيد في الجنوب ولا نريد أخذ لبنان إلى حرب، ولکن إذا أراد العدو التصعيد فنحن جاهزون للمواجهة إلى أبعد ما يمكن". وأضاف: "إن قرار عملية الأسر لم يكن مفاجئا؛ بل هو قرار متخذ سابقا، ويأتي ضمن عملية الدعم للشعب الفلسطيني الذي يُقتل على مرأى ومسمع العالم".
- لم يقم حزب الله بما قام به كمغامرة غير محسوبة كما يحلو للبعض قوله، فهو أقوى اليوم بعشرات المرات عما كان عليه قبل عشر سنوات أو عشرين سنة، كما أعلن السيد حسن نصر الله قبل ستة أشهر أنه يملك في جعبته آلاف الصواريخ قادرة على زلزلة الكيان الصهيوني، كما أعلن عقب أسر الجنديين أن في جعبة الحزب العديد من "المفاجآت" للإسرائيليين لو اختاروا الحرب، ظهر منها قصف البارجة وإنزال الطائرة والبقية تأتي بقصف مدن إسرائيلية تباعا في العمق الإسرائيلي.
- وعندما صعّد الإسرائيليون المعركة بحرب شاملة ضد لبنان، رد السيد نصر الله قائلا للإسرائيليين: "أردتموها حربا مفتوحة ونحن ذاهبون إلى الحرب المفتوحة ومستعدون لها (...) إلى حيفا وإلى ما بعد بعد حيفا". وتأتي هذه التصريحات موازية لتقارير هامة لمراكز الأبحاث العسكرية وتقرير جينز العسكري التي تؤكد أن حزب الله يمتلك آلاف صواريخ الكاتيوشا المتطورة التي تصل لعمق 70 كم، فضلا عن صواريخ زلزال-1 التي يبلغ مداها 150 كلم ويمكنها الوصول إلى تل أبيب.
- ولهذا أيضا قال السيد نصر الله: إن العصر الذي كانت إسرائيل تجول فيه وتصول وتقتل اللبنانيين دون مقابل انتهى، وإن أطفالهم وأسرهم ستعاني مثلما يعاني أطفال لبنان. وبالتالي فقد رأى بعض المحللين أن "المغامرة" التي قام بها حزب الله محسوبة ، وأن نتائجها في نهاية الأمر ستكون إهانة للجيش الإسرائيلي وكسر هيبته، في حين أن الاعتداءات الإسرائيلية أمر اعتاد عليه اللبنانيون بعكس هروب أكثر من مليوني إسرائيلي من الشمال أو نزولهم للملاجئ.
- لقد طورت المقاومة وسائلها وسلاحها واستفادت من تجارب كثيرة سابقة مع إسرائيل، كما أنها تحركت ضمن تصور إستراتيجي هادئ بدون انفعال؛ بحيث تقوم خططها على إطلاق دفعات أقل من الصواريخ تليها دفعات أكبر، وتبدأ من أقرب المدن حتى أبعد المدن الإسرائيلية ، كما أن هجماتها دقيقة وترد على أهداف مختارة مثل مراكز القيادة الإسرائيلية والمطارات في المستوطنات ومرابض المدفعية والوقود وصولا إلى حيفا وعكا.
- لقد أدت عمليات أسر الجنود الصهاينة وما تلاها من مجازر إسرائيلية في المدن اللبنانية لتوحيد الجبهة الداخلية المتشرذمة، ورغم التنصل الحكومة اللبنانية من عملية حزب الله، وهجوم قوى محلية على العملية باعتبارها أجندات لأطراف أخرى على حساب لبنان، فقد توحَّدت الجبهة الداخلية وأصبح الجميع يدرك أن حزب الله هو الجيش الحقيقي الذي يحمي لبنان، ويحمل درعا للردع أو توازن الرعب مع العدو الإسرائيلي.
- قد يكون حزب الله مخطئا لو كان قد خطط لعملية إشعال المنطقة دون أن تكون لديه الأوراق اللازمة للمنازلة مع الجيش الإسرائيلي، وقد يكون مخطئا لو كان قد تحرك دون هدف ووعي بما يقوم به، ولكن تطور المعارك يظهر بوضوح أن حزب الله يدرك عواقب عمليته ومستعد لها.
- لم يقل الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله شيئا حماسيا أو تهديدات جوفاء، ولكنه تحدث عن أمور وقعت بالفعل؛ فقد ألمح أكثر من مرة لخطف جنود إسرائيليين أحياء ونفذ، وحذر من مفاجآت لحزب الله في الحرب وحدثت في ضرب البارجة وإنزال الطائرة وضرب مدن إسرائيلية لأول مرة مثل طبريا وحيفا وغيرها، وحتى الصواريخ التي اعترفت إسرائيل بأنه يمتلكها وقادر على ضرب تل أبيب نفسها لم يستخدمها بعشوائية، ولكن وفق مخطط مدروس بتوسيع قصف المدن الإسرائيلية تدريجيا في العمق، وربما يدَّخر أكثر هذه الأسلحة قوة لمرحلة لاحقة، خصوصا أن المعارك مرشحة لمرحلة طويلة قد تستمر لشهور وليس فقط أسابيع.
هل هي أسئلة ساذجة أم خبيثة؟ يبدو أنها خبيثة للعضم، في السياسة ليس هناك مكان لبراءة الطفولة في أعين المحنكين إن لم نقل المقطَّعين الموصَّلين! متى ستصمت أشباه الرجال وتخلي لرجال عرفوا كيف يملأون فراغ حكامهم وحكوماتهم. فعلا قال ونفَّذ، وَعَدَ وصَدَقَ، وانتظروا إن الباقي أعظم.

د. خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني