هل أصبح العنف والدم علمي المنطقة العربية؟

بقلم: أحلام أكرم

في 28\7\2005 كتب الكاتب المصري إبراهيم نافع مقالة في جريدة الأهرام مفادها أن إحدى القنوات الفضائية طرحت سؤالا على المشاهدين: إذا رأيت شخصا في طريقه للقيام بعمل إرهابي فهل ستبلغ السلطات. النتيجة كانت بأن 46% من الذين وجه اليهم السؤال لن يبلغوا إذا كان قاصدا القيام بعمليته تلك في دولة أجنبية غير مسلمة ولكنهم سيقومون بالتبليغ إذا كان في طريقه للقيام بعمليته داخل دولة عربية.

الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق مسيحيي مصر ليلة رأس السنة والجريمة المماثلة ضد مسيحيي العراق في كنيسة سيدة النجاة ببغداد ليلة عيد القديسين في 31 أكتوبر 2010 تؤكدان نجاح فقهاء العنصرية والغلو والتطرف الإسلامي في الوصول إلى تغيير عميق في تلك الإحصائية، بحيث وصلت إلى شريحة كبيرة وأعمتها عن التبليغ عن مرتكبي هذه الجرائم ومن يقف خلفهم في المنطقة العربية بحيث أصبح غير المسلمين مستهدفين حتى في أوطانهم العربية.

لم يعد من المجدي إصرار بعض الكتاب والمثقفين بأنها مؤامرة لإستهداف المنطقة العربية من أجل التمهيد لشرق أوسط جديد. ولا محاولة إلصاق مثل هذه الجرائم البشعة بأي جهات أجنبية أخرى.

إن سرطان الغلو والتطرف الذي تمثّل في خطب الجمعة التي تتنافس فيها حناجر وميكروفونات فقهاء الدين دعاة الكراهية والعنصرية وفي مظاهر التدين المغالى بها في المجتمع العربي بأكمله هما ما جعل للقاعدة وجود فعلي في معظم الدول العربية. قد يكون هذا الوجود غير منظم وقد يقتصر على مجموعة صغيرة من الشبان. ولكن جرائمهم تحصد أرواح الكثيرين وتلطخ المجتمعات والإنسان العربي.

إن إجابة إنسانة عزيزة جدا على قلبي، متعلمة وخريجة إحدى الجامعات المعترف بها دوليا، قبل سنة حين تكلمت عن حقوق المواطنة والمساواة لجميع من يقيم في المنطقة العربية حين قالت أليست الديمقراطية حق الأغلبية، وبما أننا نحن المسلمين الأغلبية فإن عليهم إما أن يرضوا بأحكام قوانينا وإما الرحيل.

صعقت كيف نجح التطرف في لوي حقائق عن الديمقراطية بحيث تجيبني هذه المثقفة بمثل هذه الإجابة! ولم تفطن إلى أنها محرومة من معظم حقوقها في هذه المجتمعات التي ترتكز في دساتيرها إلى القوانين الدينية.

نعم إن جريمتي سيدة النجاة ببغداد وكنيسة القديسين في الإسكندرية تعطي الحق للمجتمع الدولي بأجمعه في التدخل قولا لحث الدولة على حماية أقليات العالم العربي من التطرف والتهور اللذين نجح فقهاء الدين في بثهما في عقول وقلوب من أعموهم عن أي روابط إنسانية مع هؤلاء المواطنين الأخوة. هذه الجرائم تعطي الذريعة الكبرى لإسرائيل لمحاولة التخلص من كل المسلمين من مواطنيها. وتعطي اليمين المتشدد في الغرب الذريعة لحث حكوماته على الحد من هجرتهم طلبا للرزق. وتعطي الحكومات الغربية كامل الحق في تقصي كل المتطرفين الإسلاميين والخوف منهم ومن مواطنتهم خاصة بعد أن فهموا معنى فقه الولاء والبراء.. وإن لم يفهموا بعد المعنى الحقيقي لفقه التقية !

إن العنف الذي أصّل له فقهاء الدين ما يقارب السبعين عاما والذي ابتدأ بحسن البنا وأبي الأعلى المودودي وسيد قطب قد أعطى ثماره الآن. وهي ثمار مسمومة ستقتل كل إنسان عربي. ولن تقف جذور هذا العنف عند حدود مصر بل ستتعداها إلى بقية أقطار المنطقة العربية في حال لم يتم التصدي لها ووأدها بأسرع ما يمكن من خلال قيام الدولة بحماية هذه الأقليات ومعاقبة المجرمين بأقسى العقوبات.. وتغيير المناهج التعليمية فورا.

إن غياب الديمقراطية الحقيقية تحت بند التعلل بالخصوصية الثقافية لم يعد يجدي. إن إنعدام العدل والمساواة وتصاعد وتيرة التطرف الديني التي تحاول الإقتداء بالسلف من خلال تطبيق بنود الشريعة في كل أرجاء المنطقة العربية هي أساس هذه الإحتقانات وهي الأساس الذي يستند إليه جنوب السودان للإنفصال عن شماله. ومن يدري من ستكون الدولة العربية القادمة لمثل هذا الإنفصال؟

بدون أن نقف جميعا، ومن كل المذاهب والأديان في وجه العنف وضد التطرف والأصولية، وبدون المطالبة العلنية والصريحة بدستور يستند إلى الحقوق العالمية للمواطن والمواطنة ولا يستمد قوته وضعفه من أي تشريع ديني، لا يمكن للمنطقة العربية الخروج من ظلمات العصور الوسطى. وسيبقى العنف والدم هما العلم المرفرف على إنعزال وعزل المنطقة والمخيف في هذا العالم.

أحلام أكرم