هل أساءت الدراما الشامية لدمشق؟

مسلسلات شامية لا تنتمي للبيئة الشامية..

دمشق - ارتبطت أعمال البيئة الشامية في الدراما السورية ارتباطاً وثيقاً بذاكرة الجمهور بدءاً من أعمال قديمة كان لها الأسبقية في تناول هذه البيئة في التاريخ بقصصها ورواياتها وعاداتها مثل مسلسل "أيام شامية" الذي يعود إلى حوالي عشرين عاماً وبعده أصبحت هذه الأعمال من أكثر المسلسلات التي تحقق جذباً وجماهيرية في الدراما السورية عامة.

وتعتمد بعض الأعمال الشامية في شهرتها ومتابعة الجمهور لها على تكريس شخصيات معينة في أعمال البيئة الشامية مثل الزعيم والعقيد والزكرت والحلاق والحكواتي والداية وسواهم بحيث تبدو هذه الشخصيات الثابتة محركاً للحدث الذي هو غالباً حكاية ترتبط بقيم الشرف والشجاعة والوطنية.

وانطلقت شهرة هذه الأعمال عربياً بصورة واضحة بعد مسلسل "باب الحارة" بأجزائه الستة التي حققت مستوى متابعة مرتفعا جدا وخاصة في الجزء الثاني الذي تابعه الملايين من المشاهدين العرب على مختلف الشاشات العربية، وقد أثبت هذا العمل ببساطته قدرة الأعمال الشامية التي تعتمد أسلوب دمج الحكاية بالتراث على تسويق الدراما السورية والإسهام في دعم هذا البناء الفني المحلي الذي تجاوز خارطة الوطن.

وفي هذا العام ينخفض عدد أعمال البيئة الشامية مقارنة بأعمال سابقة وتغيب أجزاء جديدة من مسلسلات مؤثرة مثل "باب الحارة" و"أهل الراية" و"بيت جدي" بينما يحضر الجزء الثاني لـ"الدبور" إضافة إلى أعمال جديدة مثل "الزعيم" و"أهل العز" و"طالع الفضة" الذي يقترب من صيغة العمل التاريخي التوثيقي أكثر من كونه دراما بيئة شامية.

ويقول فنان الشعب رفيق سبيعي الذي شارك في العديد من الأعمال الشامية قديمها وجديدها إن نجاح الأعمال الأولى في مجال البيئة الشامية مثل "أيام شامية" و"ليالي الصالحية" و"باب الحارة" و"أهل الراية" وغيرها يعود إلى سبب طرحها مثلاً عليا "حيث قدمنا هذه الأعمال من اجل ان نطرح صورة الإنسان الشعبي والبيئة على طبيعتها لكن للأسف الشديد بعد ان نجحت هذه الأعمال دخلت التجارة إلى الموضوع فأفسدته لأن هدفها هو الربح واستغلال النجاح الذي يحصل فتصبح الأعمال المنتجة مسايرة للجهة الممولة".

وأشار سبيعي إلى أن ما نشاهده الآن هو نوع بعيد عن الهدف الأصلي للدراما الشعبية التي هدفها إظهار البيئة على حقيقتها وما نراه هو تصرفات تظهر على الشاشة وهي ليست من أخلاقيات البيئة الدمشقية التي شاهدناها في مسلسل "أيام شامية" و"ليالي الصالحية" وغيرها.

ولفت سبيعي إلى أن أعمال هذا الموسم لم تظهر بشكل واضح بعد حيث لم تتم متابعتها كلها لكنه يرى في مسلسل "طالع الفضة" عملا رزيناً ومحترماً ويؤرخ لمدينة دمشق بطريقة توثيقية خلال الحرب العالمية الأولى و"هذا مشرف ومختلف عن الأعمال التي تعتمد على الخلافات الأسرية والأصوات المرتفعة التي تعطي صورة سيئة عن دمشق".

والمطلوب من الكتاب برأي الفنان سبيعي هو البحث والتقصي في هذه البيئة قبل تناولها وتبني القيم النبيلة فيها فالأعمال الأولى التي قدمت سابقا مثل "أيام شامية" قام كاتبها بالبحث والتقصي وقراءة الكتب ليقدم صورة مشرفة عن الشام ولم يعتمد على الخيال في نسج ما يشاء في هذه البيئة.

ورأى الفنان وفيق الزعيم الذي حقق تواجداً مميزاً في عدد من أعمال البيئة الشامية وعمل على تأريخ هذه الحالة وتوثيق مصطلحات اللهجة الشامية أن هذه المسلسلات استطاعت ترسيخ وجودها على خريطة الدراما السورية في كل موسم وهذا يعود لكونها تضم طيفاً واسعاً من الخيارات الدرامية وتتوجه لطيف أكبر من الجمهور المحلي والعربي.

وتحدث الزعيم عن اللعبة الإنتاجية التي تسهم في طغيان نموذج درامي على آخر حيث رأى أن الإنتاج غير مدروس وهو الذي يفقد الحالة الدرامية ميزة التوازن والتنوع بسبب سعيه نحو الربح المادي فحسب موضحاً أن التوازن كان واضحاً في العام.

ورفض الزعيم المتاجرة بشكل العمل الدرامي الشامي من بعض شركات الإنتاج نتيجة إقبال الجمهور العربي على هذا النوع من الأعمال مؤكدا أن البيئة الشامية الحقيقية تحمل الكثير من العمق التاريخي والروحي والثقافي والحضاري للمنطقة العربية ككل وهي اختصار لبلاد الشام بتاريخها وعراقتها.

وعن مسلسله الزعيم قال إن "أهم مقولة أحببت أن أقدمها في هذا المسلسل هو التذكير بأهمية الرجوع إلى احترام العادات والتقاليد والمقدسات والمرجعيات وكل ما له قيمة في وجداننا في زمن صار فيه التعدي على هذه القيم والأعراف الأصيلة موضة وتقليداً أعمى".

ورأى المخرج سيف الدين سبيعي الذي قدم العديد من أعمال البيئة الشامية وتميزت أعماله بالاتجاه نحو التوثيق وسرد القصص الحقيقية أن ما تم تقديمه من أعمال على أنها بيئة شامية في الحقيقة هي لا تنتمي لهذه البيئة من قريب ولا من بعيد فلا الحارات الدمشقية كانت على هذه الشاكلة ولا العلاقات الاجتماعية كانت لها هذه الطبيعة وهذا يعود إلى افتقار الحالة التوثيقية في المسلسلات التي تسمى بيئة شامية.

ولفت سبيعي إلى أن اغلب القصص التي يتم سردها في الاعمال الشامية هي قصص تخيلية يمكن أن تحكى للأطفال وهي ليست بيئة شامية وإنما أجبر المشاهد على تصديقها.

وتحدث سبيعي عن الأعمال التي نحت باتجاه التوثيق والتأريخ مثل الحصرم الشامي الذي أخرجه سبيعي إلا أن نصيبه من العرض الجماهيري كان قليلاً بحكم عرضه حصرياً على شبكة أوربيت وبالتالي لم تتح كثيراً متابعته.

وعن مسلسله طالع الفضة أشار سبيعي إلى أن العمل يؤرخ مرحلة هامة مرت بها دمشق معتمداً على الوثيقة التاريخية الحقيقية وتقديم صورة ذات مصداقية للمدينة بعيداً عن تخيل القصص الشعبية والحدوتة.(سانا)