هل أئمة أهل البيت للشيعة وحدهم؟

بقلم: رائد قاسم

منذ أول مشهد عاينته في مسلسل "أبناء الرشيد" الذي عرض شخصية الإمام الثامن للشيعة الاثنا عشرية، قلت في نفسي سيحتج علماء الشيعة وزعمائهم الروحيون والدينيون كعادتهم! ذلك أن الشيعة جبلوا على ما يبدوا على الاحتجاج والاعتراض على كل شي. هل هي فوبيا دينية واجتماعية؟ أم انه تابو مرضي يجعل الدينيين يخشون من كل جديد وغير تقليدي؟ أنهم يعترضون على طرح الثوابت على طاولة البحث والتجريح والتجديد والنقد، أنهم يخافون من كل طرح في أي قالب كان، ولعل مسلسل "أبناء الرشيد" مجرد نموذج يشير إلى كون الخمود والخمول والفوبيا والتابو بمثابة قيم حاكمة لا شعوريا في الذات الإسلامية بشكل عام.
أن أئمة أهل البيت ليسوا من حق الشيعة دون غيرهم من المسلمين بحيث يحصرون أنفسهم في الانتماء إليهم والأخذ بآرائهم الفقهية والعقائدية وعرض تاريخهم بملابساته السياسية والدينية التي اعترضت مسيرة حياتهم، أنهم بالنسبة للشيعة أئمة معصومون، خلفاء النبي الكريم (ص)، يحملون راية الإمامة الكبرى التي هي أصل من أصول الدين عندهم، وممارسة السلطة والسياسة والحكم جزء من وظائف الإمامة الكبرى. أنها في نهاية الأمر مجرد نظرية يؤمن بها الشيعة وحدهم وقد خرجت منهم فرق تغالي في ذوات الأئمة إلى درجة الطهر الجسماني المطلق وإحراز الكرامات التي تضاهي معجزات الأنبياء. أن أئمة أهل البيت بصفتهم الاعتبارية الأولى فقهاء مدرسة فقهية من ضمن عشرات بل مئات المدارس على امتداد التاريخ الإسلامي الفقهي والعقائدي وتقف إلى جانب مدرسة فقهاء أهل السنة المشهورين، لم يتح لمدرستهم أن تكون لها الريادة والغلبة أو أن تقف إلى جانب مدرسة فقهاء أهل السنة المعروفين في العصور المتأخرة، إذ أن الحجب والاضطهاد هو ديدن السلطات المستبدة في تلك العصور إلى عصرنا الراهن، وتقف في عصرنا الراهن مدارس فقهية وعقائدية بوجه الاعتراف بالشيعة كممثلين لمدرسة أهل البيت واعتبارها مدرسة إسلامية كبقية المدارس في سائر أنحاء العالم الإسلامي.
أن أئمة أهل البيت (ع) شخصيات تاريخية لها مكانتها في التاريخ الإسلامي وكان لها ادوار متعددة تبعا لملابسات وظروف كل إمام، إلا إنهم في نظر أغلبية المسلمين الذين يشكلون من الطائفة السنية ليسوا سوى أئمة فقه وعلم وتصوف وحكمة، فهل من حق الشيعة أن يفرضوا وجهة نظرهم على الآخرين ويعترضون على تناول شخصيات الأئمة ومكانتهم وأدوارهم التاريخية وفقا لمنظارهم التاريخي والعقائدي؟
لم يقدم الإمام الرضا في مسلسل أبناء الرشيد في صور مشينة، إنما قدم على كونه شخصية متألقة عرفانيا وروحانيا وعلميا، إلا أن ذلك لم يرق للدينيين التقليدين فبعثوا كعادتهم برسائل التنديد والشجب والمطالبة بوقف عرض المشاهد التي تجسد شخصية الإمام الرضا وابنه الإمام الجواد؟ لماذا هذا التزمت؟ ومن قال بان أئمة أهل البيت ملكا لكم حتى تطالبوا بعدم تجسيد شخصياتهم فنيا أو الكتابة عنهم تاريخا وتحليلا ونقدا أو الأخذ بآرائهم فقها؟
أن أئمة أهل البيت شخصيات اعتبارية تاريخية من حق كافة المسلمين الكتابة عنها والاستفادة منها والنظر إليها وفقا للقناعات والانتماءات المذهبية والعقائدية.
أن تقديس أئمة أهل البيت لهذا الدرجة الهستيرية جعلهم غامضين بالنسبة لأغلبية المسلمين، وأغلق باب التحري والقراءة الواعية الموضوعية لسيرتهم ودورهم في محيطهم الاجتماعية والسياسي، رغم أن فرق الإسماعيلية والزيدية ظهرت في زمان عصر الأئمة وكثير من التراث التي قام بها أنصار أهل البيت كانت في زمن الأئمة، مما يحتم القول بان ذلك التقديس ألهولي لشخصيات الأئمة لم تكن بمثل هذه الصورة الناجزة سوى في العصور المتأخرة. أن الشيعة يقولون عنهم بأنهم معصومون عصمة مطلقة، بينما ثمة روايات في مصادر الشيعة ترفض هذه النظرة، لم يتم مناقشتها أو البث في أمرها، منها قول الامام علي "وان من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم إني أحب الإطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء. وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء، لإخراجي نفسي إلى الله واليكم من البقية في حقوق لم افرغ من أدائها وفرائض لا بد من إمضائها. فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس اعظام لنفسي لما لا يصلح لي، فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه.. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل،فاني لست في نفسي بفوق أن اخطيء ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ماهو املك به مني. فانما انا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من انفسنا، واخرجنا مما كنا فيه الى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى واعطانا البصيرة بعد العمى". وجاء في خصائص الأئمة "أن الإمام الحسن استعار قطيفة من بيت المال فغضب عليه الإمام اميرالمؤمنين وقال له: يا ابا محمد النار.. يا ابامحمد النار.حتى خرج بها". وورد في السير أن عليا انفق أموال بستان حتى لم يبقى له معه شي، فغضبت فاطمة وتعلقت بثوبه فنزل جبرائيل واخبر النبي فذهب إليها وقال: ليس لك أن تمسكي بثيابه ولا تضربي على يديه فقالت: إني استغفر الله ولا أعود أبدا". وعن الصادق جعفر قال "والله ما نحن إلا عبيد... ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وان عذبنا فبذنوبنا، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وأنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون ومسئولون.. اشهدكم اني امرء ولدني رسول الله وما معي براءة من الله، ان اطعت رحمني وان عصيته عذبني عذابا شديدا".
لا شك في أن نظرية العصمة عميقة الجذور في المذهب الشيعي الاثنا عشري، وللشيعة استدلالاتهم الواسعة نقلا وعقلا في هذا المضمار، إلا انه العصمة والإمامة تبقى نظريات عقائدية مجردة من امتداداتها الواقعة العملية، ولا يجب أن يكون لها الصفة المتحركة في حياتنا المعاصرة، حتى لا تكون نظرتنا للآخر المخالف مبنية على أسسها الجامدة، فشخصيات العصمة ليست بيننا على كل حال، وما نعتقده بغيبة آخرها ليس من المنطقي أن يكون حجر عثرة في سبيل حياة جديدة لامتنا مبنية على المعاصرة والتفاعل والتناغم والتقدم الحضاري الشامل والواسع، قد مات أبي بكر وعمر (رضي)، وقبرهما في المدينة المنورة إلى جوار النبي (ص) وقبر علي (ع) في النجف، وقبور أئمة أهل البيت (ع) والصحابة (رضي) والتابعين في كل بقعة من بقاعنا الإسلامية، لم يعد الصراع حول الإمامة والعصمة والخلافة مجديا في عصرنا الراهن وليس له أهمية سوى في أذهان المتدينين السلفيين من الشيعة والسنة على حد سواء، لم يعد مجديا الحوار الجدلي حول أحقية الخلافة بين أبي بكر وعلي، فالحاكم اليوم موظف مدني يؤدي وظيفة إدارية، والسلطة من الشعب واليه، والحكومة منتخبة من جموعه سنة وشيعة، فأي معنى للصراع والجدل حول الإمامة والخلافة والعصمة؟ أن المجتمعات المتخلفة، هي فقط من تدور في حلقات الماضي السحيق، ولا يمكنها استشراف المستقبل، والإعداد له، إننا مجتمعات سلفية يحكمها سلفها من قبورهم، تعيش بهم بعقلها ووجدانها، تحيا بثقافتها وروحها في مجاهيل الماضي الذي ولى بكل معطياته. أن مجتمعاتنا سواء كانت شيعة أو سنية تخضع الحاضر لتلك اللحظة الزمنية الماضية، أنها تنظر دائما إليه باعتباره الحاكم والمقرر لحاضرها ومستقبلها، أن الأنظمة الاستبدادية هي فقط التي تسعى لجعل شعوبها تعيش الماضي وتحويل التباينات المذهبية والعقائدية والفقهية إلى قيم متحركة صلبة في حياة الشعب، ليبقى في فرقة وشتات وصراع ليس له نهاية لأنه يدور في حلقة مفرغة مبنية على الماضي الذي انقضى ولا يربطه بالحاضر بأي صلة سوى في كونه تاريخ قد ولى.
هذه دعوة لبناء حاضر واعد ومستقبل مزدهر نمسك فيه من الماضي بما يلاءم الحاضر ونحمل فيه من الحاضر ما يوافق المستقبل، لنغدو شعوبا حرة متقدمة على طريق التوحيد العظيم. رائد قاسم