هكذا ضيّع شعب فلسطين وضاعت قضيته

بقلم: ماجد كيالي

كأنّ المأساة الفلسطينية تكرّر نفسها مقتحمة البيوت والأفئدة، بفعل الثورة الإعلامية التي تتجاوز الحدود، فتصبح ملء العين والسمع لتعيد سرد وقائع النكبة، وكأننا في العام 1948، فما أشبه اليوم بالبارحة!
الفارق، بين العامين 1948 و2002، بسيط ولكن جوهري، فثمة شعب، الآن، يرفض أن يغادر، كي يعيش طريدا أو شريدا، في "كرم الضيافة" العربية مفضلا البقاء في أرضه أو الاستشهاد فيها، بعد أن خبر تجربة اللجوء المريرة، وثمة قيادة فلسطينية محاصرة تحت النيران مع شعبها، تصارع من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي الأمس كان النظام العربي خارجا للتو من دائرة الانتداب(الاستعمار) البريطاني أو الفرنسي، ولكنه الآن خاضع، طوعا أو كرها، لدائرة النفوذ الأميركي!
ما عدا ذلك فالمشاهد تتكرر فالتنازع حول تمثيل الفلسطينيين بقي على حاله إن في تبّرم النظام العربي من الحاج أمين الحسيني (آنذاك) أو من الرئيس عرفات (حاليا)، كما بدا ذلك جليا في قمة بيروت؛ فضلا عن أن محاولة نزع الشرعية الدولية عن الحسيني تتجدد مع عرفات. أما مذابح رام الله ونابلس وطولكرم والمخيمات فتذكر بمذابح دير ياسين واللد والدوايمة. وفي حينه بدا وكأن النظام العربي أخذ على حين غرّة عندما شرعت العصابات الصهيونية بإقامة مؤسساتها وجيشها ثم دولتها فوجئ النظام العربي، الراهن، بعد أن استمرأ الاسترخاء لوهم سلام مزعوم، بشنّ إسرائيل حرب "استقلالها" الثانية! وفيما برّرت الهولوكست ضد اليهود نكبة شعب فلسطين تبرّرها الآن الهجمات المدمرة على مبنيي التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون في واشنطن؛ وهكذا.
ولا بأس بقليل من التفاصيل في هذا السياق، فممانعة إقامة كيان فلسطيني لم تقتصر على الحركة الصهيونية وكيانها إسرائيل(فيما بعد)، لهدف تغييب الشعب الفلسطيني وشطب قضيته وتبرير المشروع الصهيوني، إذ وجدت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها في صراع مع العديد من الحكومات العربية، قبيل النكبة، حتى أن جامعة الدول العربية الناشئة، آنذاك، اعتبرت نفسها الوصي الذي يختار الممثل الفلسطيني في الجامعة. وقد حدثت اكثر من أزمة حول تمثيل الفلسطينيين، بسبب الخلاف بين بعض الحكام العرب والحاج أمين الحسيني، الذي كان يقود الحركة الوطنية الفلسطينية، حينها، ويمنحها بعدا استقلاليا.
أما بالنسبة لمساعدة شعب فلسطين لتمكينه من الدفاع عن نفسه وعن أرضه فقد كانت هزيلة بكل المقاييس، برغم كل الشعارات الرنانة، ويذكر هيثم كيلاني في بحثه حول: "حروب فلسطين العربية الإسرائيلية" (الموسوعة الفلسطينية ج5 ص ـ485) أن مجموع ما قدمته اللجنة العسكرية المنبثقة عن الجامعة العربية(مقرها دمشق) للمقاومين الفلسطينيين بلغ 1600 بندقية فقط ويضيف:"يبدو أن الخلاف بين الهيئة العربية وبعض الحكومات العربية أدى إلى تحويل الأسلحة والأموال التي كانت تبرعت بها بعض الشعوب والحكومات العربية إلى اللجنة العسكرية حيث كانت تكدس، في حين كان عرب فلسطين في أمس الحاجة إليها". ويذكر هنا أن القائد عبد القادر الحسيني جاء إلى دمشق لمناشدة المسؤولين في اللجنة العسكرية منحه السلاح من أجل استعادة القسطل من دون جدوى إلى حد أن الموقف تأزم مساء 6 نيسان/ أبريل (1948) حيث صاح عبد القادر في وجه أعضاء اللجنة:"أنتم خونة أنتم مجرمون سيسجل التاريخ أنكم أضعتم فلسطين؛ وعاد غاضبا إلى القدس ليستعيد القسطل ويستشهد فيها يوم 8/4/1948.
وهكذا فإنه وخلال الفترة من صدور قرار التقسيم في 29/11/1947 إلى 15/5/1948، موعد انتهاء الانتداب البريطاني، لم تكن الاستعدادات العربية مناسبة لدعم شعب فلسطين من النواحي السياسية والمادية لمواجهة ما سيحل به، خصوصا إذا علمنا أن ثورة 1936 ـ 1939 استنزفت معظم قدرات الشعب الفلسطيني الاقتصادية والمادية، إذ اغتالت القوات البريطانية بعض قياداته وشردت بعضها الآخر أو نفته، وبلغت خسائر الفلسطينيين، بحسب مذكرات محمد عزة دروزة، خمسين ألف معتقل وسبعة آلاف شهيد وعشرين ألف جريح وعدد البيوت المنسوفة ألفين"، هذا غير الخسائر الاقتصادية، أي أن 77 ألفا من أصل 800 ألف (عدد الفلسطينيين) تأثروا مباشرة من الثورة، بمعدل 1/10 تقريبا. وقد بلغ عدد الأسلحة المصادرة من الفلسطينيين خلال الفترة1936-1940، بحسب المصادر البريطانية:6371 بندقية و3220 مسدسا و 1812 قنبلة و 425 ببندقية صيد".
أما قصة الجيوش العربية فهي باتت بمثابة أسطورة تتغذى عليها كل من الرواية الرسمية العربية، لتبرئة ذاتها، كما الرواية الرسمية الصهيونية للتنصل من مسؤولية الحرب والنكبة وتحميلها للعرب ولإظهار الجريمة الصهيونية باعتبارها فعلا تحرريا وبطوليا، إذ صمد قلة قليلة من الصهاينة "الطلائعيين" في مواجهة الجيوش العربية! ولكن إذا تفحصنا الوضع يتبيّن لنا بأن عدد قوات جيش الإنقاذ (قبيل النكبة) لم يكن يتجاوز خمسة آلاف جندي في مقابل 16 ألف جندي صهيوني، أما أثناء الحرب فبلغ عدد "الجيوش" العربية: لبنان:700، سوريا2000، العراق 2500، الأردن 4500، مصر:2800 ثم 9292 ثم 28500 في المرحلة الأخيرة،و1100 سعودي و1675 سوداني، مقابل 74450 جندي إسرائيلي في آب/ أغسطس، ثم 99122 في تشرين الأول/أكتوبر 1948، ثم 121000 في أوائل 1949(من أصل 650 ألف يهودي في فلسطين آنذاك). وبالطبع فقد كان ثمة فارق كبير، أيضا، بين الطرفين في السلاح، من حيث الكم والنوع وفي شكل الإدارة، ولكن الفارق الأساس كان في القيادة إذ كانت الجيوش العربية تفتقد للقيادة السياسية الموحدة كما لاستراتيجية عسكرية مشتركة، والأنكى من ذلك أنه كان ثمة اختلاف في الاستراتيجية تبعا لخلاف المقاصد السياسية، ومن ناحية ثانية فإن التنسيق بين القوات العربية والقوات الشعبية الفلسطينية لم يكن بأفضل أحواله، بسبب أداء بعض هذه الجيوش والخلافات السياسية بين قادتها، في حين أن تعبئة قوى المجتمع اليهودي كانت في أقصاها.
وبنتيجة هذه الأوضاع فقد تمكنت القوات الصهيونية من اغتصاب 77 بالمئة من الأرض الفلسطينية، بوسائل القوة والإرهاب، وأثارت الرعب بين الفلسطينيين من خلال المجازر التي نفذتها. وبحسب المصادر الإسرائيلية فإن سكان 392 قرية فلسطينية أجبروا على الرحيل بسبب الهجوم العسكري المباشر عليهم، من أصل 531 قرية شرد سكانها، وبحسب الباحث سلمان أبو ستة فإن 52 بالمئة من الفلسطينيين طردوا تحت حماية القوات البريطانية المنتدبة و42 بالمئة خلال حرب 1948 مؤكدا أن عملية الطرد هي عملية عسكرية منظمة، وقد قامت إسرائيل، بعدها، بمحو معالم أكثر من 400 قرية فلسطينية.
بعد النكبة بدأ فصل جديد في المأساة الفلسطينية إذ عملت بعض الحكومات العربية على تغييب شعب فلسطين وطمس قضيته، من الناحية العملية، من خلال عدم تمكينه من التعبير سياسيا عن نفسه، في كيان مستقل، في الضفة والقطاع، حيث ضمت الضفة للأردن وخضع القطاع للإدارة المصرية (حتى احتلال 1967). ولم يكتف النظام العربي بذلك إذ عمل أيضا على ممانعة قيام أي تشكيل سياسي للفلسطينيين، وعمل على وأد التجربة الكيانية الأولى المتمثلة بحكومة عموم فلسطين(1/10/1948)، حيث أجبر الحاج أمين الحسيني بالقوة، من قبل السلطات الملكية المصرية، على الانتقال إلى القاهرة ثم أجبر أعضاء المجلس الوطني ورئيس وأعضاء الحكومة الفلسطينيين للحاق به، وحوصر مقر هذه الحكومة، ولم يتم تمكين الحاج أمين الحسيني من القيام بأي دور، وظل هذا الوضع قائما إلى حين انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في أواسط الستينيات. ولا شك أن الحؤول دون قيام تمثيل سياسي للفلسطينيين أضعف من قدراتهم، وشكل نجاحا للحركة الصهيونية.
ولكن القصة الأكثر إيلاما والتي أضرّت بالفلسطينيين، كثيرا، وافادت إسرائيل أكثر، هي قصة تهجير اليهود من البلدان العربية، فقد هاجر إلى فلسطين في ظل الانتداب البريطاني حوالي483 ألف يهودي بينهم 8 -10%، فقط، من يهود البلدان العربية، ولكن بعد قيام إسرائيل هاجر إليها في الأعوام الثلاث الأولى 687 ألف يهودي، ما أدى إلى مضاعفة عدد اليهود فيها، وللاسف فقد كان 50 بالمئة من مصادر هذه الهجرة من يهود البلدان العربية!
طبعا ثمة مسؤوليات كبيرة تقع على عاتق الفلسطينيين وقياداتهم ولكن لهذا حديث آخر. ماجد كيالي mkayali@scs-net.org