هكذا حكمت الماضوية والتسييس الإصلاح الإسلامي

في يومه الثاني

تواصلت مناقشات مؤتمر "في نقض أسس التطرف ومقولاته: مقاربات وتجارب" الذي نظمته مكتبة الإسكندرية ورابطة المحمدية للعلماء بالعاصمة المغربية الرباط، مؤكدة أن خطورة التطرف وما يتصل به من عنف وتشدد لا تكمن في تجلياته الظاهرية فحسب، بل في الأسس التي يقوم عليها والمسوغات الاستدلالية التي تجعل منها مداخل تبريرية في الوجود والانتشار.

تناول د. محمد كمال الدين إمام أستاذ القانون بجامعة الإسكندرية نقد الأسس النظرية للتطرف متخذا من مقولة الحاكمية مثالا، حيث قال إن الإسلام ابتلي في النصف الثاني من القرن العشرين باتجاهين كلاهما بعيد عن حقيقة الإسلام، اتجاه علماني يريد أن يقصيه حيث لا مكان له في الحياة والمجتمع، واتجاه يدعي احتكار الفهم للإسلام، فيقرأ كتابه بما ليس فيه، تحت مسمى الحاكمية لله، والتي أصبحت لدى تيارات التشدد والغلو من مصطلح له مفاهيمه ومرجعيته إلى "شرك" غايته السلطان ومنهجيته النظر المنفلت عن حقائق القرآن وموقفه من الألوهية والكون والإنسانية. وتراجعت أسس العدل والوسطية وتكريم بني آدم، إلى قراءات لحمتها القتال المستمر والعداء السافر وقسمة العالم إلى محورين: محور الخير الذي يمثلونه ومحور الشر الذي يصطف فيه أهل الأديان جميعا باعتبارهم الإخوة الأعداء.

ورفض د. إمام المنهجين المتداولين لدى المتطرفين من الجانبين في تناول الحاكمية "الأول المنهج التبريري: الذي ينصب نفسه حكما على الدين والعقل والمجتمع من خلال عرض غير أمين لحقائق الإيسلام استنادا لأفكار ضالة وحركات يائسة وجماعات تستهدف المغالبة من أجل الحكم، وترفع لواء المشاركة وهي لا تعرف في أساليبها سوى تصفية الحسابات، وتمكين أتباعها من امتلاكها مفاصل الدولة والمجتمع تحت وطأة ديمقراطية مزعومة ترفع من شأن الصندوق الصامت وترفض ثقافة الديمقراطية الناطقة.

والثاني المنهج الإقصائي الذي يتلاعب بآيات القرآن، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، يفسر القرآن على هواه ويقبل من الأحاديث ما يوافق مبتغاه. ويرفض الأحكام الإسلامية باعتبارها سلطة دينية لا تتوافق مع حرية البشر وكرامة الإنسان.

الحكاكمية عند هؤلاء هي حاكمية كونية تؤسس على قوانين كونية تؤسس على القوانين العلمية، وليست حاكمية شريعية تضع الأوامر والنواهي في قواعد عامة وتفاصيل جزئية، فالكون مملكة الله من مقام الربوبية، والتشريع حاكمية البشر لأن الشرائع مراحل تاريخية لها أوامر ونواهي عينية زمنية، فحاكمية الله سنن وأخلاق وحاكمية البشر هي شعب يقرر وتشريعات تصدر.

وفي تناوله الأسس العقائدية للتطرف متخذا من مفهوم الجهاد مثالا أكد د. عبدالحميد عشاق المدير المساعد المكلف بالبحث العلمي والشراكة والتعاون بمؤسسة دار الحديث الحسينية ـ الرباط أنه لا مناص من التسليم بواقع بعد الشقة بين مفهوم الجهاد كما نظر له في أدبيات الفقهاء كمعنى مرادف للقتال بدءا أو دفاعا وبين ما يرتكب من ممارسات الغدر والظلم والعدوان باسمه في سياق الواقع العالمي المعاصر. كما أنه لا مجال للحديث عن جهاد تناط مشروعيته بإذن ولي أمر المسلمين لانعدام جملة من المفاهيم المتعلقة به في السياق التاريخي الإسلامي.

وهما جهتا افتراق الجهاد من حيث بيئة تنزيله بين التاريخ والواقع المعاصر، من جهة أخرى فإن التغيرات التي عرفها العالم خلال القرنين الأخيرين جديرة بلفت الانتباه إلى الأوضاع والمفاهيم الجديدة التي تكتنف العلاقات السياسية بين الدول، فالعالم أصبح اليوم محكوما بنتائج متراكمة من التجارب المريرة التي تمخضت عنها معاهدات واتفاقيات ملزمة للدول والحكومات.

وحاولت ورقة د. سعود بن صالح السرحان ـ مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية من خلال دراسة الرؤية السياسية لأحد أهم الشخصيات السنية وهو الإمام أحمد بن حنبل أن تؤكد أن أهل السنة الذين يؤمنون بالجماعة والطاعة يرون أن الحفاظ على وحدة جماعة المسلمين وحماية الأمن المجتمعي ومصالح الناس المعيشية أهم من تحقيق أي هدف سياسي آخر. فعند الأخذ في الحسبان الحفاظ على الأروح والممتلكات والأمن العام فإن طاعة الوالي الفاسق أو الظالم أقل ضررا من الفتنة والاحتراب الداخلي وانعدام الأمن.

وقدم د. خالد عزب نقدا للأسس الفكرية لظاهرة التطرف من خلال قراءة في أفكار سيد قطب خاصة في كتابه "معالم على الطريق"، وأكد أن سيد قطب كان نتاجا لمجتمع مضطرب الافكار بين الحركات الشيوعية وبين أنصار الاستعمار الاستحواذي الغربي على العالم الإسلامي، وبين حركات متأثرة بالفاشية والنازية في مصر، وظهر هذا جليًّا في تخبطه داخل "معالم في الطرق" فما بين تكرار الأفكار، وهو ما يفسره البعض على أنه محاولة للتأكيد عليها، وما بين اضطرابه وهو واضح بصورة جلية حين يكرر ويكرر بصور مختلفة.

إن أحد الملمات اليوم في العلوم الإنسانية هي أن المنهج التجريبـي وأصول القانون أخذهما الغرب من المسلمين عبر الترجمة خاصة من التراث الأندلسـي، لكن في الوقت نفسه ينكر على المسلمين الاستفادة مما طوره الغرب من حقول الدراسات الإنسانية، حتى أنه ينفي صفة العلم عن الدراسات الإنسانية المعاصرة، فماذا عن الأنثروبولوجيا "علم دراسة الإنسان والمجتمعات الإنسانية" الذي أصبح علمًا أساسيًّا لفهم الشعوب. فإذا أردنا اليوم نشر رسالة الإسلام لدى الشعوب غير المسلمة هل يمكن أن ننشره من خلال هذا العلم لنعرف المداخل السليمة لنشر الإسلام.

وسعت ورقة د. عبدالسلام طويل في سياق محاولتها فهم وتفسير ظاهرة الإرهاب الداعشي إلى العمل على كشف افتقار الإيديولوجيا التكفيرية لعناصر الشرعية والمشروعية معا، وعدة وعيها بطبيعة التدافع الحضاري الذي يتعين على المسلمين خوضه في معركة العلم والمعرفة والتكنولوجيا والتنمية والبناء المؤسسي الحديث، وكذا في مجال الحقوق والحريات المعززة للكرامة الإنسانية.

وقال د. طويل "بدل الارتقاء إلى عالمية الخطاب القرآني وكونيته وإنسانيته يتم افقاره ورده إلى البنيات العشائرية والقبلية والطائفية: غزوا وسبيا واسترقاقا وفدية وتقتيلا وتزمتا، ممعنين في تحطيم علاقات الثقة والتعايش بين الأفراد والشعوب والجماعات بدل دعوة الإسلام إلى تعارفها وتعاونها، وبذلك يسهمون في تكريس نظام قائم على العنف بدل القانون، والتعصب بدل التسامح، والعدوان والاحتراب بدل التضامن والتعاون، والموت العبثي بدل الحياة الإنسانية الكريمة.

وفي ورقته "نقد خطاب الاصلاح الديني، مدخل مستقبلي" جادل د. محمد العربي بأن النزعتين اللتين هيمنتا على الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر منذ إحيائه حتى اليوم وهم التسيس والماضوية قد أضرتا بالإصلاح الديني، فمن ناحية جعلته طرفا في الصراع على الدولة العربية الحديثة التي ابتكرت لنفسها مفهوما سلطويا للدين أثناء صراعها مع حركات الإسلام السياسي التي كانت في جوهرها اختزالا للدين، وأعادت إمكانيات الأصولية والطائفية ودفعت إلى الصدارة التفسيرات الرجعية للنصوص، وتمثلت النزعة الماضوية وهي نزعة مرتبطة بالتسييس على نحو عضوي، فعلى الرغم من أن الإسلام السياسي خرج من رحم حركة الإحياء الإسلامي إلا أنه اختزل الإحياء في استعادة نمط الدولة السلطانية وتطبيق الشريعة باعتبيارها خير الأولين، وبالتالي هيمنت رواية الماضي على بناء اجتماع ودولة الحاضر.

وبتقهقر عمليات التحديث الاجتماعي وفشل مشروع بناء الدولة كانت الفرصة مناسبة لكي يصبح الصراع المذهبي والطائفي العنوان الأبرز للحركة الإسلامية والعملية السياسية والحراك الاجتماعي، وهو من منتجات الماضي التليد، من ناحية أخرى اختزل الإصلاح في نقد التراث الديني دون محاولة فهم آليات التاريخ أو تطوير خطاب المستقبل.