هكذا ببساطة مع سعاد سليمان

بقلم: أحمد فضل شبلول

"هكذا ببساطة" مجموعة قصصية جديدة للكاتبة سعاد سليمان، لا نملك إزاءها إلا الاعتراف بموهبة القاصة، وتميز أسلوبها، وبساطة لغتها، وشفافيتها، وجرأتها المحسوبة لها، وليست عليها.
تجيد سعاد سليمان استخدام تقنية الكتابة التلغرافية المركزة تركيزا عاليا، والمكثفة تكثيفا زمنيا يصعب اختراقه، والممزوجة بالحرارة والوعي الأدبي، فمع أن معظم قصص المجموعة لا تزيد على صفحة واحدة من الحجم الصغير، إلا أنها تقول كل ما لديها من كلمات، وتقدم كل ما عندها من انفعالات ناتجة في أغلبها عن الارتطام بالواقع والاصطدام بالناس والمجتمع، في ظل البحث عن وضعية المرأة في هذا المجتمع، ومن ثم نستطيع أن ندعي أن قصص هذه المجموعة تنتمي إلى الكتابة الأنثوية، أو الإبداع النسائي، ورغم تحفظنا على استخدام مثل هذه المصطلحات، إلا أننا أمام الإبداع المتوهج لسعاد سليمان لا سبيل أمامنا إلا استخدامها.
يقول المترجم طلعت الشايب عن كتابة سعاد سليمان إنها: "كتابة حميمة تحول اللحظة العابرة إلى تجربة، والتجربة إلى فن. في كل قصة من قصص هذه المجموعة حالة شديدة الخصوصية والثراء، وذات تقف مشدوهة مدهوشة أمام العالم بما فيه من بشر وأشياء، ذات لا تبحث عن إجابات ولا تطلب تفسيرا لأي شيء".
أما الناقد ربيع مفتاح فيقول عن الكاتبة في هذه المجموعة "إنها أمسكت بتلابيب اللحظة وأبدعتها بدرجة تكثيف تصل إلى حد كتم الأنفاس، وبوعي حاد بفنية القص وتقنياته للوصول إلى لحظة صدق بين الفن والحياة".
ومن اللافت في هذه المجموعة، أن عيني سعاد لاقطة لأبسط الأشياء في الحياة، وكذلك أعقدها، وأن يديها مشرعتان على الحياة والحب والأمل والتفاؤل، رغم ضراوة الواقع من حولها. وفي هذا المعنى يقول الناقد الفني عز الدين نجيب: "تلك لوحات من حس وخيال، تراوغك بين التجسيد والوهم، بين الواقع والحلم، حارقة ضارية أو ناعمة هشة .. لكنها في كل الأحوال توهجات إنسانية بسيطة وصادقة، عبقة بالحياة".
تلجأ الكاتبة أحيانا إلى العبارات اللاذعة، فتنقل بها القارئ أو المتلقي من حالة إلى حالة. تقول على سبيل المثال في قصة بث مباشر: "تفوقت أخباري وجرأة ما فعلت على أخبار القتلى في فلسطين، ووعود الاثنين مليون فرصة عمل، والمرحلة الثانية لضريبة المبيعات، ولم يسجل ارتفاع الدولار أي ضجة ولا ضخامة الميزانية الجديدة". فالشخصية أثناء شرودها وحلمها بزفافها إلى من تحب، لا تستطيع أن تتخلص من آثار الواقع العربي والمحلي والعالمي.
من أمتع قصص المجموعة، قصة "الغرفة تتسع لأطفال كثيرين". إنها قصة ذات أبعاد إنسانية رحيبة، فالغرفة التي يعيش فيها الزوجان تأخذ في الاتساع كلما أنجبا طفلا جديدا، وعلى الرغم من أن أرغفة العيش اليومية لم تزد عن الخمسة، إلا أنها تكفي حتى مولد الطفل العشرين، وعلى الرغم من أن اللحم لم يزد عن النصف كيلو، إلا انه يكفي حتى الطفل الخامس والعشرين. وتظهر براعة الكاتبة في ختام تلك القصة، حيث تبدأ الغرفة في الضيق كلما خرج طفل إلى العالم الواسع والدنيا الرحيبة. وتنهي الكاتبة قصتها بقولها: "كلما خرج أحدهم ضاقت الغرفة بقدر ما كان يشغل من مساحة، وظلت تضيق وتضيق فأصبحت لا تتسع إلا لشخصين هو وزوجته". إن الكاتبة لم تقل صراحة إن اللقمة الهنية تكفي مية، كما يقول المثل الشعبي، ولم تذكر أيضا أن الود والتراحم بين البشر يجعل الحياة أرحب، ولكنها ألمحت إلى كل هذا وغيره، من خلال الفن القصصي الحديث، وطبقت القاعدة الذهبية التي تقول إن الفن يلمح ولا يصرح.
التيمة نفسها لعبت عليها الكاتبة في قصتها "وظائف فضفاضة"، ولكن بطريقة مغايرة، حيث البنطال الذي يطول ويتسع ويصبح فضفاضا، كلما تقلد الرجل وظائف أكبر، وعندما قرر رؤساؤه تقليص وظائفه، أخذ بنطاله في القصر حتى قرب من ركبتيه، وأخذ يضيق ويضيق حتى أصبح وجلده سواء.
إما قصة "ببساطة" فتنقلنا إلى شخصية طفولية في أشد الاحتياج إلى وجود الآخر الذي يشعرها بوجودها، وهي قصة مركبة تركيبا ذكيا، في البداية نظن أن التي تلتمس من رجل غريب أن يلمسها: "أرجوك ألمسني هكذا لدقائق بل لثوان"، مجرد فتاة تبحث عن متعة عابرة، وعندما فعل وسط استنكار الآخرين وهمهمات الاحتجاج المكبوتة، شكرته بأدب شديد وصافحته، ومسحت دمعة علقت بين أهدابها. هنا نلغي فكرة أن الفتاة تبحث عن متعة عابرة، وننتقل إلى مناخ نفسي آخر، خاصة عندما تصرح الفتاة بقولها: "فقط كنت أحتاج إلى لمسة هكذا". وكنت أود أن تسمي الكاتبة قصتها تلك "لمسة" بدلا من "ببساطة" التي سميت المجموعة باسمها بعد أن أضافت لها "هكذا".
ومن المفارقات المرسومة بشكل جيد، مفارقة بكاء الطفل في حجر أمه أثناء العرض المسرحي، وبكاء الأم بشكل حار وتساقط دموعها على رأس ابنها المستكين في أحضانها، أثناء عرض مشهد موت الزعيم جمال عبد الناصر، وانسياب موسيقا "يا جمال .. يا حبيب الملايين" في قصة "عند الخامسة".
وعن عنصر المفارقة في قصص سعاد سليمان يقول كاتب السيناريو بشير الديك: "تعتمد قصص سعاد على اقتناص المفارقة الحادة في اللحظات أو المواقف، وهذه براعة، حيث المفارقة تضفي معنى جديدا يدفع القارئ لقراءة القصة مرة أخرى، ويساعد على إضاءة بعض الجوانب المعتمة في الموقف أو اللحظة".
ومن التقنيات الجديدة في هذه المجموعة القصصية، لجوء الكاتبة إلى استدعاء شخصياتها القصصية التي وردت في قصص المجموعة من خلال قصة اختارت لها عنوان "محاكمة القصة الأخيرة" تستدعي فيها بعض شخوص قصصها الموجودين على الورق ليحاكمها زوجها، باعتبار أن الرجال الذين ذكروا في القصص رجال حقيقيون، وعلى علاقة بزوجته الكاتبة، وتكمن المفارقة في تذكر الكاتبة أن رجلها أديب.
هكذا تقدم لنا سعاد سليمان قصصا جديدا في مضمونه، وفي شكله، وفي تقنياته المختلفة، التي أشرنا إلى بعضها ـ ببساطة ـ عبر هذا المقال. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية