هفوة ثريا ملحس

أيتها الوحوش كفى كفى كفى

الذي دفعني للكتابة عن الباحثة الرائعة، الشاعرة أ. د. ثريا ملحس هو شعورها العدائي للرجل، للذكر عمومًا، وتكرر ذلك في أكثر من قصيدة، دلالة على أنها ليست غاضبة، أو في لحظة ظلم ذكورية، وإنما هي تكتب بتأنٍ وتصف الذكر، أنه هو الشر بذاته، أعتقد أنها مجرد هفوة من شاعرة باحثة فذّة.

وقبل أن نورد تفاصيل هذه الأشعار المتّهِمة للرجل، دعونا نعطي هذه المرأة حقها من الإنصاف والتقدير على جهودها الأدبية المذهلة العطاء النوعي.

لا شك أن للباحثة الأدبية المعطاءة، الأستاذة الدكتورة الشاعرة ثريا ملحس، السباقة في القصيدة الحداثية، فضلًا كبيرًا على الأدب العربي، بصفتها باحثة نهمة القراءة، وغزيرة الكتابة، خلال عمرها الذي انتهى عام 2013 بالتسعين سنة، إذ تربو مؤلفاتها المنشورة بشكل مجلدات ضخمة، على الأربعين كتابًا، سددت خانة واسعة من رفوف المكتبة العربية، وملأتها بنفائس المؤلفات العميقة البحث، ومن ضمنها:

"القيم الروحية في الشعر العربي حتى منتصف القرن العشرين" بيروت. 1965، "منهج البحوث العلمية للطلاب الجامعيين"، 1988 بيروت، "مدخل إلى أدب العصر الأموي"، بيروت 1989، "حزب الشيعة في أدب العصر الأموي، بيروت 1990، "حزب الخوارج في أدب العصر الأموي" بيروت 1990، "ميخائيل نعيمة الأديب الصوفي" بيروت 1990، "المرابطون اللمتونيون" بيروت 1990، "دفاع في طريق معلقة طرفة بن العبد" بيروت 1990، و"المعلم خليل بن أحمد الفراهيدي البصري" بيروت 1990.

ونظراً لإصداراتها النوعية والضخمة من عيون الأدب العربي، التي سددت خانة ضخمة كانت خالية في رفوف المكتبة العربية، نحاول التعرف عليها، إذ ولدت ثريا ملحس في عمان عام 1925. وهي تنتمي لأسرة فلسطينية من نابلس، ثم التحقت بالجامعة الأميركية في بيروت، إلى أن رُشحت للدكتوراه في الجامعة اليسوعية ببيروت. وسجلت أطروحتها بعنوان: "كشاجم، محمود بن الحسين، المعروف بأبي الفتح، كشاجم البغدادي في آثاره وآثار الدارسين.. عصره، سيرته، آثاره".

وفي سنة 1989، حصلت على رتبة أستاذ (بروفيسور). وانتقلت من التدريس إلى الإشراف على أطروحات الدكتوراه بالجامعة اللبنانية.

ومن أعمالها الشعرية الجميلة: "النشيد التائه" بيروت 1949، "قربان" بيروت 1952، "أناشيد ومجامر" (المرحلة الأولى - 1956)، "ملحمة الإنسان". ديوان جمع عناوين مجموعتها الشعرية اشتمل على العناوين التالية: "مع الله.. مع الوطن"، ديوان "مع النفس"، ديوان "مع الماضي"، ديوان "مع البشر" بيروت 1961، "محاجر في الكهوف" (بيروت، 1961)، "خبأنا الصواريخ في الهياكل" (بيروت، 1968)، "ألوان" مختارات شعرية تصف فن الكتابة (بيروت، 1959).

وكلها أشعار شديدة الانتماء لعروبتها، ولوطنها العربي الكبير، ولقضيتها الكبرى في لبنان وفلسطين والأردن وسوريا التي لا وقت للكتابة عنها، ولكنني سأتناول بعد قليل جزءًا مجتزأً منها، خاصًا بالرجل؛ بالذَّكَر.

ومن الدراسات التي أنجزتها ملحس على شكل مجلدات ضخمة، نذكر: "أبعاد المعري" بيروت 1962، "ميخائيل نعيمة.. الأديب الصوفي" (بيروت، 1968)، المرأة العربية والروح النضالية (بيروت، 1968)، الأدب الفلسطيني في المعركة (بيروت، 1970).

ومن أعمالها الأخرى: "عشر ملحنات، سيمفونيات" مقالات (بيروت، 1960)، "العقدة السابعة" قصص (بيروت، 1962)، "عشرة نفوس قلقة" مقالات (بيروت، 1968)، "أضواء جديدة على المعلقات".

وفي التأمل كتبت: "لغة صوفية" ومن أعمالها النقدية: "الحب في عيون كبار الكتاب"، "نتائج الحرب الأهلية اللبنانية"، "ترسيخ الانتماء العربي وتدعيم اللغة العربية"، و"القيم الروحية".

وأما عرضي لأشعارها الخاصة بالرجل، الذّكر بالتحديد، نذكر منها قولها في ديوانها "رخٌّ هوى في بيروت.. جثتين" الصادر في عمان – دار البشير- 2000، في قصيدتها الأولى بعنون "نحو نون ميم ذال":

"كان واجبًا علينا أن نوقف وحشية الذكر في أبنائنا

كان واجبًا علينا أن نصرخ في وجه الرجال:

أيتها الوحوش كفى كفى كفى

أيها الوحش في نفوسكم في قلوبكم كفى كفى كفى

أيها الشر فيكم كفى كفى كفى

ماذا لو رحلت النساء يبحثن عن أرض غير أرض الرجال

يهددن الوحش في الرجال..؟"

ويطول إطلاق شررها المتطاير نحو الرجال، وهنا فكرت أنا العبد لله، بصفتي أؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة كمصدر للخير والشر، وقلت لنفسي:

ماذا نقول بالمقابل عن شرور هيلين زوجة مينلاوس، التي وضعت الخطة لتدمير طروادة عن طريق استقطاب (باريس) لعشقها؟ وماذا نقول عن تاتشر حرب الفوكلاند وغيرها من الخطط العالمية الشريرة؟ أليست صاحبة الناقة البسوس التي خلقت حربًا دمرت شعب الجزيزة العربية شريرة؟ ماذا عن هنود، أكالة الكبود؟ ماذا نقول عن شرور أرملة ماو تسي تونغ، التي قادت عصابة الأربعة، والتي لو نجحت لما ظهر الصين العملاق الحالي؟ أليست ويني مانديلا، زوجة القائد العظيم مانديلا شريرة وهي تقود عمليات مافيا خلال وجود زوجها المناضل في السجن؟ أليست جولدا مائير قاتلة الأسرى المصريين والسوريين والمثقفين الفلسطينيين مثل غسان كنفاني وكمال ناصر وغيرهم وغيرهم شريرة؟

صحيح أن شرور الرجال لا تحصى، وأن الشر مصدره امرأة ورجل، من يُعطى الفرصة، يُفظِّع، إذن كيف تقول الشاعرة ثريا ملحس في صفحة 116 من الديوان أن الشرّ مصدره الرجال، كل الرجال:

"فالغدة الوحشية في الذكر

تنهال على البشر

صبرًا تنزف الدماء

مثل الدمار

انتحر الإنسان

واختفى الزهر في نيسان

كذلك غودو ، ما كان..."

وهي تقصد الرجل بكلمة غودو المأخوذة من مسرحية صمؤيل بيكيت "غودو الذي يأتي لا يأتي"، وكأنها تقول إن الرجل موجود، ولكن وجوده مثل العدم.

وأما عن السجع الممل الذي لا يمت إلى الشعر بصلة، في قصيدتها بعنوان "صاد ألف" صفحة 122، فتقول:

"صارت قدماي مقرحتين

قطعت ميلًا وميلين

من قارة إلى اثنتين

أفتش عن كل عين

أو عينين

أحوم فوق الأرزتين

والغربة ثقل على الكتفين

أسير مثل النجمتين.

أهرب من شلالين..."

فهل هذا شعر حديث، أم سجع لا معنى له، أم تألق لم أستطع فهمه؟ وما هما "الأرزتين"؟ وما هما "النجمتين"، وما هما "الشلالين" اللذين تقصدهما الشاعرة؟ لا أريد التعليق، وعلى النقد الذي لا أمارسه، بل أقرأ وأعلق، وأقول: على الناقد أن يتفقد المنقودات، وأن يكتب عن الغث والسمين، وإلا فلا داعي للنقد من أساسه.