هستيريا الفوضى البناءة!

بقلم: فيصل جلول

انتشر مصطلح "الفوضى البناءة" الذي صدر عن إحدى مؤسسات الأبحاث الأمريكية كالنار في الهشيم في عالمنا العربي. صرنا نستخدمه يوميا لتفسير السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد احتلال العراق ولتفسير كل الحركات التي تشهدها دولنا العربية. إذا انطلقت تظاهرة مرخصة أو غير مرخصة في هذه الدولة أو تلك فانطلاقها هو من أثر "الفوضى البناءة". إذا أعلن موظف مفصول من الخدمة أو سفير رفض نقله من مقر عمله الالتحاق بالمعارضة وتأسيس حزب "ديموقراطي " فللأمر علاقة ما مرئية أو غير مرئية بالفوضى البناءة. إذا طالبت كونداليسا رايس بإطلاق سجناء سياسيين في هذه الدولة النفطية أو تلك نرد الطلب إلى السبب نفسه غير عابئين برغبة واشنطن المعلنة في استخدام حقوق السجناء كوسيلة لحمل الدول العربية النفطية على الإسراع في زيادة إنتاجها لوقف ارتفاع أسعار النفط وللحؤول دون دخول الأسعار المرتفعة على خط المقاومة العراقية. إذا اغتيل مسؤول أو مثقف معارض قيل على الفور إن اغتياله هو لمواجهة نجاح مخطط "الفوضى البناءة" في بلده. إذا ما بادرت دولة افريقية صغيرة لا قيمة لها في حسابات القوى الفعلية إلى إهانة ثلاث دول عربية مجاورة دفعة واحدة واستفزازها بإجراءات عدائية قيل أن المخطط نفسه يسمح للدولة المعنية بارتكاب ما ارتكبته. هكذا تبدو "الفوضى البناءة" جوابا جاهزا لتفسير كل الوقائع السياسية التي تشهدها بلداننا هذه الأيام كما كانت من قبل نظرية المؤامرة تفسيرا مريحا لوقائع ذات طبيعة مشابهة.
رب قائل أن واشنطن تحتفظ بترسانة عسكرية في المشرق العربي وان من الطبيعي أن تتدخل يوميا في الشؤون العربية وبالتالي من البديهي أن نفسر هذا التدخل بشعار الفوضى البناءة الذي يرمي لنشر اللاستقرار في الدول العربية الممتنعة عن المشاركة في احتلال العراق. ورب قائل أيضا أن نشر الفوضى في بلاد العرب يرمي إلى تغطية انسحاب أمريكي بات محتملا أكثر من السابق من العراق وفي القولين صواب معين لكن الصواب لا يكفي لتبرير أو تفسير هيستيريا "الفوضى البناءة "التي تحتل فضاءنا السياسي منذ بعض الوقت.
ربما على علماء النفس أن يقدموا رأيا مفيدا في أسباب هذه "الهستيريا" ونتائجها بالانتظار لا مناص من مقاربة الاحتمالات التي تطرحها.
الاحتمال الأول ينطلق من التسليم الكامل بفرضية "الفوضى البناءة" وبالتالي صلاحيتها بتفسير كل وقائعنا السياسية. نعم أمريكا تريد تعميم الفوضى النسبية في المشرق العربي فما الذي نريده نحن حكاما ومعارضين؟ هل نريد مواجهة أمريكا وكيف نواجهها؟ هل نريد اتقاء شرها ودعم احتلالها للعراق وكيف ولماذا نفعل وما هي النتائج المتربة على هذا الفعل؟ في الحالتين لا جواب لدى السلطات الرسمية المرتعدة من الضغوط الأمريكية أما المعارضات العربية المفترض أنها الطرف المحلي المستفيد من هذه الظاهرة فان بعضها سرعان ما أصبح شريكا لأمريكا في سياستها المذكورة على أمل أن يكافأ على شراكته آجلا أم عاجلا فيما القسم الآخر ما زال يمانع التعاون مع الأمريكيين ويواصل الضغط على حكامه الأمر الذي يفقد الممانعة نفسها احد ابرز أغراضها بوصفها وسيلة لمقاومة المحتل بكل مفاعيل احتلاله المباشرة وغير المباشرة.
الاحتمال الثاني ينطلق من فرضية أن أمريكا تستخدم سلاح الفوضى البناءة استخداما تكتيكيا. فهي في الأصل تريد استقرار المشرق العربي حتى لا تعم فوضى العراق في محيط نفطي استراتيجي وحتى لا تكون مضطرة مع حلفائها في الأطلسي وفي غيره إلى القتال "غير البناء" على جبهات عربية متفجرة قد يبدو العراق بالنسبة إليها تمرينا كشفيا بسيطا. بكلام آخر لا تريد أمريكا نشر الفوضى بل التلويح بها لنشر الرعب في الفضاء السياسي العربي ومن ثم السيطرة نفسيا ـ على الأقل ـ على مراكز القرار الرسمي والمعارض على حد سواء وإذا ما تم لها ذلك تتحكم في وقائعنا السياسية عبر دفعنا إلى تفسيرها بالوجهة التي تريدها ومن المؤسف القول أن هذا السيناريو هو السائد اليوم وأن "هستيريا" الفوضى البناءة هي عنوانه الساطع.
يطرح ما سبق سؤالا لا يحتل المساحة التي تليق به في دوائر النقاش في العالم العربي وهو:لماذا يمكن للسيناريو المذكور أن يمر بسهولة في منطقتنا كما مر من قبل سيناريو المؤامرة؟ اطرح السؤال دون التشكيك بتعرض العرب لمؤامرات حقيقية في السابق كما يتعرضون اليوم لمؤامرة ضخمة من خلال السيناريو المذكور وعبر غيره.
الجواب عن السؤال بسيط ومعقد في الآن معا. بسيط لأن إدارة الشؤون العربية العامة والخاصة بكل بلد على حدة تعاني أصلا من فوضى مدمرة وبالتالي من السهل أن يتسرب أي كان إلى الفضاء السياسي العربي ويمرر المؤامرة التي يرى فائدة في تمريرها فكيف إذا كان الأمر يتصل بدولة عظمى ودول حليفة لها تملك تاريخا طويلا وخبرات متراكمة في السيطرة على العالم وإدارته.
والجواب معقد لأن الفوضى السياسية العربية مستمدة من روافد عديدة أبرزها ثقافة الخضوع الموروثة من الحقبة العثمانية مرورا بفترات الاستعمار الأجنبي المباشر وصولا إلى فترة السيطرة عن بعد والتي نعيش فصولها اليوم ومن بينها أيضا ثقافة الاحتراب الداخلي المعمرة في صفوفنا والتي تتيح لأول عابر سبيل أن يبني عليها ما شاء من خطط ورؤى وتصورات مضادة ومن بينها أيضا وأيضا مراهقتنا السياسية إذ لم نتحمل يوما معارضين وحكاما مسؤولية ما جرى وما يجري فالعيب في الآخر دائما وليس فينا ناهيك عن تخلفنا الظاهر في المجال المعرفي و من ضمنه جهلنا بعلم النفس السياسي الذي يمكن من خلاله قراءة بديهيات السيطرة والخضوع.
نعم نحن ضعفاء ولضعفنا أسباب تاريخية يطول شرحها لكن ليس إلى الحد الذي يستدعي خضوع امتنا العريقة بنخبها وعامتها ولجوء بعض فرقها إلى القتال بواسطة الموت لبلوغ أهداف يمكن بلوغها بوسائل اقل كلفة وأكثر جدوى. فيصل جلول