هرمان بورخارت يوثق بالصور رحلته لدول الخليج العربي

بين 1903 و1904 من البصرة إلى مسقط

يوثق هذا الكتاب "رحلة عبر الخليج العربي.. من البصرة إلى مسقط" للباحثين الأكاديميين الألمانيين آنيغريت نيبا وبيتر هربسترويت وترجمة أحمد ايبش رحلة المصور الفوتوغرافي الألماني هرمان بورخارت التي قام بها من شهر ديسمبر/كانون الأول 1903 حتى أبريل/نيسان 1904، والتي مضى بها من البصرة إلى ساحل الخليج العربي وصولا إلى مسقط مرورا بالفاو والمحمرة والكويت فالإحساء والبحرين وقطر والهفوف والقارة والدوحة، وأبوظبي ودبي ورأس الخيمة وكمزار ومسقط ومطرح، مفضلا ركوب قوارب البوم المحلية في الخليج العربي على السفن البخارية العاملة بين البصرة وبومباي، لأن مراكب البوم الشراعية الصغيرة في منطقة الخليج العربي مكنته من الانطلاق من موانئ صغيرة.

بلغت الرحلة الكويت في البداية ثم مجموعة جزر البحرين التي كانت تحت الحماية البريطانية. نقطة التوقف التالية كانت محطة جمرك العقير، ومن هنالك اخترق طريقه برا حتى بلغ الهفوف، التي تضم حامية تركية للسلطنة العثمانية. بعد ذلك استغرقت رحلة القافلة عبر شبه جزيرة قطر ثمانية أيام.

ومن الدوحة تابع بورخات رحلته بالمركب إلى أبوظبي، حيث حل ضيفا على الشيخ زايد بن خليفة لعدة أيام، ومن أبوظبي مضى أولا إلى دبي، ثم تابع على امتداد ساحل الامارات المتصالحة إلى أن بلغ أخيرا مدن عمان: صحار ومسقط ومطرح.

حفظ بورخارت مجريات رحلته بالصور التي تعد من أقدم صور بلدان الخليج العربي، ومن خلال محاضرة ألقاها أمام الجمعية الجغرافية في برلين في فبراير/شباط عام 1906، غير أن نصه المختصر ـ وفقا للمؤلفين ـ لا يرقى إلى الجودة الفائقة لصوره الفوتوغرافية، التي تظهر حسه الإثنوغرافي، ونظرته البعيدة عن المصلحة الذاتية وتركيز اهتمامه كله في الموضوع الذي يقوم بتصويره.

الصور التي ضمها الكتاب الذي صدرت طبعته الثانية مؤخرا عن هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وتشكل نماذج من صور الرحلة تشهد على تاريخ البلدان العربية في الخليج وتاريخ الإمارات وعائلاتها الحاكمة وكذلك فهي نقاط بارزة في الذاكرة الثقافية العربية، يقول المؤلفان "أفضت رحلة بورخارت إلى الخليج العربي إلى تعريفه بنوع جديد من المشاهد الطبيعية ومناخ مختلف، ولكن تضمن أيضا تراثا تاريخيا غير مألوف له.

وخلال استعداده للسفر كان تعامل مع رؤيتين في السياسة والتاريخ: الأول منهما يركز على المصادر العربية، والآخر على النصوص الأوروبية وتقارير المصالح الأوروبية في منطقة الخليج العربي، إنما في صوره ومحاضرته نرى نطاقا ثالثا ينبثق ألا وهو تجربة الرحالة الذي يقوم من خلال منظور الملاحظة بالجمع ما بين رصيده المعرفي المسبق والمعلومات والاحتكاك الحاصل على أرض الواقع مع أمور غير متوقعة، في أثناء الرحلة".

الكتاب على الرغم من أنه يوثق لرحلة بورخارت إلا أن مؤلفيه قدما عرضا تاريخيا لمنطقة الخليج العربي حوالي عام 1900 وكذا التصوير الفوتوغرافي في المشرق وقراءة لتجربة بورخارت كمصور رحالة وقوة التصوير، وعلى امتداد الكتاب يقومان بشرح تفصيلي لما يرد في الصور من أشخاص وأماكن وملابس ومواد مرتبطة بالسفر وعادات وتقاليد وتواريخ وغيرها.

تبدأ الرحلة حيث غادر بورخارت البصرة ومعه رفيقه الشامي أبو إبراهيم وقد ركبا متن مركب شراعي لكي يقلهما إلى الكويت وفي الخامسة بعد الظهر قبيل الغروب بدأت الرحلة عبر شط العرب وانطلق المركب في رحلته صوب الخليج العربي، وكانت أول صورة للمحمرة ـ في 7 ديسمبر/كانون الأول 1903 ـ وهي الصورة الوحيدة طبقا للمؤلفين التي تمثل الساحل الفارسي المطل على الخليج العربي.

ويتوقف المؤلفان عند المركب التي كان يستقلها بورخارت حيث التقط صورة لمقدمتها وأخرى لمؤخرتها، حيث تناولا أسماءها وصناعتها، وقالا "خارج نطاق العالم العربي كانت المراكب الشراعية في الخليج التي حافظت على التجارة عبر البحار على نحو مماثل وصولا إلى ساحل الهند لما يزيد على أربعة آلاف سنة، كانت هذه المراكب تعرف باسم "الداو"، غير أن البحارة العرب لا يطلقون على مراكبهم اسم "الداو" بل يسمونها "البغلة، البوم، السنبوك، الشوعي".

بعد وصوله للكويت توجه بورخارت مباشرة لزيارة الشيخ مبارك الصباح شيخ الكويت ـ (توفى عام 1917) وقدم إليه رسالة تعريف من الحاكم العثماني في البصرة، الذي وجهها إلى "باشا الكويت" فأصبح بورخارت ضيفا للشيخ مبارك وقدمت له غرفة في القصر. وقبل رحيله عندما استقبله الشيخ مبارك للمرة الثانية قام بورخارت بالتقاط صورة شخصية له وكتب أن قاعة الاستقبال كانت مؤثثة على الطريقة الإفرنجية". وفي الكويت قام بورخارت بتصوير سوق الفحم حيث كان كل من الفحم والماء والتمر يجلب من خليج المدينة على الجمال والحمير ليباع.

وبعد مضي سبعة أيام من الإبحار البطيئ وصل بورخارت إلى البحرين حيث أقام لمدة أسبوع في منزل ممثل الحكومة الإنجليزية ثم تم استقباله مع مضيفه من قبل الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في قصره، وذكر بورخارت في افتتاحية مذكراته اليومية بتاريخ 20 ديسمبر/كانون الأول: "إنه يحب أن يجعلني أصوره، وكذلك ابنه ولي العهد".

صور بورخارت شيوخ البحرين يتوسطهم الشيخ عيسى ثم صور ولي العهد، والقصر القديم للشيخ عيسى، وباب خشبي مزخرف بنقوش محفورة وأزرار معدنية يرجح المؤلفان أنه من القصر الذي بناه الشيخ عيسى 1869 بعيد توليه السلطة، كما صور مسجد ذي مئذنتين على بعد ساعة من المنامة، وكذا منظر من أحد شوارع المنامة، وأطلال الحصن البرتغالي.

ويتوقف بورخارت في العقير: محطة جمرك إقليم الحسا "الأحساء" الشهيرة، حيث تقع خلف قلعة تشبه الحصون القبلية العربية، وتبدو في الصورة قافلة تتجه مبتعدة وف الاتجاه البعيد عدة مراكب تتمايل في المياه الضحلة. "وفي العقير انتظر بورخارت وصول قافلة تتألف من حوالي مئتي بعير قادمة من الهفوف، الواحة الغنية بالمياه في الحسا، وقبل أن ينطلق ببضعة دواب ومرافقة صغيرة، قام بتصوير القافلة في باحة مكتب الجمرك.

غالبية الجمال كانت قد أنزلت عنها أحمالها، وتم تصنيف الأكياس من قبل أصحابها وتكديسها. ويرى البدو وعكامو القافلة متجمعين حول شخص يقوم باحتساب رسوم بضائع الشحنة، وثمة جندي تركي يراقب مجريات الأمور".

ويلتقط بورخارت العديد من الصور للهفوف، منها صورة لمنطقة النعاثل، والسور الدائري لمنطقة الكوت، ومنطقة الرفعة بمحاذاة منطقة الكوت، ومشهد عام لسوق الهفوف، ورياض النخيل الفسيحة التي تحيط بها، وصورة للفرقة الموسيقية العسكرية التركية بالهفوف في مدخل قصر الحكومة، حيث كانت الهفوف مركز الإدارة والحكومة لمنطقة الإحساء ومركز الباشا التركي.

وينطلق بورخارت من الهفوف إلى قطر، وفي الطريق يصور لنا قرية القارة وجماليات التشكيلات الحجرية، توقفاته لسقاية الجمال ثم لصلاة مرافقيه أو شرب القهوة، ثم التخييم عند دخول الليل، كما التقط صورا لخيام البدو الرحل والقاعدة العسكرية التركية في قطر.

وأوضح بورخارت أنه خلال الرحلة كان الرجال من جميع الطبقات الاجتماعية يعيشون سويا بشكل متقارب سواء على الطريق أو في مخيم المبيت أو عند تناول الطعام أو شرب القهوة، إن الحواجز الاجتماعية السارية في أوروبا لا يجري تطبيقها خلال السفر في العالم العربي.

وقال المؤلفان "بعد مسيرة تسعة أيام قادته عبر منطقة ذات التفافات حصوية ورملية، بلغ بورخارت الدوحة، وهي موقع آخر حامية تركية. وقد توجه رأسا إلى الثكنة وقدم نفسه إلى البينباشي، أي المقدم الذي استقبله بحفاوة. ولما لم يجد مركب بوم ليتابع رحلته، فقد تعين عليه المكوث لمدة ستة أيام قام خلالها بالتقاط بعض الصور رغم أن "المدينة ذاتها ليس فيها شيء يسترعي التصوير" كما كتب في مذكراته".

وأضافا "أن صوره تعكس بشكل كبير حالة المحتلين الترك، فخلال الفترة الممتدة بين 1872 و1916 كانت السلطنة العثمانية تعلن سيطرتها على شبه جزيرة قطر. والقاعدة العسكرية التي تقع على بعد 400 متر إلى الغرب من البلدة العربية تعطي انطباعا موحشا.

وتكشف صورة القاعدة أن "الحصن التركي بني بعيد عام 1872 إلى جانب حصن قبلي عربي سابق "وعندما رغب العثمانيون لاحقا بفتح خليج جمركي في الدوحة، فشلوا في ذلك بسبب ممانعة شيخ قطر جاسم آل ثاني. وفي أيام بورخارت كان الشيخ جاسم يعيش في البر الداخلي ويقر جميع أبناء قطر بزعامته عليهم. وقد سمع بورخارت أخباره لكنه لم يقم بزيارته حيث إن الشيخ جاسم يقيم على بعد خمس ساعات إلى الغرب من الدوحة".

وفي الدوحة كان بورخارت قد طلب من الشيخ أحمد بن محمد بن ثاني أخ الشيخ جاسم رسالة تعريف إلى شيخ أبوظبي الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان، وما أن وصل لأبوظبي ظهر يوم 4 فبراير/شباط 1904 حتى قام بالتوجه عبر السوق إلى الشيخ زايد ليقدم له رسالة التعريف من الشيخ أحمد بن محمد بن ثاني نائب حاكم قطر، فتم اصطحابه إلى حصن خارج المدينة حيث كان المجلس معقودا في ذلك اليوم، وبعد أن انتظر بورخارت بعض الوقت ظهر الشيخ زايد ويصفه بورخارت "تبدو على الرجل هيبة الحكم وسيماء العظمة والوقار وله حاشية كبيرة وأتباع".

قام بورخارت بتصوير أحد المجالس اليومية دون أن يكثر من الصور، وكتب يقول "يحصل الشيخ زايد على موارده المالية تقريبا من عوائد الغوص على اللؤلؤ. وهو رجل كريم مضياف إلى أقصى حد، وسنة بعد الأخرى يحل عليه الكثير جدا من الضيوف".

كما صور مسكنه الخاص في أبوظبي حيث خصص له الشيخ زايد مبنى فخما خلال مدة زيارته وأمر بتزويده بالأرز ولحم الضأن والزبيب والتمر. والتقط صور الأكواخ السكنية التي كانت تتوزع متقاربة بعضها من بعض بحيث تشكل باحة محمية من الخارج بسور، وصور المراكب والجمال في خليج أبوظبي، وصور الخيول الخاصة بالشيخ زايد، والفرس الذي أهداه شريف مكة للشيخ زايد.

وكتب بورخارت في مذكراته بتاريخ 7 فبراير/شباط 1904 "في عصر هذا اليوم قمت بتصوير الشيخ زايد في المجلس وكذلك قمت بتصوير أجمل فرس لديه".

ولم يسمح لبورخارت أن يصور في دبي التي وصلها في 11 فبراير/شباط على الرغم من أنه نال جميع حقوق الضيافة واحتياجات إقامته، وذلك بعد تقديمه رسالة التعريف التي قام بكتابتها له الشيخ زايد بن خليفة حاكم أبوظبي.

ومن الامارات إلى عمان حيث صور بورخارت الكثير من الصور لمسقط من الداخل والخارج، فهناك مسقط من خلال منظر عام لقصر الإمام من الخور وعائلة من صيادي السمك في خور سيفة الحجاج، ومنظر عام لخور سيفة الحجاج (خور مالكوم) ثم منظر عام لمسقط من البحر ثم منظر عام لها من ظاهر سورها وآخر للمدينة وسورها من البر، ومنظر لقصر الإمام ـ سلطان مسقط وزنجبار ـ من جهة البر.