هرتلة التوريث وحرفية عالي الهمة

بقلم: محمد طعيمة

مجدداً، تحرك جمال مبارك كشريك بالحكم، مع "بشارة" من رجل الأعمال إبراهيم كامل بأنه المرشح للرئاسة إذا تنازل الأب. وخلافاً لتصريحات مماثلة، لم ينف أحد من الحرس القديم "بشارة كامل".
بين الحرسين القديم والجديد فارق جوهري، لا علاقة له بنزاهة شخصية أو سياسية. شخصيات الأول "أبناء دولة"، يدركون أنه لكي تجد دولة تستغلها، يجب أن تحافظ على حد أدنى لتماسكها، ولكي تجد شعباً تستبد به.. لا يجب أن تحطم عظامه أو تحلبه حتى يدر دماً. شخصيات الثاني يشعرونك أنهم، نفسياً، موقنون بأن التوريث مستحيل. ينهبون بفجاجة وهرولة الهواة، يحلبون العنزة.. حتى الدم.
لست أُفاضل بينهم، فقط أحاول فهم الانهيار التدريجي لكل شيء منذ مشاركة "جمال وشلته" في صنع القرار قبل عشر سنوات. في حوار معنا، أكتوبر 2007، سخر من قيل إنه "أنتيم جمال"، د.محمد كمال أمين تثقيف الحزب الوطني، من مفردة التوريث: "هذا سيناريو وهمي، لو كان موجوداً.. فمن الغباء الشديد أن يُطرح بهذا الشكل".
توصيف دقيق، حتى لو كان مراوغة.. أو تقية. كل أنظمتنا العربية مُستبدة، تتداخل فيها الثروة مع السلطة. كلها تؤمم أو تُحجم "السياسة"، والفروق بينها نسبية. المدهش أن الأداء الأسوأ، في كل سلبياتها، بالقاهرة وحدها. خارجها، تظل سوءات أنظمتنا "محكومة" بسياقات واضحة. مع لبنات التوريث الأولى، رفع جمال شعار الإصلاح "المدني"، عبر حصان طروادته العلني.. لجنة السياسات. ورغم تمتعها بكفاءات سياسية لم تتوفر لتنظيم آخر، إلا أن الدماغ التي تقود اللعبة وتنتقي الحلفاء، لم تكن مؤهلة لترى أبعد مما تحت قدميها، فكان طبيعيا أن يتم تحجيم من لديهم قدرات سياسية حقيقية.. لصالح من يجيد التملق. تدريجياً بدأت تتفجر فضائح أفرزتها طبيعة اللجنة، لنرى نائب عبارة الموت، وآخر متهم بقتل سوزان تميم.. وباستغلال نفوذه للفوز بأرض "مدينتي" ليُضيع علينا 300 مليار جنيه في صفقة واحدة، ونائب قمار.. ونائب نقوط.. ونائبان زورا عقداً لبيع المعبد اليهودي، ووزراء/رجال أعمال يُسخرون مؤسسات الدولة لمصلحتهم.. هم وعائلاتهم. "طبيعة" اللجنة انعكست على باقي الدوائر، لنعايش تفشياً لفساد وفوضى و"لا كفاءة سياسية".. تُدمر أي دولة، أيا كان شكل نظامها السياسي.
عربياً، وعلى شاطئ الأطلسي نجد نموذجاً "محترفاً" للتوريث السياسي، ولأن الحكم محسوم للعائلة الملكية، فالمتاح هو رئاسة الحكومة المغربية. شارك فؤاد عالي الهمة في تصفية ملفات المعتقلين والمُختفين قسرياً في عهد الملك الحسن، وتعويضهم وأهلهم عن "سنوات الرماد"، ثم استقال قبل أربع سنوات من منصبه كوزير للداخلية ليخوض انتخابات البرلمان في سبتمبر 2007. بعد عدة أشهر، كان فؤاد، الصديق الأقرب للملك الحالي، يُشكل حركة سياسية، ستصبح حزب "الأصالة والمعاصرة". المؤكد أنه لا ديمقراطية بالمغرب، فقط ملعب سياسي محكوم، ضمنه أكثر من حزب للإخوان. ما يهمنا هنا هو احترافية الأداء داخل الدولة.. حتى التسلطي منها. كما جمال مبارك، رفع فؤاد شعارات "مدنية"، الفارق أنه ضبط عليها فعلاً اختيار عناصر حزبه، الذي اتهم بأن هدفه، بعد الحكومة، هو تحجيم وجود الإخوان، ليتراجع تمثيلهم للنصف مع آخر انتخابات برلمانية. لم تكن انتخابات وفق الديمقراطية الغربية، لكنها لم تُزور كما عندنا بفُجر، فأتت النتائج معبرة عن القدرات الحقيقية للاعبين. "الأصالة" في مقدمة الفائزين بمجلس المستشارين، نظير الشورى المصري، بـ22 من بين 90 هي كل مقاعده، لم "يحتكر" اللعبة. نعم، تطايرت اتهامات بشراء الأصوات، لكنها طالت الكل.. من فؤاد للإخوان. يبدو أداء فؤاد البرلماني شبيها بأداء د.زكريا عزمي في مصر، دائم الانتقاد للفساد والمحسوبية، ويُضاف إليه طرد حزبه لأعضاء متهمين بـ"شُبهات" اتجار بالمخدرات أو باستغلال النفوذ، مع تعهد بالتطهير المستمر. والأهم.. "رؤيته القومية" بانتخاب أحد مؤسسي جبهة البوليساريو، محمد الشيخ بيد الله، لأمانته العامة.
كومة اتهامات طالت عناصر السياسات، ولم يُطرد أحد. ذروتها نفوذ أحمد عز كنموذج فج لتزاوج الثروة بالسلطة، واستفادته منها في مضاعفة ثروته مرات ومرات، في سنوات قليلة.
قبل ستة أشهر، كان هناك "كلام" معي للمشاركة في تأسيس جريدة بعُمان، وانتهى المشروع. وقتها، أعدت قراءة رائعة صنع الله إبراهيم "وردة"، وعملت "سيرش" باسم المالك. كانت النتيجة مبهرة، ليس عنه.. بل عن أبيه. احتاج الشيخ سعود بهوان لـ58 عاماً ليراكم ثروته.. في دولة نفطية. سعود بدأ "صبياً" على قارب بضائع، وقبل 30 عاما دخل عالم الشركات الكبيرة، ورحل أغسطس 2008 تاركاً إحدى أكبر المؤسسات الاقتصادية في بلده. بالطبع، لم يكن معارضاً للنظام، فالسياسة مُؤممة بالسلطنة. ما أدهشني، ليس سيرته الحسنة.. حتى من أصدقاء عُمانين مقيمين بالخارج، بل حجم و"نوعية" تبرعاته، في دولة وفرت بنية تحتية وخدمية ممتازة لشعبها. تبرع ببناء مدينة أيتام متكاملة، إعاشة وتعليم وتأهيل. شبكة من عشرة مراكز للمعوقين، ومركز لرعاية وتأهيل المكفوفين، ومركز طبي لأمراض القلب والسرطان، تبرعه يبدأ بثمن الأرض حتى نفقات التسيير مستقبلاً. وأيضاً، رواتب شهرية إضافية لـ"كل" أسر الضمان الاجتماعي، ومصروف يومي لكل تلميذ محتاج بالسلطنة، ومد كل مدارسها بمكيفات هواء ومبردات ماء، والتكفل ببعثات تعليمية خارجية لمئات الطلبة، وتبرعات سخية للجامعات الخاصة، آخرها "نزوى"، وبناء وتجهيز 8500 منزل لذوي الدخل المحدود.
هكذا، من المحيط للخليج، لاعبون لصالح أنظمتهم، وأغنياء مقربون منها. لكن الفارق كبير بين الحرفية والهرتلة، حتى على هذا المستوى، قارنهم مع كفاءة أداء جمال السياسي، ومع أساليب جمع حليفه أحمد عز لثروته.. أو توظيفه لها، حينها ستفهم لماذا وصلنا.. إلى الانهيار. محمد طعيمة m.taima.4@gmail.com