هذا هو المالكي

هل نصبت قناة فرانس 24 فخاً لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حين استدرجته بحياد مهني مقصود إلى المنطقة التي وجد فيها نفسه مضطرا إلى الاعتراف بطائفيته؟

كان في إمكانه أن يظهر باعتباره رجل دولة مسؤولاً في مرحلة حساسة من تاريخ العراق المعاصر، يكاد فيها مفهوم العراق الموحد والمستقل أن يذهب إلى العدم.

كان في إمكانه أن يستقوي بضعفه وهو الذي استلم بلداً مهدماً في مواجهة الارهاب، فيستغيث بأخوته العرب في الدول المجاورة للعراق من أجل أن يقفوا معه.

كان في إمكانه أن يتخذ من الوحدة الوطنية شعارا يُلهم الشعب من خلاله شيئا من الصبر والقوة في مواجهة عدو مشترك، قرر أن يهدم البيت العراقي على ساكنيه.

غير أن المالكي كان قد استجاب ببلاهة إلى كل ما كانت القناة الفرنسية تعرفه مسبقا وارادت أن تعرضه علناً. كان الرجل المريض بطائفيته الحزبية الضيقة صيداً سهلاً. لقد اعترف الرجل بحقيقة ما يدعيه في فهمه لمنصبه ووظيفته: رجل الشيعة في الحكم. كان مصرا على أن يصنف جزءا من الشعب العراقي باعتبارهم سنة. الطرف الآخر المهمَش والمستبعَد والرافض لعزلته.

لقد قدم الرجل نفسه باعتباره زعيما للشيعة، بطلهم الذي يقف في مواجهة السنة. وهو الوصف الذي لا ينسجم مع وظيفته رئيسا لحكومة بلد، مواطنوه ليسوا من مذهب أو ملة أو عرق واحد، غير أن ذلك التنوع لم يقف يوماً ما حائلاً بينهم وبين عراقيتهم.

وهو ما لم يفهمه المالكي حين أفصح وبطريقة بليدة عن تحجر عقائدي، لم يكن ينسجم مع تجربة حكم امتدت ثماني سنوات، كان المالكي أثناءها قد تنقل بين عواصم العالم، ورأى بعينيه، كما يُفترض ما يعيشه العالم من تحول عميق في مفهوم الهوية التي غادرت القبيلة والحزب والطائفة والعرق إلى آفاق عالمية مفتوحة.

غير أن المالكي، بالرغم من سنواته الثماني في الحكم بدا في ذلك اللقاء كما لو أنه قادم لتوه من أسواق حي السيدة زينب بدمشق، رجلا يصنف العالم بمقياس الولاء لآل البيت. وهو مقياس تاريخي صار مضحكاً، في خضم ما شهده العالم من تحولات فكرية واجتماعية.

كان المالكي وهو يتحدث عن السنة رجلاً ماضوياً لا علاقة له بالعصر الحديث.

فهل كان في نية القناة الفرنسية أن تقدم برنامجا بعنوان "هذا هو المالكي"؟

لا اعتقد أن القناة كانت تمهد لدعاية انتخابية مضادة، غير أن ذلك هو ما حدث.

وإذا ما كان الرجل قد سعى في نهاية اللقاء إلى أن يبدو متماسكاً، فانه لم يخف أن ثقته في الفوز بولاية ثالثة انما تقوم على وهم حمايته لأتباع مذهبه، وهي فكرة طائفيته ليس لها ما يسندها في الواقع.

لم يكن لديه ما يقوله عما أنجزنه حكومته على مستوى اعمار ما دمرته الحروب. بدا غير مكترث بملفات الفساد التي تراكمت أثناء حقبته. حمل الآخرين مسؤولية المجازر اليومية التي صار فقراء العراقيين مادة دعائية لها ولم يعترف بعجز أجهزته الأمنية التي أنفقت عليها مليارات الدولارات من أموال الشعب عن حماية أرواح العراقيين.

بدا في تشبثه بالحكم رجلاً وحيداً يقف في مواجهة الجميع، قابضا بيده على الرقم السري الذي تفتح عن طريقه خزائن الآخرة أمام أتباع المذهب. وكأنه لا يملك سوى تلك الخرافة الساذجة التي جعلته يسيطر في مرحلة ما على عقول البسطاء من العراقيين.

في حقيقته فان تشبث المالكي في الحكم انما هو محاولة لطمس معالم الجريمة التي ارتكبت في حق العراقيين طوال ثماني سنوات من القتل والنهب والترهيب والتمزق وردم حقائق العيش المشترك بمعول الهدم الطائفي.

إن جل ما صار يخشاه الرجل أن تتاح الفرصة للعراقيين لكي يراجعوا حقبته، وهي الحقبة التي كانت أشد الحقب سواداً في تاريخهم المعاصر. يومها لن يفلت من العقاب العادل.