هذا ما جنته الحالة العونية على لبنان

في الأصل؛ نشأت الحالة العونية حالة سيادية –بغض النظر عن التهور والرهانات الخاطئة-. مؤسس هذه الحالة، وتحت عناوين سيادية، زرع في جماعته كثيراً من النزعات الخاطئة، وقادهم إلى كثير من المواجهات التي جنت على لبنان عموماً والمجتمع المسيحي خصوصاً، ومع ذلك ظل مؤيدو ميشال عون، -وتحت العناوين السيادية إياها- مخلصين له، طيلة فترة نفيه، فأسسوا "التيار الوطني الحر"، وتحمّلوا عبء مواجهتهم النظام السوري طيلة 15 سنة قضاها قائدهم في المنفى (1990-2005).

مسؤولية القائد

بعد عودته من المنفى (7/5/2005)؛ شق ميشال عون مساراً انقلابياً على الأسس والمبادئ والمواقف التي واظب عليها طيلة أكثر من عقدين، ومع الوقت تحوّل إلى خصم شرس للقوى الاستقلالية. باع عون جماعته "أماناً" ونفوذاً حصل عليه جراء تحالفه مع "حزب الله" (6/2/2006)، وصرف – بالمقابل- تراكم الغضب الذي أصابهم خلال سنيّ الوصاية السورية باتجاه خصوم "حزب الله"، ومع تبادل السجالات والمعارك السياسية تحوّل الغضب إلى حقد أعمى!.

في واقع الحال؛ فإن الشعور بالظلم والتعلق بالقائد باعتباره المنقذ؛ يدفع الأتباع إلى تقبل خيارات يلفظها التفكير الهادئ، لكن عون أضاف إلى ذلك سلوكيات تأثرت بها جماعته، حتى صار يغلب على المقربين منه: الانفعال، وتنزيه الذات، واستشعار المظلومية الدائمة، وإعلاء المصالح الذاتية... وهي صفات طبعت المسيرة السياسية لـ "الجنرال" ميشال عون.

لقد صنع عون –دون أدنى مبالغة- حالة شعبية مأزومة في لبنان؛ تخشى على وجودها من فرط التخويف الدائم لها من الأخطار الحقيقية والموهومة، وتكره الآخر (عنصرياً وطائفياً) من شدة تحميله خطايا اقترفها أو لم يقترفها، وتعاني من أزمة ذاتية لأنها عاكست الوجدان المسيحي بسيرها اضطراراً وراء "حزب الله"، ولأنها عاكست نفسها (مبادئها وشعاراتها) جراء رغبتها في "عودة الحق إلى أصحابه".

ليس قليلاً أبداً أن يبلع ميشال عون مواقفه وتحركاته السابقة- بما فيها ذهابه إلى "الكونغرس" الأميركي للتحريض على معاقبة سوريا و"حزب الله"-، وأن يصبح بدلاً من ذلك ممثلاً للمشروع الإيراني في لبنان ولدى مسيحيي الشرق. ليس هيناً أبداً أن يتقبّل جمهوره نسف ما ورد في الكتاب البرتقالي (وثيقة التيار في العام 2005) والإتيان بعكسه، وأن يتلفظ ممثلوهم بهذا الكم من المواقف "المتطرفة". إنه الشعور بالمظلومية التي يغذيها عون لدى جماعته كل يوم، والتي حولتها الأيام إلى كراهية للغير؛ كراهية غير اللبناني (الفلسطيني والسوري تحديداً) باعتباره؛ سبب الأزمات، و"خطراً ديموغرافياً". وكراهية غير المسيحي باعتباره خصماً؛ مع التمييز بين كراهية مكتومة للشيعي المسلح والمستقوى به، وكراهية معلنة للسني المستقوى عليه، وكراهية للدرزي "سارق أجراس الكنائس". وكراهية للمسيحي من غير التيار المنزَّه، باعتباره "مجرماً" وتابعاً لـ "تيار الفساد والاستئثار"! هذا هو حال العونيين الأقحاح (وليس كامل الجمهور العريض للتيار) بلا قفازات لو شئنا الدقة.

ما جنته الحالة العونية على لبنان

فضلاً عن الحالة المأزومة التي صنعها عون في العقد الاجتماعي اللبناني، فهو المسؤول الأول -في السياسة- عن إعاقة المسيرة الاستقلالية، وإفساد اللحظة الجامعة في 14 شباط 2005. لا يمكن تحميل المسؤولية في ذلك لـ "حزب الله" فقط، فالحزب وضع نفسه منذ البداية في الخندق المقابل، لكن رقص ميشال عون على إيقاع الحزب هو الذي قلب التوازنات. لا داعي في هذا المجال أن نفصّل كيف تحول عون إلى غطاء مسيحي للمشروع الإيراني لدرجة طرحه سؤالاً مضحكاً مبكياً: "هل رأى أي لبناني عناصر من الحرس الثوري في لبنان؟ (19/9/2012). لا ضرورة للتفصيل كيف حول عون نفسه غطاءً للمشتبه بهم المطلوبين للمحكمة الدولية، بعد سنوات من محاولاته إعاقة ولادة هذه المحكمة. لا داعي للتفصيل أيضاً في "مآثر" عون في توتير الساحة المسيحية والمزايدة في الدفاع عنها لدرجة دفعت الاستقلاليين فيها إلى الموافقة على قانون طائفي بامتياز. لا داعي للذهاب بعيداً في الزمن لمعرفة كيف يغير عون في الكتاب لقاء قفزة في مشروع حلمه، يكفي فقط أن نقرأ في الكتاب البرتقالي (2005) عن "تجريد كافة الميليشيات من أسلحتها" وأنه "بعد الانسحاب الإسرائيلي تلاشت مشروعية العمل المسلح لحزب الله، فخلق أزمة على الصعيدين الوطني والدولي"... ثم نسمع عون قبل أيام –في تعليقه على حادثة عرسال- يتحدث عن أهمية السلاح المقاوم، وعن طهارته، وأنه "لا يخطف ولا يقتل"، خلافاً لـ "سلاح الإرهاب"!.

أي ثمن يمكن أن يُكافئ به عون، من قبل حلفاء اليوم أعداء الأمس، يبقى قليلاً على ما قدّمه لهم. وأي غضب تجاهه جراء ما جناه على "الحلم اللبناني" يبقى قليلاً، يكفي – ومن باب الحرص على أدبيات التعبير- أن نقول لولا ميشال عون لكنّا في غير حال اليوم. لا سامح الله من فعل هذا بنا.

عون على خط التوتر السني-الشيعي

مضافاً إلى ما سبق كله؛ ثمة خطْب جديد بدأ يصيب البلد من الحالة العونية إياها، جراء دخولها على خط التوتر السني-الشيعي المتزايد في لبنان والعالم الإسلامي. ثمة شعور في الشارع السني اليوم أن ما تقوم به الحالة العونية – مما يُعتبر استهدافاً للسنة- هو بالضبط ما يريده "حزب الله"، وأنه أحياناً يتناغم مع الحالة العونية في الخطاب، وأنه في أحيان أخرى يترك لحليفه العوني أن يقول ويفعل ما لا يريد أن يفعله أو يقوله الحزب بنفسه علناً.

الأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وعلى سبيل المثال؛ الموقف من "الربيع العربي" وتحديداً الثورة في سوريا (تناغم في المواقف ولكن ينفرد عون في التخويف من الأصولية الإسلامية)، والموقف من سلاح "حزب الله" ومشروعيته في مقابل سلاح الآخرين (تناغم في المواقف وتوزيع للأدوار)، والمواقف غير المتجانسة من مسألة الاعتداء على الجيش اللبناني (تطابق كامل في المواقف).

وبما أن عون يحرّض منذ مدة على المكونين الرئيسيين في الشارع السني؛ تيار "المستقبل" والإسلاميين، وبما أنه الحليف الإستراتيجي لـ "حزب الله"، وبما أن الطرفين على خصام مع الغالبية العظمى من الجمهور السني، فقد بات صعباً فصل زيت عون عن نار التوتر السني- الشيعي... وحادثة عرسال الأخيرة أكبر شاهد، إذ يبدو – في الوجدان السني- وكأن "حزب الله" دفع مخابرات الجيش باتجاه إعدام ناشط مع الثورة السورية من أهل البلدة، فيما يريد عون زج الجيش كله في مواجهة مع العرساليين كلهم، عقاباً لهم على خيارهم السياسي. مهما قيل في هذا المجال عن براءة "حزب الله" وتجرد العونيين في محبتهم لجيش الوطن يبقى هراء أمام اعتقاد بات راسخاً لدى طائفة كاملة (السنة) أنها مستهدفة برموزها وخياراتها... ووجودها.

بكل أسف؛ فإن عون يلعب في هذه الدائرة الخطرة؛ فتارة يحرض على أهل عرسال، وينشر إعلامه معلومات وأفلاماً مجتزأة لتضليل الرأي العام وتخويف المسيحيين، وتارة يربط بين عاصمة الشمال والتكفيريين (على سبيل المثال: عون: "الأصوليّة التكفيريّة أصبحت معشعشة شمال لبنان" 29/12/2012- إبراهيم كنعان: "الوضع في طرابلس ليس وضع قبول الآخر ونتمنى أن يعود أبناء طرابلس إلى أساس المعادلة اللبنانية التي هي مساحة مشتركة بين الكل" 9/2/2013)، وتارة يزعم عون محاولة لاغتياله في صيدا... فضلاً عن الاستهزاء المتواصل بالرئيس سعد الحريري، والافتراء الدائم على الإسلاميين في لبنان... حتى يبدو المشهد – عن حق أو غير حق- وكأن عون مكلف بمهاجمة طائفة وإخضاعها عوضاً عن سواه، الأمر الذي يكاد ينقل البلد من حالة "الحرب الباردة" التي يعيشها راهناً إلى حالة حرب نارية لا تحمد عقباها.

هل يستدرك "حزب الله" سلوكيات عون أم أنه يريدها ولو أوصلت إلى تقاتل اللبنانيين داخل الأراضي اللبنانية كما يتقاتلون اليوم خارجها هناك في سوريا؟