هذا ليس حلما 'قومجيا'، انه شرط للبقاء

بقلم: فيصل جلول

هل يعيش العرب في فضاء واحد؟ الجواب البديهي هو انهم يعيشون فعلا في فضاء ثقافي وتاريخي واحد. يدرسون في مدارسهم الحطيئة وتأبط شرا والمتنبي.. الخ والمعتزلة والغزالي وابن رشد وابن الهيثم وابن خلدون..الخ وعصور الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين والدويلات والعثمانيين والفترة الكولونيالية الى حقبة ما يسمى بالاستقلال الوطني. ويتكلم العرب لغة واحدة وان تفرعت منها لهجات محكية وينتظمون في جامعة عربية. ويمكن لعربي من نواكشوط أن يبدأ بلفظ شطر شعري من السهل ان يكمل عجزه عربي من بيروت. كما يمكن لعربي من صنعاء أن يضبط قواعد اللغة في نص كتبه عربي من الرباط أو العكس.وإن رددت عربية من القاهرة مطلعا لاغنية شعبية معروفة اكملت عربية من مسقط باقي الاغنية دون صعوبة تذكر. وإذا ما صاحت عربية من القدس "وامعتصماه" فهمت عربيات من الجزائر وابوظبي وعمان والبحرين وجيبوتي والرياض وتونس والخرطوم المعنى ورددن صداه. ويؤمن اكثر من 90 بالمئة منهم بالله الواحد الاحد و بقرآنه الكريم وبرسوله العربي الاكرم خاتم النبيين ويتوجهون يوميا في صلاتهم نحو الكعبة الشريفة.
اما مرجعيتهم الاجتماعية فهي غير معقدة ومازالت ماثلة حتى اليوم في المجتمع اليمني الموزع على أغلبية قحطانية كاسحة واقلية عدنانية معتبرة وبين الفئتين تندرج فئات عديدة اندمجت في المجتمع العربي على قاعدة تلك المرجعية ومنها من اندمج بواسطة اللغة من غير المسلمين ومنها من اندمج بواسطة الاسلام من غير الاثنية العربية.
ولا يقتصر فضاء العرب الموحد على الاجتماع تحت راية الاسلام والثقافة العربية الجامعة والتاريخ الواحد فهم أيضا يعيشون في فضاء جغرافي واحد تتصل اطرافه ببعضها البعض وتحد بعضها البعض برا وبحرا وجوا وإذ يقبع الكيان الصهيوني في قلب جغرافيتهم المتصلة يجمع العرب بما في ذلك المسالمون منهم على العداء الظاهر او المضمر لهذا الكيان ويرفضون الخضوع له ويقاتله بعضهم بشراسة وجودية.وعلى الرغم من تفرقهم وتنابذهم واحترابهم ما زال بوسع العرب تعيين ممثل عنهم كمجموعة واحدة في مجلس الامن الدولي وفي المنظمات المتفرعة عن الامم المتحدة.
ولم يسمح العرب رغم ضعفهم بانتشار الدعوات التي تمس صميم وجودهم وتستهدف تاريخهم فقد انهارت المشاريع الايديولوجية المتوسطية والفرعونية والفينيقية التي اريد لها ان تكون بديلا للانتماء العربي بعد سنوات معدودة على اطلاقها ورمي الداعون اليها باتهامات سلبية شتى حتى باتت تلك المشاريع اثرا بعد عين ولا يجرؤ اليوم داعية واحد في العالم العربي على الجهر بها تحت طائلة الانعزال والاتهام بالغرضية والتزام الصمت القاتل.
والبادي أن الانتماء الى الفضاء العربي ليس تفصيلا يمكن تجاوزه وهذا ما نلمسه بوضوح في تجارب واختبارات قاسية مرت وتمر بها بعض الدول العربية ولعل من المفيد الاشارة الى قول ورد في سياق القمة العربية الاخيرة في دمشق على لسان السيد عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية الوافد في اصوله من جنوب العراق والمصنف حزبه في قائمة التنظيمات العاملة مع الاحتلال الاميركي فقد اكد في خطاب علني وفي رد ضمني على الاتهامات بتعجيم العراق فقال ما معناه: العراق يعرب ولا يستعجم. وفي حديث آخر لمتعاون آخر هو السيد موفق الربيعي ورد حرفيا "..العراق، واقولها بملء فمي هو جزء مهم من الامة العربية ولا يمكن ان ينفصل عنها، لا يمكن، انا احساسي جزء من هذه الامة ولا يمكن ان اتمتع بغير هذا الاحساس". (ايلاف 23-4-2008) وإذا كان هذا لسان حال المتعاونين مع الاحتلال بغض النظر عن الغرض مما يقولون فما بالك بلسان حال المقاومين العراقيين بالسلاح والممانعة؟
ليست هذه الاحوال العربية "طوباوية" ولم يصنعها خيال "قومجي" حالم وليست صناعة بعثية او ناصرية فما صنعه البعث والناصرية هو مشاريع سياسية نهضت على تلك الاحوال واجتهدت في تفسيرها وتأطيرها تأطيرا ايديولوجيا له ما له وعليه ما عليه. وليست هذه الاشارات الى الفضاء العربي الواحد ضربا من مديح الذات ولا نوردها من أجل تفسير المفسر وشرح المشروح وانما لالقاء الضوء على واحد من الوجوه القاتمة لهذا الفضاء ويتمثل هذه الايام بقسم هام من العرب يعيش على حافة الجوع والمرض و الجهل والحرمان فيما يعيش قسم آخر في أعلى مراتب الثراء في العالم علما أن الثراء كما الحرمان الراهن هو من أثر الاسواق العالمية على العرب. بعبارة أخرى تصنع الاسواق العالمية ثراء قسم من العرب كما تصنع حرمان الغالبية الساحقة منهم والثابت ان أثر هذه الصناعة مستمر على هذا النحو منذ ثلاثة ارباع القرن تنهض من خلاله قلة من العرب و تعاني كثرتهم فهل من سبيل آخر وسيرورة أخرى؟ نعم وهو يقضي بادراك حقيقة قاهرة هي اننا كنا ومازلنا وسنظل عربا في فضاء واحد لاضمان فيه لفريق ناهض وسط بحر من الحرمان والفقر والجهل والجوع. فلا الدول الكبرى قادرة على حماية هذا الواقع ولا القوى الاقليمية مؤهلة لترسيخه الى الابد ناهيك عن أن كلفة الحماية من الخارج هي أكبر بما لا يقاس من كلفة حماية الثروة العربية عبر استثمار جزء منها في اعادة اعمار وتأهيل الفضاء العربي. ولا مبالغة في القول ان نذرا يسيرا من الثروة العربية يمكن ان يضع حدا للجهل والامية في العالم العربي ويوفر الخبز والحليب والسكن اللائق لكل العرب دون أن ينجم عن هذا الاستثمار تأثير يذكر على مكانة العرب الاغنياء ونمط وجودهم والمستقبل الراغد لذريتهم.
نعم هناك سبيل آخر للعيش المشترك في هذا الفضاء العربي الواسع ينطلق من الاتعاظ بمصير روما القديمة التي دمرها محيطها البائس والاتعاظ بمصير الاندلس التي دمرها ملوك الطوائف بسياساتهم الغبية وتحاقدهم وتكارههم واطماعهم وضيق افقهم بعد ان بذل العرب والمسلمون دماء زكية من اجل بنائها منارة متوهجة في محيط همجي. والاتعاظ بمثال بيروت التي توهمت النجاة على الضد من محيطها. إذا كان الحكم مستمدا من الحكمة واذا كان من لا حكمة له لا حكم له فان ابسط دواعي الحكمة تقول بان الفضاء العربي الواحد لا ينهض بغير التضامن بين عرب الثروة وعرب الحرمان. هذا ليس حلما "قومجيا"، انه شرط للبقاء. فيصل جلول