هذا الرجل.. محمد بن راشد آل مكتوم

بقلم: محمد الحمامصي

عقب عودتي من دبي حيث شاركت في مهرجان دبي الدولي للشعر، كتب مقالا قلت فيه بالحرف الواحد "أن دولة الإمارات دولة استثنائية في التاريخ العربي الحديث، دولة البناء والعمل والتأصيل لنهضة عربية تقوم على الأصيل من التراث الحضاري العربي الإسلامي ومواكبة للأصيل أيضا من التقدم العصري"، لم أكن أقصد من وراء ذلك تحية أو مجاملة، ولكن قصدت نقل واقع ملموس رأيته من خلال إقامتي في دبي لسبعة أيام، زرت خلالها أبو ظبي لمرة واحدة، وكان ما رأيت وما سمعت وما اكتشفته بتجوالي كافيا إلى قول ذلك.
إن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي خرج على العالم منذ يومين عبر شبكة الإنترنت ليجيب ليس على أسئلة الإعلاميين بل والمواطنين العاديين من أبناء وطنه والخاصة بالوضع الاقتصادي للإمارة وما يتردد من إصابته إصابة قوية قد تودي به، واستقبل الإعلام العربي والغربي خروجه استقبالا حافلا تصدر الصفحات الأولى للصحف، كونه كان صادقا وحكيما في ردوده ورؤاه وأبعاد نظرته المستقبلية، هذا الرجل هو نفسه الذي رأيته بدخل ويخرج متابعا فعاليات مهرجان دبي الدولي وكأنه مواطن عادي وليس رأس إمارة ونائب رئيس دولة، كان يدخل ويتابع ويصافح ويصفق، دون كلاب بوليسية تشمشم في المكان قبل دخوله أو بعده، دون حراسة مدججة بالسلاح، دون أن يحدث فزعا في جمهور هذه الندوة وتلك الأمسية.
الرجل يعرف قدره وقيمته لدى أهله ولدى الغرباء في إمارته وإمارات الاتحاد، هو صادق مع نفسه وأهله ومع الغرباء، لذا لم أدهش من خروجه، من كلامه الذي يكشف عن وعي واستنارة، لقد رأى أن نجاح دبي بل دولة الإمارات بكل إماراتها يشكل تهديدا لكيانات منافسة استغلت الأزمة الاقتصادية العالمية وما ألقت به من ظلال على اقتصاديات الدول الكبرى، لكي تنتقص من القوة الاقتصادية لدبي، هذا القوة التي تعمل على الأرض عبر مشروعات عملاقة واستقطاب ضخم لرؤوس الأموال.
لقد استوقفتني كثيرا تلك الكلمة التي أدعو مثقفينا للتوقف عندها كثيرا، والتي جاءت في سياق حديثه"نجاح العربي، سواء كان فرداً أو دولة أو مدينة أو شركة، ذنب لا يغتفر عند البعض، ويبدو أن البعض ينزعج من ولادة صورة عربية مغايرة لصورهم النمطية المشوهة للعربي والدولة العربية" هذه هي النقطة الجوهرية التي ينبغي التعامل معها، فالغرب لا يريد أن يعترف بأن العربي يمكنه أن ينجح، يمكنه أن يقيم دولة متحضرة، يمكنه أن يقدم نموذجا اقتصاديا قويا وناجحا، لا يريد أن يعترف بأن العربي يملك حضارة وثقافة وفكرا وإبداعا، ويملك كافة مقومات الاقتصاد القوي، ويملك العقول القادرة على التطوير والتجديد، وأنه قادر على الإنجاز والإضافة، وأن أصالته لو تمسك بها كانت حماية ووقاية وحصنا لقواه، ولكن للأسف النكبات التي توالت على الأمة من حروب وصراعات داخلية والهجمات الضارية ضدها غربيا أثرت تأثيرا سلبيا عليها ووضعتها موضع الهزيمة والانكسار.
إن هذه الصورة النمطية المشوهة للعربي في الغرب لابد أن نعترف أننا شركاء في صنعها واستمرارها، فلا تزال بين دولنا الدولة البوليسية القامعة للحريات، ولا يزال بين حكامنا حاكم ديكتاتوري، ولا يزال بين رجال أعمالنا من ينهبون أموال أهلهم وذويهم ويهربون بها إلى الغرب، ولا يزال بين مثقفين من لا يؤمنون بالحضارة العربية وتراثها ويعبدون كل ما ينتجه الغرب ويعيدون إنتاجه عربيا متهمين تراثنا بالتخلف والرجعية، دون قراءة حقيقية وناقدة، ولا تزال جل اقتصادياتنا تعتمد ما يمليه الغرب من سياسات حتى وإن كانت جلبت الخراب على كثير منها.
ولكن ما أحب أن ألفت النظر إليه حول مسألة الحملة ضد الإمارات ودبي على وجه الخصوص، وهو ما لم يعلنه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن أبسط شيء يتمتع به أي من حكام الإمارات العربية المتحدة السبعة هو الإخلاص، لذا كل منهم يعمل بتفان لصالح إمارته والإمارات مجتمعة، كل منهم أقام مجتمعا نموذجيا، مجتمعا كل أهله سواسية أمام القانون، مجتمعا آمنا سالما من الضغائن والأحقاد والفتن، الكل يعمل (ابن البلد والغريب)، والكل يأخذ حقه. محمد الحمامصي