هذا الإفراط القانوني في تنظيم حرِّية الصحافة!

بقلم: جواد البشيتي

في "المدينة الإعلامية الفاضلة"، التي لا تقع إلاَّ في الشطر الطوباوي، المثالي، من عقول البشر، نرى، بـ "العين الطوباوي المثالية"، الصحافيين والإعلاميين وسائر أهل الفكر والقلم، وعلى اختلاف وتباين مشاربهم، وتضاد مصالحهم، أو المصالح التي نذروا أقلامهم وألسنتهم للدفاع عنها، متَّحدين في جمعية (إعلامية) حرَّة، ديمقراطية، "يَحْكمون" من خلالها أنفسهم بأنفسهم، ويديرون شؤونهم المهنية، ويتولُّون هُم، لكونهم من "أهل مكة"، وأدرى، بالتالي، بشعابها، سن القوانين التي تُنظِّم عملهم ونشاطهم، وتتعيَّن فيها حقوقهم وواجباتهم، مشاركين، بالتالي، غيرهم من فئات المجتمع، في صناعة القانون العام، أصولاً وفروعاً، فيشفى المجتمع من مرض "الاغتراب القانوني"، الذي من أعراضه تنزيل القوانين تنزيلاً على المدعوين إلى التزامها ومراعاتها والتقيُّد بها.

إنَّ أحداً مِمَّن عانوا وقاسوا شظف العيش لا يمكنه التقليل من شأن "قطع الأرزاق"، فالتجربة، أي تجربة "قطع الأرزاق"، علَّمتهم أنَّ "قطع الأعناق" أهون من "قطع الأرزاق".

عندنا، أي في "المدينة الإعلامية العربية"، اضطَّر القابضون عليها، حجراً وبشراً؛ وإنْ ليس في الاضطِّرار فضيلة، إلى التصالح، ولو قليلاً، مع روح "العصر الإعلامي"، فأمسكوا عن الإمساك برقبة الصحافي الذي لا يُمْسِكَ لسانه، أو لا يُمْسِك عن النطق بالحقيقة، التي هي على وجه العموم عدوٌّ مبين لهم ولمصالحهم الشخصية والفئوية، فاقتصدوا في حبسه، أو ضربه، أو إيذائه جسدياً، أو شنقه، أو قتله، مولِّين وجوههم شطر وسائل وأساليب "حضارية" للإكراه والعقاب والردع.. ولـ "ترويض النفس"، فالصحافي تضطُّره طبيعة مهنته إلى أن يملك أكثر من غيره من "النفس الأمَّارة بالسوء"، والتي يستبدُّ بها "شيطان الحقيقة المتمرِّد العاتي".

تلك الوسائل والأساليب هي التي منها يخلقون "البنية التحتية" لما يسمُّونه "الرقابة الذاتية"، التي هي، وعلى ما علَّمتهم إيَّاه التجربة، خير وأكفأ وأجدى من "الرقابة الخارجية"، فـ "الدركي"، في "الرقابة الذاتية"، والتي يُجمِّلونها بتسمية "الحرِّية المسؤولة"، يبتني له مخفراً في النفوس، فتغدو هراوته الخفية على هيئة مداد تُكْتَبُ به النصوص، وكأنَّه خير دواء لداء "النفس الأمَّارة بالسوء".

إنَّه، أي الصحافي في "المدينة الإعلامية العربية"، التي لا تعرف من أغراض "الشِعْر الإعلامي" سوى المديح أو الهجاء، ما أن يُمْسِك بالقلم، الذي به علَّم الله الإنسان ما لم يَعْلَم، حتى ترتجف يده وأصابعه، ويستشعر بوطأة "الدركي الداخلي"، فيشرع يفاضِل بين "الغرام" و"الغرامة"، بين أن ينطق بالحقيقة التي يشدُّه إليها غرام صادق وبين أن ينطق بما يقيه شر "الغرامة"، فإنَّ عذاب الحقيقة كان غراماً.

إذا لم تكن "الغرامة المليونية" من نصيبه فلا بدَّ لها من أن تكون من نصيب الجريدة التي يعمل فيها، والتي لها الحق، عندئذٍ، في أن تُنْزِل به المكروه الأعظم، وهو "قطع الأرزاق"، لتكون في مأساته عِبْرة لأولي الألباب من زملائه، فالعقوبة التي لا تردع ليست بالعقوبة.

لقد نزل به (مع جريدته) المكروه الأعظم؛ لأنَّه يستحقه، فنفسه سوَّلت له أن يفتري إثماً إذ عميت عليه الأنباء، أو أصيب بعمى الألوان، فلم يميِّز "الأحمر" من "الأخضر" في الخطوط السياسية، فعمى إلى (أي ذهب إلى) تضليل الناس، والإضرار بالاقتصاد القومي، وتشويه صورة البلاد، والإساءة إلى العلاقة بين دولته والدول الأجنبية، واقتراف الانتقاد الذي يَعْدل الإثم.

"تضليل" الناس.. إنَّه إثم، لو تعلمون، لعظيم؛ فالصحافي الحر، الذي يكتب بقطرات دمه، ويضحي بالغالي والنفيس من أجل الوصول إلى الحقيقة وإظهارها، "يضلِّل" الرعية؛ لأنَّه يريهم من الكأس ذاته نصفه الفارغ، ويُفْسِد جهود "الإعلام الرسمي" لصنع "الرأي العام" بما يفيد في جعل ريح المجتمع تجري بما تشتهي سفينة الأرباب السياسيين للإعلام الرسمي؛ مع أنَّ تجربتهم تُقْنِع حتى الحجر بأنْ لا مُسْتَهْلِك لمنتجهم الإعلامي الرسمي إلاَّ هُم!

أنْ يتوفَّروا على حجب الحقائق عن الناس بذرائع شتَّى، وأن يسعوا، عبر إعلامهم الرسمي، في تعليم الرعية أنَّ 1+1=5 ، وأنَّ الجزء أكبر من الكل، وأنْ يستمروا في إكراه المجتمع الذي "نضج"، وبلغ "سن الرشد"، على ارتضاع وجهات نظرهم في كل شيء، فهذا كله، وهو غيض من فيض، ليس بالتضليل للناس؛ لأنَّ "الحقيقة" هي فحسب ما يُفكِّر فيه موسوليني الآن!

"الكلمة" يمكن أن يكون لها أثر الرصاصة (التي أصابت أو أخطأت الهدف). أمَّا في بلادنا الحصينة المنيعة، أكانت من فئة "المعتدلين" أم من فئة "الممانعين"، إنْ بقي من فَرْق نوعي بين الفئتين، فإنَّ لـ "الكلمة" أثر "قنبلة هيروشيما".

كلُّهم غيرة وحرص على الاقتصاد القومي؛ ولن يرحموا صحافياً يعتدي بلسانه، أو بقلمه، على هذا الاقتصاد؛ ولكن يحق لهم هم فحسب أن يستثمروا المال القومي في "وول ستريت"، أي بما يجعل جبال الاقتصاد القومي كالعهن المنفوش!

إنَّ نفسي الآن تسوِّل لي أن أجترح انتقاد المنزَّهين عن الانتقاد؛ ولكنَّ الدركي الذي في داخلي، والذي يطيب لي أن أسمية "الرقابة الذاتية"، أو حارِس "الحرِّية المسؤولة"، ينهاني قائلاً بهراوته: قِفْ!

لو سألْتَ القابضين على "المدينة الإعلامية العربية" أيَّهما أسوأ، إبليس أم "أسوأ" صحافي عربي ولدته أُمه، لأجابوكَ على البديهة قائلين: "إبليس، وهل يخفى الأمر؟!".

أجل، إبليس؛ ولكنهم يضربون صفحاً عن حقيقة أنَّ الله سمح حتى لإبليس بأن ينطق بما نطق، وبأن يعترض حتى على مشيئته، وبأن يعصي أمره له بالسجود لآدم، فلمَّا ظلَّ على عصيانه، وتمرُّده واستكباره، عاقبه الله؛ ولكن "عقاباً رحيماً"، فلم يقطع رأسه، ولم يهدر دمه، ولم يزجه في غياهب السجون؛ بل لبَّى له طلبه أن يمنحه الحرِّية في أن يُفْسِد، ويُجنِّد له أتباعاً، مُقدِّراً أنَّ في المؤمن من قوى الخير ما يكفيه شرور وساوس إبليس، ويُحْبِط سعي هذا الشيطان الأكبر (الذي في هذا السياق ليس الولايات المتحدة).

وكم نتمنى أن يتمثَّل حُكَّامنا "المعاني السياسية" في "قِصَّة إبليس"، فيقفون من "معارضيهم" و"المتمردين عليهم" موقفاً مشابهاً لموقف الله من إبليس؛ فَلْيُعامِل حُكَّامنا المعارضين لهم، والمتمرِّدين عليهم، والعاصين لأوامرهم، على أنَّهم "أبالسة"، فيَتْركون لهم "حرِّيَّة الإفساد (الفكري والسياسي)" في المجتمع "إلى يوم الوقت المعلوم"، فإذا مالَ إليهم مواطِن، و"اقترب من تلك الشجرة"، يعاقبونه؛ ولكن ليس بقطع رأسه، وإنَّما بـ "إهباطه" مِمَّا يعدُّونه "جنَّة" على الأرض. جواد البشيتي