هدية حسين تعزف على وتر الخوف في 'أن تخاف'

عقله ظل يقاوم ولم يتخرب وإلا لما وصل إلى هنا

يكاد يكون الخوف هو القاسم المشترك في كل أعمالها، والزمن واحد أيضاً، وهو التاريخ العراقي الذي رسمته الحروب وكتبته أدوات القمع، أما المكان فنفق مظلم وطويل خرجنا من نهايته إلى خيبة الأمل والحلم. إنه خوف قديم وكابوس مستمر تقتضبه هدية حسين إلى هاجس واحد تتمحور حوله حفنة أشرار عاثوا في الأرض فساداً. وخارج هذه الدائرة لا تجد هدية حسين بارقة أمل حتى من خلال علاقة الإنسان مع نفسه، والتي تتحول هي الأخرى إلى خراب في نهاية المطاف. نفضت يديها من كل شيء في روايتها الجديدة (أن تخاف)، التي تزين غلافها صورة معبرة عن هذا الخوف ألتقطتها الكاتبة بنفسها لشجرة قريبة من بيتها في هاملتون، وكأنها بلا وعيها حملت شمعتها المضيئة وبحثت عن صورة للخوف حتى وهي في غربتها في مكان ساحر وجميل قريب من شلالات نياغرا في كندا.

أهم ميزات الرواية بل قضيتها الرئيسة إنها تبدأ وتنتهي وهي تراجع علاقة الانسان مع نفسه من خلال جريمة قتل غامضة تروح ضحيتها أنغام عارف وتنتهي بتسجيلها ضد مجهول بتوجيه من الرجل المتنفذ جمعة عليان. هنا تبدأ محنة المحقق الحزبي زهير مراد مع نفسه بعد أن يتعرض إلى إهانة مسؤوله الأعلى في الحزب، ثم بسبب حادثة بسيطة ينتهي به المطاف الى مستشفى المجانين.

قبل ذلك المصير الأسود، تبدأ تحولات شخصية زهير بالاعتمال والتكون، ويراجع هذا المحقق الظالم هذا العالم المخيف من حوله، ليشعر فجأة بأن إنسانيته قد سلبت منه بعد تلك الإهانة. زهير مراد كان حلقة صغيرة في ماكينة القمع والاستبداد، وعمل لفترة طويلة على إدامتها ولم تكن صحوته سببها اقترابه من بعض خفايا الأمور، وإنما لأن مثل هذه الصحوات تحدث أحياناً في الحياة، وقد تكون جريمة أنغام عارف هي القشة التي قصمت ظهره وجعلته يعيش اغتراباً شديداً عما يحيط به من بشر ومنهم زوجته (سلمى) التي تصبح مصدراً مضافاً لغربته، والمفروض إن كون زهير مراد قد تجاوز الخمسين من العمر، وهو في هذه المهنة الخطرة، تجعله متآلفاً معها ومع نفسه، ولكن هدية حسين تبرر مبكراً هذا التحول المفاجئ الذي سيحدث في شخصيته بأن تجعل له اهتمامات أدبية وفكرية، وبأنه كان يتمنى لو أصبح كاتباً بوليسياً، بدلاً من الانتهاء في كار قريب من تلك الأمنية، يعمل فيه على حل الجرائم المستعصية.

إن انتقال الرواية إلى المأزق الأخلاقي لزهير مراد، أدخلنا في جو نفسي متشعب أتقنت هدية حسين الإمساك بخيوطه المتشابكة والتنقل بين مساراته، ولكنه جعل الرواية تنحرف عن قضية مقتل أنغام عارف وتبتعد عن إرواء فضول القارئ حول إشكاليات تلك الجريمة حتى وإن كانت قد سجلت ضد مجهول. أصبحت الرواية معنية بزهير مراد الذي فشل في معرفة القاتل فكان هذا سبباً آخر مضافاً إلى قائمة إحباطاته. سيتفاعل هذا الفشل مع تداعيات أخرى تؤدي إلى مقتل سائق ذلك المسؤول، فيشعر المحقق زهير مراد إنه محاصر بمؤامرة كبيرة تشل تفكيره ويده وتجعله ينهار في آخر المطاف.

عندما يخرج زهير مراد من مستشفى المجانين في هروب جماعي يكون زمنه الأخير قد حل، وهنا أيضاً سيكون زهير هو محور الحدث في اعتزاله الدنيا وحيداً داخل جدران بيته الموحش، فلا نعرف تفاصيل هذا الزمن الخارجي إلا من خلال الجيران. وبالرغم من إن الرواية لم تكشف عن هذا الزمن الأخير بوضوح تام، فإنه يمكننا أن نفترض بأنه الزمن الذي دارت فيها حرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت عام 1991. ومن الإعتيادي أن يتبادر هذا الافتراض إلى الذهن مع واقعة هروب المرضى من مستشفى المجانين بعد تلك الحرب. كما تصل القارئ بعض الإشارات إلى الحرب المقصودة بتلك التداعيات التي عصفت ببغداد وتركتها في حالة من الفوضى صاحبت فترة الحرب أو جرت في عقابيلها.

لقد كان الشغل الشاغل للرواية أن تجعل زهير مراد يتطهر من أدرانه أولاً، ثم يدفع ثمن أعماله الشيطانية التي استحقت الحساب بالرغم من إحساسه بالذنب تجاهها. وكان الثمن مضاعفاً مرة بدخوله مستشفى المجانين، ومرة أخرى بمقتله على أيدي مجهولين. وبين هذين المصيرين كان يدفع ثمناً آخر من تأنيب الضمير وسخريات القدر، فتبدو الرواية بالنتيجة قد جعلت الحساب فادحاً جداً وكابوسياً بامتياز لمن كان يتحول من إنسان إلى آخر وعقله ظل يقاوم ولم يتخرب تماما، إلا أن تلك التحولات لم تجعله بمنجى من الحساب في النهاية.

لغة الرواية سلسة جداً ومنسابة كجريان الماء المتدفق، وهذه ميزة من ميزات اللغة لدى هدية حسين بشكل عام، إلا إن ما يؤخذ على الرواية هو غياب وجهة نظر أخرى تتبنى موقفا مغايراً غير وجهة نظر الكاتبة. فقد أظهرت الروائية مساوئ زمن صعب تكالبت عليه شتى العوامل الخارجية المضافة إلى عوامل فشله الداخلية، وأبرزت مساوئ ذلك الزمان من خلال تقديمها الشخصيات التي كانت ضحايا ذلك الجانب الكابوسي ثم وضعها جميعاً في سلة واحدة. وفي الجانب الآخر من هذه المعادلة هناك الشياطين الذين ينتمي اليهم زهير مراد ثم يتمرد عليهم.. منظومتان لا يوجد بينهما حل وسط ولا طرف متفائل أو طرف ساخر مع اختفاء تام للصوت الجدلي أو لصوت المحامي الذي تنتدبه المحكمة عادة حتى للدفاع عن الشيطان، وإذا كان من الطبيعي أن يكون المنظار واحداً لا يتغير، فإن زاوية النظر من ذلك المنظار قد تتغير، مما يجعل التحشيد لوجهة نظر واحدة أمراً غير مبرر.

هذه تجربة جديدة لهدية حسين تتبنى الجو البوليسي للحكاية، بالإضافة إلى كونها تنتمي بجدارة إلى خانة أدب المحنة، أدب العراق الخارج من أتون المخاوف القديمة وهول الأحداث المريرة. ويالها من مهمة صعبة أن يخرج الكاتب منها بحكم محدد دون الحاجة الى توزيع أفكاره على ألسنة جميع الشخصيات.

يذكر أن رواية "أن تخاف" لهدية حسين صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2012.