هدية الشاعر جواد الحطاب للشعر

الآن لبغداد باب واحد

حين كتب أراغون في مقدمة ديوانه "أسبانيا في القلب" للشاعر بابلو نيرودا "إن الهدية التي يحملها هذا الديوان هي الرد البليغ للشعراء على أسطورة قاتمة تريد ان تجعل أورفيوس عاجزا عن الغناء في الجحيم، وأن تجعل الحروب والصراعات أقوى من عبقرية الإنسان، وأن تجعل العندليب يصمت عندما تريد النسور ذلك".

فما هي الهدية التي يحملها ديوان الحطاب "بروفايل للريح رسم جانبي للمطر" في العصر الذي سمي بأكثر العصور اضطرابا وبمرحلة أكثر تدهورا وبالإحساس الجمعي بالفاجعة بضياع وطن.

يتقدم الشاعر الفذ جواد الحطاب بديوانه "بروفايل للريح ... رسم جانبي للمطر" بنصوصه المحسوبة بدقه مشاركا نصب الحرية لجواد سليم، وكأنه يبني نصبا معماريا حين لجا إلى التعامل مع النصب كروح شاهدة للإحداث وهي تعصف بكل شيء، ولانه الإنساني بصورة هائلة جاء البروفايل كعمل متقن بضخامة حجم صانع الجواهر:

لا أجراس في عنقه

هو ... الثور السماوي

يرى ما لاتراه المدينة

تحت الضروع

يهُرب الرعاة

أصابع الديناميت

أدفعا لاشتباه العشب

صنع القدماء للثيران أجنحة

وفي انحسار للذائقة الشعرية بفعل عوامل معروفة يدفع الحطاب بها نحو الرقي مستخدما وسائطه التعبيرية فغدت المفردة همزة وصل وجسر تواصل مع أجزاء هذا النصب الشامخ وسحر المقاربات والتشبيهات القريبة:

تبرعت الأمهات بصراخهن إلى الحصان

فلا سلاسل تقييد الصهيل

من همسة آلاف سنة

يتوشح بالحياة

شعفاته: يا ماكان

وحوافره: الريح

إن الحيوية للنص تنبع من صخب الصور وغنى المفردات ولأنه يكتب بيد ثابتة يرتب أسماء أبواب بغداد لينتهي بباب الله الواسع:

لبغداد أربعة أبواب

باب كلوذا

باب الظفرية

باب السلطان

وباب الطلسم

الآن لبغداد باب واحد

باب الله

ولكي يكون الأدب نوعا من العصيان الدائم نأى البروفايل ان يدخل في نفق التقليد فربح خصوصيته وتفرده فحمل الشجن العميق الذي تمثل في الموقف تجاه الوجود الانساني القلق فتلمس حقيقة التلازم بين الشعر والحياة المصابة بالهزائم:

جثث نوافل

جثث غوافل

جثث زرقاء

جثث بنفسجية

جثث بلا جثث

ولان النصب هو جزء من الذاكرة الجمعية العراقية تنبثق النصوص مثل حركة في الاحشاء:

أيتها المرأة

لا ترمي القشة التي التي كنستها من ساحة التحرير

فهي من ذريتي

وفي روعة صياغة ينطلق بنا الحطاب حاملا النصب أمانة تاريخية منطلقا من أخيلة كبيرة وموضوعات مبتكرة لأول مره في تاريخ الشعر وكان البروفايل وثيقة وقعها كلا من سليم والحطاب، وكأنهما ينحتان نصبا جديدا فلم يلجأ الحطاب للرمز باعتباره أقوى أداة التلميح، لكن انفرد بصياغته والتي يكمن فيها السخط او التي تتجاوز السخط إلى السخرية المرة:

لن نعيدك للمحارة أيتها اللؤلؤة

فلا وريث لأفراحنا

نريد الحياة ان تكون تقليدا

مافائدة النياشين على ملابس القتلى

ولا مفر من التفكير بالحرب المميتة التي زعزعت كيان الإنسان هنا فهبط الى أعماق التاريخ واستل نصوصه منه:

بنهار مبتسم الكفين

عجنت رائحة ألجوري

: حناء

لحيطان المتحف الوطني

وتقيم في رقم الطين

بروفات تنقيب عن الآتين الشيء المؤكد ان هدية الحطاب للشعر هو بذلك التفرد والصياغات ووحدة القصد ولان الناس ناس وطنه حمل البروفايل انتفاضة عبقريته فكان له هذا المجد الشعري.