هدى المكي تصفع وجه العولمة

بقلم: أحمد فضل شبلول

ثماني حكايات من التراث العربي (المصري والمغربي) نقلتها عن جدتها الدكتورة هدى المكي، في كتابها الجديد "حكايات جدتي"، (138 صفحة من القطع الصغير) حيث كانت الجدة، ذات الحجم الصغير والوجه الأبيض الطيب الملامح، تجلس إلى أحفادها، وتمارس طقوسها اليومية بعد صلاة العصر، فتحضر موقدها اليدوي الصغير وصينية القهوة الفضية مع آنية البن المذهبة، وتقوم بصنع قهوتها في تأن واستمتاع. ثم تبدأ في رواية القصص والنوادر التي تجيدها للغاية وتجيد تمثيل شخوصها بخفة ظل متناهية.
وحسنا فعلت الأديبة الدكتورة هدى المكي بتسجيل هذه القصص والحكايات والنوادر في كتاب يحفظها من الضياع، أو النسيان، في ظل عولمة شرسة تريد اقتلاع الإنسان من تراثه وماضيه، فيصبح ريشة في مهب رياح الغرب الأمريكي، فيسهل التحكم فيه، وإخضاعه للنظام العالمي الجديد.
ومن هنا فقد اعتبرتُ ما فعلته الدكتورة هدى مهمة قومية رفيعة المستوى، بتسجيلها تلك الحكايات والقصص والنوادر بين دفتي كتاب مطبوع، خاصة إذا عرفنا أنها طبعت كتابها هذا على نفقتها الخاصة، الأمر الذي يدل على مدى إيمانها بضرورة الحفاظ على ذلك التراث، قبل أن يندثر ويضيع.
وأعتقد أن أي أديب أتيحت له فرصة الجلوس إلى جده وجدته، وسمع منهما قصصا وحكايات ونوادر وأمثولات .. الخ، مطالب الآن ـ وقبل أي وقت آخر ـ بتسجيل ما سمعه بين دفتي كتاب مطبوع. وإذا كان هناك مشروع لتسجيل الفلكلور المصري لدى الهيئة العامة لقصور الثقافة تحت مسمى "أطلس الفلكلور المصري" فإنني أدعو المسئولين عن هذا المشروع إلى الوقوف على تجربة د. هدى المكي في تسجيلها لحكايات جدتها كتابةً، وتوجيه الدعوة إلى الأدباء المماثلين لتسجيل حكايات أجدادهم، فربما نقف على عناصر جديدة في تراثنا العربي، وخاصة الجانب الذي نقدمه لأطفالنا من هذا التراث.
بطبيعة الحال هناك أجواء من ألف ليلة وليلة في هذه الحكايات، وخاصة فيما يتعلق بعالم السحر والسحرة، مثل حكاية أمير الجياد، (حيث الحصان المسحور الذي لا يشرب إلا ماء الورد ولا يأكل إلا اللوز المقشر، والذي من خلال السرد، يتضح أنه لم يكن سوى أمير مملكة الياقوت البحرية الذي سحرته ساحرة شريرة وحولته إلى هيئة حصان). وهناك حكاية الأمير سلمان وأميرة الجان.
كما أن هناك أجواء من حكايات كليلة ودمنة، حيث تتحدث الحيوانات والحشرات، ففي حكاية الخنفساء والفارس، تظن الخنفساء في نفسها الجمال والدلال، ويذكي غرورها مدح وتدليل أمها لها.
وهناك حكايات أسطورية تذكرنا بالأبطال الشعبيين من أمثال: أبو زيد الهلالي، والأميرة ذات الهمة، والظاهر بيبرس وغيرهم، ويبدو أن حكاية مجيدش التي ترويها الجدة تدور في هذا الفلك، فها هو البطل الشعبي مجيدش أحد الأخوة الثلاثة الذين تركهم والدهم ليحج إلى بيت الله الحرام، يصارع الغول، وينتصر عليه، بل يحرق بيته، بعد أن سكب الكيروسين، فأصبح بيت الغيلان كتلة من النيران المشتعلة. ويبدو أن حكاية مجيدش من أكثر الحكايات الشعبية والأسطورية انتشارا في الجزائر، فجدة الكاتبة لها أصول مغربية، إذ هاجرت أسرتها من الجزائر بعد احتلال الفرنسيين لها، فاختلطت الروايات المغربية التي ورثتها عن أبويها بحكايات الفلكلور المصري، فجاءت القصص مزيجا رائعا لاختلاط عناصر التراث العربي معا.
وهناك حكايات نظن أنها واقعية، سمعت عنها الجدة، إما في زمانها أو قبل ذلك، فصاغتها لأحفادها في قالب حكائي مشوق، مثل حكايات: العبد والفأر، والأبله، وأبو كاتارينا. في حكاية العبد والفأر، يقتل عبد فأرا فيظن أنه أنجز بذلك عملا بطوليا، فيحكي لزوجته عن إنجازه العظيم، فتصغر فعله، فيغضب عليها، ويطردها من بيته، وعندما تذهب إلى بيت أمها، تحكي لها ما حدث، فتتوجه الأم إلى بيت زوج ابنتها، وتبدي إعجابا وإكبارا لما فعله مع الفأر الضخم المخيف، فيسعد بذلك العبد، ويطلب من الأم أن تذهب وتعود بابنتها، لأنه صفح عنها، وهكذا استطاعت الأم بسياستها ولباقتها ودهائها مع شخص أبله مغرور أن تعيد الاستقرار إلى حياة ابنتها، وأن تكسب قلب زوج ابنتها إلى الأبد دون أن يكلفها الأمر شيئا. وتعلق الكاتبة على تلك الحكاية في النهاية بقولها: "ترى كم من الزوجات يحتجن إلى قراءة تلك القصة!". وبطبيعة الحال فإن تعليق الكاتبة على النص وتدخلها بهذه الطريقة، يتنافى مع طبيعة الفن، أو يحول العمل الفني إلى نوع من الوعظ والإرشاد. ولم يكن مطلوب منها على الإطلاق هذا التدخل، وأعتقد أن الجدة نفسها لم تقل هذا التعليق.
ولكن بعامة، أحسنت الكاتبة إعادة صياغة حكايات الجدة، ولكن من الواضح أنها تدخلت بقلمها في الصياغة، كما تدخلت بشرح بعض الكلمات التي قد تكون غامضة، أو كلمات محلية جزائرية، مثل قولها في حكاية الخنفساء والفارس: (يا فارس يا راكب فرسك يا مشنشن جرسك، أي من تدق جرسك عاليا). وظني أنها حافظت على روح العمل أو روح الحكاية، وطزاجتها التي أدهشت الكبار والصغار قديما. تقول الكاتبة في مقدمتها: "كانت رواياتها تعجب الصغار ويعشقها الكبار، فلا أنسى عماتي وهن يتسللن إلى الغرفة بحجج مختلفة حتى يسمعن أكبر قدر من الرواية أو يشاركن في أغنية أو يستمتعن بالضحكات".
والسؤال الذي يطرح نفسها هنا: كم جدة وكم أمًّا في عصرنا يستطعن أن يحكوا لأحفادهن أو لأبنائهن من حكايات التراث، أو حتى من الحكايات الواقعية؟ وإذا كن لديهن القدرة على الحكاية، فهل لديهن الوقت الكافي لهذا؟
من هنا أيضا تأتي أهمية تسجيل حكايات الجدات القديمة، لنحتفظ بها، لأن الجدات العصريات والأمهات الجديدات ليس لديهن القدرة ولا الوقت، للحكاية بأنفسهن، فلتكن هناك وسيلة أخرى، وهو ما فعلته بحب وصدق ورغبة حقيقية الدكتورة هدى المكي، وهو في ظني يمثل صفعة على وجه العولمة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية