هدنة ام فرصة للنصر؟ طرفا النزاع في سوريا يشتبكون ايام العيد

متى يرتاح المدنيون من لعلعة الرصاص؟

ربما أنقذت هدنة عيد الأضحى التي توسط فيها الأخضر الابراهيمي حياة سوريين الجمعة مع التقاط قوات الحكومة والمعارضة الأنفاس على عدة جبهات رغم إراقة دماء العشرات في العيد.

وربما لا تمثل انتهاكات وقف إطلاق النار التي شملت إطلاق نيران دبابات وتفجير سيارة ملغومة أمرا مفاجئا لمبعوث الأمم المتحدة الذي يخفي تشاؤمه منذ خلف كوفي انان قبل شهرين لاسيما وأن محاولتين سابقتين لانهاء الصراع خلال العام المنصرم تحولتا سريعا إلى مزيد من القتال المرير.

لكن أكثر ما قد يثير قلق الدبلوماسي الجزائري الذي طلب منه التوسط لانهاء صراع أثار الانقسام داخل الأمم المتحدة هو أن مقارنة هذه الهدنة بمحاولتي وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني وابريل/نيسان تظهر أن كلا الجانبين أقل استعدادا فيما يبدو للحوار الآن.

وقال جوشوا لانديس الخبير في الشأن السوري والأستاذ المشارك لدراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما "الإبراهيمي يواجه مهمة مستحيلة لان كلا الجانبين مازالا مقتنعين بأن بوسعهما الفوز وهما مصممان على انتهاز كل فرصة".

أما المعارض السوري فواز تلو الذي يعيش في المنفى بألمانيا فقال صراحة إن الوساطة التي تركز على تشكيل حكومة وحدة انتقالية ربما كانت ممكنة قبل عام لكنها أصبحت مستحيلة بعد كل إراقة الدماء هذه والصراع الطائفي.

لكن المبعوث الدولي ربما يسعى لايجاد مخرج اعتمادا على الضجر من الحرب.

وقال الابراهيمي الاسبوع الماضي "إذا كان الهدوء قد تحقق فعلا أثناء فترة العيد سنحاول البناء عليه وحتى إذا لم يحصل ذلك سنسعى لتحقيقه ونأمل بانفتاح طريق الإنفراج أمام الشعب السوري".

ولا يعطيه الاثنا عشر شهرا الماضية أسبابا تذكر للتفاؤل ففي أول أيام العيد من العام الماضي قتل 13 شخصا بنيران قوات الرئيس السوري بشار الأسد.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن أكثر من 150 شخصا قتلوا في أنحاء سوريا الجمعة.

وبين العيد الماضي والحالي انهار جهدان كبيران لإحلال السلام وانتشرت الضغينة ليس فحسب داخل سوريا حيث تقود الطائفية الدينية الخوف والكراهية ولكن في الخارج أيضا خاصة بين روسيا والقوى الغربية.

وقالت امرأة في بلدة سورية محاصرة قرب الحدود التركية متحدثة وسط دوي اطلاق النار والقصف الجمعة "نحن لا نحتفل بالعيد هنا. لا أحد في مزاج الاحتفال. الجميع سعداء لمجرد أنهم على قيد الحياة".

وضغطت الجامعة العربية على الرئيس السوري قبيل عيد الأضحى لقبول خطة للسلام ودعت إلى انهاء العنف ضد المتظاهرين الذين خرجوا للشوارع خلال انتفاضات الربيع العربي في أوائل 2011 وإلى اطلاق سراح المعتقلين.

لكن رغم وصول بضع عشرات من المراقبين العرب أواخر ديسمبر/كانون الاول لمراقبة الالتزام بالخطة فإنهم وجدوا أنفسهم غير قادرين على تغيير الكثير على الارض بل إنهم تعرضوا أنفسهم لمضايقات في بعض الاماكن خاصة من جانب انصار المعارضة الغاضبين من تردد الجامعة.

ورحل المراقبون العرب خلال اسابيع وجرى تكليف كوفي انان الامين العام السابق للامم المتحدة بمهمة مشتركة من المنظمة الدولية والجامعة العربية لمحاولة بذل مزيد من الجهد لانهاء الصراع.

وفي ابريل/نيسان وصف هدنة أعقبت ترويجه لخطة من ست نقاط بأنها "لحظة هدوء نادرة". لكن المعارضة التي تتكون من جماعات متباينة تزداد قوة منذ ذلك الحين كانت لديها شكوك عميقة.

وبعد أقل من أربعة أشهر استقال انان احباطا فيما يبدو مما وصفه "بتبادل الاتهامات والشتائم" بين القوى الكبرى في مجلس الأمن مع انتشار المذابح والفظائع في أنحاء سوريا.

وهذا الشلل الخارجي الذي يتناقض مع الهجوم السريع الذي أقرته الامم المتحدة وقاده حلف شمال الاطلسي على ليبيا العام الماضي لا يظهر أيضا دلائل تذكر على الانفراج بينما يحاول الإبراهيمي ايجاد طريق للمضي قدما فيما اعتبرها مسؤول غربي كبير واحد على الأقل "مهمة مستحيلة".

واحتشد مجلس الأمن وراء الدعوة لهدنة عيد الأضحى هذا الأسبوع. لكن روسيا والصين اللتين تعقدان العزم على منع أي سابقة أخرى للامم المتحدة لدعم الانتفاضات الشعبية عسكريا أوضحتا أنهما ستعارضان أي مسعى غربي لمحاولة إجبار الاسد على التنحي.

وفي حين يقدم حلفاء الولايات المتحدة في الخليج مساعدات سرية للمعارضين تحرص الحكومات الأجنبية عموما على عدم المشاركة بصورة أعمق في حرب تتجه إلى نتيجة فوضوية على ما يبدو.

وفي غضون ذلك تستمر معاناة 20 مليون سوري. وقالت الحكومة إنها ستتوقف عن اطلاق النار في العيد لكنها سترد اذا ما تعرضت للهجوم.

وألقت باللائمة على "إرهابيين" في انفجار سيارة ملغومة قتل ما لا يقل عن خمسة أشخاص قرب ملعب للاطفال في دمشق.

ويلقي أنصار المعارضة باللائمة على قوات الاسد في الانفجار الذي وقع بأحد معاقل المعارضة.

وقالت مجموعة من المعارضين قرب الحدود التركية إن قناصا قتل احد رجالهم الجمعة.

وقال باسل عيسى وهو قائد محلي للمعارضة "لا يوجد عيد بالنسبة لنا كمعارضين على الجبهة. العيد الوحيد الذي يمكننا أن نحتفل به هو التحرير".

ولعل هناك سابقة تاريخية لاستدعاء المشاعر الدينية لوقف مسيرة الحرب كما في "هدنة عيد الميلاد" الشهيرة بمنطقة الفلاندرز عام 1914 لكن لطالما أيضا كان الانشغال بعطلة دينية فرصة لشن هجوم مثلما حدث في هجوم التيت في فيتنام أو حرب السادس من أكتوبر /تشرين الأول ومثلما شوهد في المذابح التي أعقبت وقف اطلاق النار في الحرب العالمية الاولى فإن الهدوء الوجيز لا يشير الى السلام.

غير أن العيد يعطي الإبراهيمي فرصة لتذكير السوريين بأنه مازال نشيطا.

وقال جوشوا لادنيس "بعد انهيار مهمة انان قرر الإبراهيمي الضغط من أجل القاسم المشترك الأصغر وهو هدنة في العيد".

وأضاف "هو يعرف أن فرص النجاح متدنية للغاية. لكن جهوده وإن لم تكن ناجحة ربما ترفع معنويات السوريين بقدر بسيط إذ سيتأكدون من أن العالم لم ينساهم ولم ينس معاناتهم".

وأشار الناشط المعارض تلو إلى أن قوات الاسد تستخدم وقف إطلاق النار لأخذ راحة في بعض المناطق في حين تواصل الهجمات في أماكن أخرى وإن ضعف القيادة المركزية بين قوات المعارضة يضمن أن أي هدنة ستكون غير مكتملة.

وقال تلو إنه بالنسبة للإبراهيمي فإن وقف اطلاق النار يعد سبيلا لرؤية ما اذا كان الجانبان وخاصة النظام قد تعبا ويريدان أخذ استراحة مضيفا أنها بداية جيدة لانه ليس لديه خطة.

لكنه قال إن المفاوضات قد لا تنهي حربا يخوضها المعارضون وظهورهم للحائط إذ يخشون الموت أو السجن أو النفي مدى الحياة في اطار أي تسوية تترك السلطة في أيدي الاسد أو دولة تهيمن عليها حاليا الأقلية العلوية التي ينتمي إليها.

وقال ان الايراهيمي والامم المتحدة يحاولان فحسب دفع كل شيء الى النقطة التي يريدانها حيث المعارضة ضعيفة جدا وتقبل بقوات حفظ سلام وتبقي إلى حد ما على جزء من النظام.

وأضاف ان المعارضة لن تقبل بذلك وقارن أهداف المعارضة بالاستسلام غير المشروط الذي أنهى الحرب العالمية الثانية.

وتزيد مثل هذه المواقف المتصلبة المخاطر بالنسبة للإبراهيمي الذي أوضح المتحدث باسمه الاسبوع الماضي أن هدنة العيد ما هي إلا خطوة أولى وأشار إلى خطتي السلام السابقتين وقال "لا يمكننا تحمل الفشل لمرة ثالثة ... هو يبذل كل جهد ممكن ... لايجاد مبادرة شاملة ... هو على وعي تام بحقيقة أن هناك مئات الأشخاص يموتون كل يوم."

وبالنسبة للانديس فإن العداوات تعني أن فرص الابراهيمي في التوسط لأجل تسوية بعيدة بعض الشيء فيما يبدو.

وقال "ومع ذلك فإن جهوده ضرورية. ربما تبدي الاطراف يوما استعدادا للحوار ويتعين على الأمم المتحدة أن تكون موجودة ومستعدة للتحرك كوسيط. الأمم المتحدة هي فقط من لديها المشروعية لهذه المهمة".