هجوم اتصالي تونسي

بقلم: د. هيثم الزبيدي

يمكن القول أن ثمة "هجوما" اتصاليا تونسيا. فلسنوات طويلة دأبت تونس على الانشغال بالانجاز على الأرض ولم ترد إلا لماما على ما يثار حول سياساتها من قضايا. ظلت العلاقة بينها وبين شريحة من وسائل الإعلام الغربية المتصيدة وبعض المنظمات الحقوقية الأجنبية قائمة على إصدار بيان صحفي أو تصريح رسمي يعالج قضية تثار هنا أو هناك.
المشهد الإعلامي/الاتصالي تغيّر الآن. فتونس قررت أن تحمل انجازاتها وآراءها ومقارباتها لمختلف القضايا المحلية والعربية والعالمية إلى الآخرين.
في الطاولة المستديرة التي رعتها مؤسسة "تشاثام هاوس" البحثية البريطانية، قدم وزير الاتصال التونسي أسامة رمضاني عرضا متماسكا لواقع المشهد التونسي بمختلف أوجهه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية. ورغم أن فكرة الطاولة المستديرة كانت تقوم على استقطاب عدد محدود من المهتمين، إلا أن المؤسسة البريطانية وجدت نفسها مضطرة إلى تغيير طبيعة جلسة الحوار والانتقال إلى قاعة أكبر تتسع لعدد أكثر من الحضور ممن جاءوا بكثافة للاستماع إلى الوزير التونسي بإطلالته الأولى على المهتمين بالشؤون التونسية في بريطانيا.
المقاربة التي قدمها رمضاني للحضور كانت مؤثرة وبعيدة عن التعقيد. فإذا تحدثتم عن الحقوق السياسية فدعونا نرد بقيمة الاستقرار الذي توفر في البلاد ليرعى بقية الحقوق. وإذا تساءلتم عن حقوق الإنسان، فتذكروا حق الإنسان في العمل وحق المرأة في المشاركة السياسية والاجتماعية وحق الشباب في بلادهم. وإذا أثرتم موضوع النقابات والجمعيات الأهلية والمهنية، فأن الصراعات والمجادلات التي تدور في أروقتها هي نقطة ايجابية لتونس حتى وان اتهمت السلطات بالتدخل، لأنها تشهد بشكل غير مباشر على أن تونس ليست بلد اللون الواحد.
هل ثمة مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية في تونس؟
نعم، بالتأكيد وستبقى هذه المشاكل، ربما بأطوار مختلفة. فتونس ليست المدينة المثالية ولا تسعى في أن تكون كذلك.
ولكن مقابل كل تساؤل يثار من المراقبين، ثمة سؤال ينبغي أن يوجه إليهم.
هل يمكن للسياسة في بلد مثل تونس أن تنأى بنفسها عن مد السلفية المتصاعد والممول من البترودولار؟
هل يمكن للاقتصاد هناك أن ينجوا 100% من أزمة عالمية طاحنة تعتصر بلدان أوروبية متقدمة على الجانب الآخر من البحر المتوسط؟
هل يمكن لعملية تنموية في أي مكان من العالم أن تتخلص من الفساد والمحسوبية لكي تكون تونس بلد الشفافية المطلقة؟
هل توقفت الشرطة في أميركا عن ضرب الناس لكي يكون الشرطي التونسي ملاكا من السماء؟
هل تنتهك حقوق المرأة اجتماعيا في تونس أكثر منها، مثلا، في بريطانيا؟
أي دولة في العالم تمكنت من استرضاء كل الشباب لكي تتمكن تونس من فعل ذلك؟
هل نجت دول أوروبا من تأثيرات حرب البلقان لكي تنأى تونس بنفسها عن تأثيرات الصراعات الإقليمية في دول الجوار؟
هل قفزت دول أوروبا الشرقية إلى عضوية الاتحاد الأوروبي في ساعات لننتظر أن تحصل تونس على صفة الشريك المتقدم في أيام أو أشهر أو حتى سنوات قليلة؟
هل يمكن تحقيق تنمية من دون ضرر اجتماعي يصيب فئات وشرائح مهمة من الشعوب؟
هل يصح مقارنة التنمية في تونس، بكل ايجابياتها وسلبياتها، مع دول غربية مولت تنميتها بالاستعمار أو دول عربية أنفقت على نموها بالريع النفطي؟
هل حرية العمل السياسي التي تثيرها بعض المنظمات الغربية هي في أن تفتح الباب لأحزاب دينية لكي تصل إلى السلطة ثم يتم مقاطعة وحصار البلد مثلما يحدث الآن في حماس/غزة؟
هل تسمح دولة غربية بتخريب أو استهداف مكاتبها السياحية أو مكاتب شركات الطيران في الخارج أو حتى التحريض على مقاطعتها وتسكت عنها بحجة حرية الرأي؟ أليست السياحة "نفط" تونس الذي يعيل 400 ألف تونسي ومعهم أعداد أكبر من عائلاتهم؟
لماذا يتعامل الغرب مع بيان موجه إليه من منظمة متشددة على انه إرهاب، في حين يريد أن يتعامل مع ردة الفعل التونسي ضد بيان آخر، ربما من المنظمة نفسها أو من توائمها الكثيرين، على انه ترهيب من السلطة؟
ما أن تحمل هذه التساؤلات إلى منبر حر حتى تجد تفهما من المستمعين الذي اعتادوا على تلقي البيانات الصحفية من المنظمات والأفراد على أنها حقائق ومسلمات وانتهاكات لا تقبل الجدل. وكلما فتحت المزيد من الملفات وناقشتها وقدمت معطيات وأرقام أكثر، كلما صار المتلقي الغربي أكثر استيعابا للتوازنات التي على بلد مثل تونس أن يراعيها.
وعلى الجانب الآخر، ثمة أخذ ورد ينبغي للمسؤول التونسي أن يتلقاه وينقله إلى بلده. فليس الجميع بوضع من يطرح التساؤلات ليكيد لتونس، ولا أن إثارة قضايا حرية الرأي والمشاركة السياسية والديمقراطية وإرساء العدل الاجتماعي تعني انتقاصا بالضرورة من أهمية التجربة التونسية.
كلما حمل مسؤول تونسي ملفا إلى منبر خارجي وقدم ما فيه إلى الآخرين وعاد منهم بملاحظات وانتقادات وإطراء، كلما كسبت تونس مهتما في الخارج يقدر شفافية العلاقة، وكلما عوّل الطرفان على أهمية تلك الشفافية.
الاتصال، وهو اسم الوزارة التونسية المستحدثة مؤخرا، وهو اسم يعني التواصل في عالم لم يعد بطور الإعلام الموجه أو الدعاية. انه اسم موفق وسفارته الأولى إلى الغرب كانت موفقة أيضا.
نريد المزيد منها. د. هيثم الزبيدي