هجرة المسلمين إلى أستراليا.. تأثير الأزمات

الخوف يتزايد من التنوع العرقي والديني

على الرغم من التاريخ الطويل لوجود المسلمين في أستراليا، فقد شهدت وتيرة هجرة المسلمين ارتفاعاً كبيراً في أعقاب الحرب العالمية الثانية من (2704) مهاجرين سنة 1947 إلى (22.311) مهاجراً سنة 1971. كانت أكبر الفئات متحدّرة من أصول تركية في البداية. ومع اعتماد السياسة الأسترالية المتعدّدة الثقافات سنة 1972، تغيّر هذا الاتجاه بمجيء المهاجرين العرب من بلدان مختلفة نتيجة عاملين رئيسين: أولاً: عامل دفع متعلّق بالصراعات المتعدّدة التي تؤثّر في البلدان العربية (لا سيما الحرب الأهلية اللبنانية). ثانياً: عامل جذب متعلّق بأستراليا، التي أدخلت ونفّذت سياسات الحكومات المحلية للتوسّع الاقتصادي، وبرامج الهجرة الموجّهة توجيهاً جيّداً.

بعد الحرب اللبنانية

كان المهاجرون العرب في عداد هذه الموجة من الهجرة من مختلف المعتقدات الدينية، على الرغم من أن معظم المهاجرين اللبنانيين الذين انتقلوا إلى أستراليا قبل سنة 1975 كانوا مسيحيين. لكن منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، تزايد عدد اللبنانيين المسلمين الذين هاجروا إلى أستراليا. وأعقب ذلك موجات متتالية من فئات أخرى مثل المصريين والعراقيين والأفارقة.

منذ سنة 2001، تزايد وجود المسلمين في أستراليا باطراد. ففي 2001، كان هناك ما يقرب من (282.000) مسلم في أستراليا، وارتفع هذا العدد ارتفاعاً كبيراً سنة 2006، إذ أصبح عدد المسلمين المقيمين في البلد (340.000) نسمة. ووفقاً لآخر إحصاء أجري سنة 2011، أصبح المسلمون يشكّلون (2.2%) من السكان الأستراليين. واستناداً إلى بيانات مكتب الإحصاء الأسترالي، ارتفع عدد المسلمين في أستراليا بين سنتي 2001 و2011 إلى (476.000) نسمة، أي بنسبة (69%).

ويشكّل الإسلام اليوم ثالث أكثر الأديان تعداداً بعد الكاثوليك والهندوس. وتظهر البيانات أن 61.5% من السكان المسلمين وُلدوا في الخارج. ووفقاً لمكتب الإحصاء الأسترالي (2013)، كان (1.4%) من السكان الأستراليين يتحدّثون العربية. وقد تراجع عدد المهاجرين اللبنانيين المنتقلين إلى أستراليا مقارنة بالسنوات السابقة. ويوضح جمال ريفي بصفته قائد الجالية الإسلامية، أن طلبات الهجرة إلى أستراليا أصبحت باهظة التكاليف، ولا يستطيع الناس احتمالها. كما أن الجالية اللبنانية أصبحت أكثر اندماجاً، فلم يعد اللبنانيون يعودون إلى الوطن لإيجاد شريك، بل يفضّلون أبناء الجالية في أستراليا.

توفّر البيانات الصادرة سنة 2016 عن وزارة الهجرة وحماية الحدود، صورة أكثر حداثة عن وجود المهاجرين القادمين من البلدان العربية والإسلامية، بصفتهم مقيمين دائمين. فوفقاً لتلك البيانات، ارتفع عدد المهاجرين الماهرين القادمين من البلدان العربية والإسلامية سنة 2014-2015، وكان عدد الباكستانيين المنتقلين إلى أستراليا بصفتهم مقيمين دائمين، يفوق عدد المواطنين الأيرلنديين.

ففي 2014-2015، بلغ عدد المهاجرين الماهرين القادمين من باكستان (6974)، وبلغت هجرة أسر المواطنين الباكستانيين (1302) مهاجر. ويفترض أن يكون معظم هؤلاء المهاجرين مسلمين، إذ إن (87.8%) من المهاجرين من باكستان سنة 2013، حدّدوا أنفسهم بأنهم مسلمون، وفقاً لمكتب الإحصاء الأسترالي. وجاء أيضاً المهاجرون الماهرون الذين انتقلوا بصفة دائمة إلى أستراليا من البلدان العربية والإسلامية سنة 2014-2015 من ماليزيا (3997)، وإندونيسيا (2007)، والعراق (586)، وسورية (220).

أسهم البرنامج الإنساني أيضاً في زيادة حضور المهاجرين المسلمين والعرب في أستراليا. ففي 2015 و2016، خصّص قسم كبير من التأشيرات الممنوحة في الخارج (58.9%) لبلدان الشرق الأوسط. وحصل العراق على أكبر عدد من التأشيرات الممنوحة في البرنامج الإنساني (4358)، تليه سورية (4261)، وأفغانستان (1952). لكن تجدر الإشارة إلى أن تزايد وجود المسلمين في أستراليا، لا يرتبط ارتباطاً مباشراً بالهجرة، وإنما بارتفاع معدّلات الولادة في أوساط الجاليات الإسلامية والعربية.

التجـارب الاجتمـاعية عقب 9/11

يرتبط الخوف المتزايد من التنوّع العرقي والعداء تجاه الأستراليين العرب والمسلمين، بالإضافة إلى المهاجرين المسلمين، ارتباطاً وثيقاً بالأحداث الدولية والمحلية التي أثّرت في البلدان الغربية، بما في ذلك أستراليا.

فقد أثارت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ردّ فعل قوياً ضدّ الأستراليين العرب والمسلمين لأسباب عدة.

أولاً: أثارت طبيعة العمل غضباً وخوفاً وصدمة شديدة في كل أنحاء العالم، إذ شهدت البلدان الغربية للمرّة الأولى تأثير هجوم إرهابي.

ثانياً: نتيجة لإساءة فهم أسباب الحادث، بدأت البلدان الغربية البحث عن أحد تلقي عليه تبعات الهجوم. وعزّزت هجمات «11 سبتمبر/ أيلول» موقف القادة الغربيين ووسائل الإعلام الغربية بأن الإسلام بوصفه كياناً منسجماً، يحرّض على العنف الأولي المعادي للغرب.

هستريا تجاه طالبي اللجوء

فبدأت شرائح الرأي العام في البلدان الغربية، التي أصيبت بالذعر والهستيريا تنظر إلى زملائها المواطنين وطالبي اللجوء، العرب أو المسلمين، باعتبارهم إرهابيين محتملين وأشخاصاً غير جديرين بالثقة. ووفقاً للمجلس الأسترالي العربي، تضاعف التهجّم على الأستراليين العرب والمسلمين المسجّل في البلاد عشرين مرة في الأسابيع الثلاثة الأولى التي تلت أحداث 11 سبتمبر (أيلول).

وفي السنة نفسها، أسهمت الحكومة الأسترالية في تعزيز التمثيل السلبي لطالبي اللجوء القادمين من بلدان الشرق الأوسط. وبلغت ذروتها أثناء ما سمّي بحادثتي «تامبا» و«رمي الأطفال عن متن السفن» التي وقعت في المياه الإقليمية الأسترالية. وفي أعقاب تلك الحادثتين، أدخلت الحكومة تغييرات تشريعية واسعة، تزيد من صعوبة وصول طالبي اللجوء العرب والمسلمين إلى أستراليا. وكما يرى مايكل ليتش (Michael Leach)، استخدمت الحكومة هاتين الحادثتين بمثابة «موضوع مركزي» في حملتها الانتخابية سنة 2001. وكانت الحملة الانتخابية تهدف إلى تحديد الهوية الوطنية الأسترالية، مقابل من سموا بـ«العرب الآخرين». وكان «العرب الآخرون» مسلمين وشرق أوسطيين بالدرجة الأولى. وفي البيئة الخائفة التي أعقبت 11 سبتمبر (أيلول)، غالباً ما ربط السياسيون الأستراليون طالبي اللجوء بشبكات الإرهاب العالمية، مما عزّز القومية الأسترالية وصوّر غير الأنغلو أستراليين، وخصوصاً الأستراليين العرب والمسلمين على أنهم إرهابيون محتملون.

أثّرت الصراعات الدولية أيضاً في صورة الجالية العربية والإسلامية في أستراليا. وأسهمت مشاركة أستراليا في مختلف الصراعات في المنطقة في تعزيز المشاعر المعادية للمسلمين. وواجهت الجماعات المسلمة في أستراليا كثيراً من العداوة والكراهية للأجانب منذ 11 سبتمبر (أيلول)، وخصوصاً في أعقاب الحرب في العراق سنة 2003. وشُكّك في ولاء كثير من المسلمين لأستراليا وشعروا بأن عليهم الاختيار بين خلفيتهم الثقافية وهويتهم الوطنية الأسترالية.

تأثير حرب العراق

ومنذ سنة 2003، تأثّرت بلدان الشرق الأوسط بالعديد من الصراعات التي أسهمت في مزيد من تدهور صورة الإسلام والمسلمين في أستراليا. وما الصراعات المتعاقبة في العراق منذ سنة 2003، والحرب الأهلية السورية منذ سنة 2011، ومحاولة الانقلاب التركية سنة 2016، إلا آخر الأحداث التي أثارت اهتمام البلدان العربية. وقد أحدثت هذه الصراعات مزيداً من الضرر، في صورة المواطنين المسلمين المقيمين في البلدان الغربية، بما فيها أستراليا.

وأسهم حصار مقهى في سيدني سنة 2014 في تعريض التصوّر المتضرّر أصلاً للجالية العربية والإسلامية للخطر. ومن المهمّ أن الخطاب السياسي والتخمينات المتعلّقة بالحادثة ترتبط ارتباطاً غير صحيح بالأنشطة الإرهابية المحلية. وقد أثارت الحادثة قدراً كبيراً من القلق والخوف بين الناس. كما أن المخاوف من تجنيد المسلمين الأستراليين بمثابة «مقاتلين أجانب» منذ ظهور «داعش» أفاد مصالح بعض القادة السياسيين في تعزيز السياسات الجديدة المضادّة للإرهاب.

أضاف ظهور «داعش» بُعداً مقلقاً إلى العلاقة الشائكة أصلاً بين العالم الإسلامي والغرب. وأصبح الصراع في سورية -حيث تقوم «داعش» بدور رئيس- مسرحاً إقليمياً لحرب بالوكالة متعدّدة الأطراف. وتبرز أحداث مثل موجات الهجمات الحديثة في تونس، وسيناء، وأنقرة، وبيروت، وباريس، البعد العابر للحدود الوطنية لهذه الأنشطة الإرهابية. وقد سلّطت الأحداث الجارية الضوء ثانية على الجاليات العربية والإسلامية، وأحدثت مزيداً من الخوف في البلدان الغربية، وعزّزت الشعور بانعدام اليقين تجاه الأستراليين والعرب والمسلمين، وولائهم للبلد باعتبارهم مواطنين أستراليين.

من الواضح أن الصراعات والحوادث الإرهابية أثّرت في تصوّر الأستراليين المسلمين والعرب على حدٍّ سواء. ويمكن أن تتفاوت عواقب هذه الحوادث تبعاً للعديد من العوامل. وكشفت دراسة أجريت سنة 2003 أن العنصرية وكراهية الأجانب التي يمارسها الأستراليون الآخرون على الأستراليين المسلمين والعرب، وصلت إلى مستويات مرتفعة. وبيّنت الدراسة أيضاً أن العديد من الأستراليين يشهدون كل يوم أشكالاً غير رسمية من العنصرية، مشيرة إلى أن ربع الأستراليين يشهدون أنواعاً من العنصرية في تفاعلاتهم الاجتماعية اليومية.